أهم نتائج دراسة الاثر البيئي لاستخدام مياه الصرف الصحي في الري الزراعي

أهم نتائج دراسة الاثر البيئي لاستخدام مياه الصرف الصحي في الري الزراعي

محمد حزام المشرقي*

يعد استخدام مياه الصرف المعالجة للأغراض المختلفة أحد أهم البدائل الاستراتيجية للمياه المتجددة ومن أولويات خطط التنمية بالإضافة إلى أهميتها من النواحي البيئية والإقتصادية، حيث تساعد في تخفيف العجز الحالي للمياه الجوفية، كما تمثل أحد أهم المجالات الحيوية الواحدة في القطاع الزراعي كمصدر بديل لمياه الري حيث يؤدي استخدامها في الري الزراعي وبما تحويه من عناصر غذائية ضرورية لنمو النبات إلىزيادة في الانتاجية وتحسين مواصفات مياه الصرف ذاتها وتقليل مخاطر تراكم العناصر الضارة به في التربة والمياه الجوفية إضافة إلى تحقيق وفر في تكاليف الاحتياجات السمادية للنبات. على أن استخدام هذه النوعية من المياه مرهون بمدى تحقيق مستويات آمنة لإعادة استخدامها في مجالات الري الزراعي وري الحدائق العامة والأماكن الترويجية وتغذية المياه الجوفية والتبريد والاغراض الصناعية وأي استخدامات أخرى، بالإضافة إلى تأمين درجة كافية من حماية البيئة والصحة العامة من الآثار الضارة الناجمة عن التلوث وانتقال الامراض وذلك عبر سلسلة من مراحل المعالجة للتخلص من الملوثات واخراجها او تحويلها لصور أخرى، بحيث تنتج مياهاً يمكن استعمالها في الزراعة او تصديرها للبيئة دون ان تسبب آثاراً ضارة لمواردها الطبيعية.
لكن نتائج الدراسة التي أعدتها وزارة التخطيط والتعاون الدولي حول الأثر البيئي لاستخدام مياه الصرف الصحي في الري الزراعي في كلٍ من: (إب، صنعاء، ذمار) تشير إلى أن محطات المعالجة في تلك المحافظات تم تصميمها بطاقة إستيعابية محددة عند الإنشاء. أما في الوقت الحالي فإن كميات مياه الصرف الصحي الداخلة قد تجاوزت تلك القدرة بمعدل الضعف تقريباً مما أثر على نوعية المخرج من هذه المياه نتيجة عدم استكمال عملية المعالجة. وأشارت الدراسة ايضاً، وبناءً على نتائج التحاليل المختبربية للعينات، ان نوعية مياه الصرف الصحي الخارجة من محطات المعالجة لا تحتوي على تراكيز عالية تتجاوز الحد المسموح به من العناصر الصغرى والثقيلة باستثناء عنصر النحاس الذي تجاوز تركيزه الحد الحرج في مياه الصرف الصحي الخارجة من محطة صنعاء فقط. أما بالنسبة لبقية العناصر فمستواها دون الحدود الحرجة وبالتالي فإنها لا تشكل أية خطورة من هذا الجانب حالياً، مع الأخذ في الاعتبار أن الرقم الهيدروجيني للتربة، نوع معادن الطين، وكمية المادة العضوية، تلعب دوراً في التخفيف من اثر تلك العناصر وتراكمها. ومع ذلك يستلزم الامر ترشيد كميات المياه المضافة لرى المزروعات بحيث لا تزيد عن الحدود الفعلية التي يحتاجها النبات لتجنب حدوث آثار تراكمية لهذه العناصر على المدى البعيد.
كما اوضحت الدراسة ان محتوى مياه الصرف الخارجة من محطة إب من الأملاح الكلية يعتبر عالياً نسبياً (2480) ميكروسمينز/ سم). وقيمها لمؤشر الأثر المتبقي للبيكربونات عالية وهو أمريخرجها من نطاق صلاحيتها للري حالياً، ولذلك ينبغي وضع الحلول اللازمة لها لكي تستخدم في ري المحاصيل بشكل آمن وبما لا يؤدي إلى تدهور التربة.
أما محتوى مياه الصرف الخارجة من محطات المعالجة في كل من ذمار وصنعاء تعتبر متوسطة من محتواها الكلي من الأملاح بحدود (2000) ميكروسيمنز/ سم) وقيمها لمؤشر الأثر المتبقي للبيكربونات إلا أن ذلك سيكون له أثر تراكمي على زراعة المحاصيل على المدى البعيد. ومما يتطلب ضرورة البحث عن وسائل وطرق تحد من ارتفاع الملوحة وكذلك معالجة محتواها من البيكربونات التي تخرجها من نطاق صلاحية استخدامها. ومن ناحية أخرى أكدت الدراسة على إرتفاع المحتوى الجرثومي لمياه الصرف الصحي في جميع المحطات وبشكل يفوق كل المواصفات الموضوعة سواء المحلية منها أم الدولية. كما بينت أن ارتفاع مستوى العناصر الصغرى والثقيلة في ترب الاراضي التي رويت لفترات طويلة (10 سنوات) من مياه الصرف الصحي في بني الحارث في كمية مياه الري التي اوجدت ظروفاً اختزالية في التربة رفعت من قيم الجزء المتيسر من تلك العناصر.
وفيما يتعلق بأثر استخدام مياه الصرف الصحي على الخصائص الكيميائية والفيزيائية للتربة فقد بينت نتائج تحليل عينات التربة السطحية والتي تم جمعها من ثلاث حقول مختلفة، تتباين من حيث فترة ريها بمياه الصرف الصحي المعالجة في نطاق الدراسة، ان الرقم الهيدروجيني (PH) للعينات يقع ضمن النطاق العلوي المتوسط (7.0  – 8.0) وهذا يعني أن التباين في فترات الري لم يؤثر بشكل مباشر على قيمة هذا المؤشر. حيث أن التباين الطفيف في قيمه يقع في المستوى الطبيعي. أما بالنسبة إلى درجة التوصيل الكهربي (EC) والتي هي إنعكاس لمستوى ملوحة التربة فإنها قد تباينت بشكل تدريجي إلا أنها تقع ضمن مستوى الملوحة المنخفظة (250 – 2200 ميكرو سينمز/ سم) باستثناء عينة التربة المروية لفترة (10) سنوات في وادي المواهب بذمار والتي سجلت اعلى مستوى (11.00 ميكروسيمنز/ سم) وربما يعزي ذلك إلى قوام التربة الثقيل (زيادة في محتواه من السلت والطين) مما يعيق عملية الغسيل وحركة الاملاح الذائبة. ويتضح من ذلك بإن الري من مياه الصرف الصحي لفترة طويلة أدى إلى زيادة الأملاح وتصلب شديد للتربة ومن ثم صعوبة نفاذية الماء. وبذلك يكون قد وصل الحال إلى مرحلة حدوث الضرر، الذي يستلزم معه وضع المعالجات المناسبة قبل إستفحال المشكلة.
وقد أكدت الدراسة بأن كمية المياه التي تضاف لري المحاصيل تفوق حاجتها بكثير. كما ان استخدام المخلفات الصلبة كسماد وبدون معاملة يهدد بتملح التربةوتلوثها وتدهورها بشكل سريع مما سيجعل معالجتها باهضة التكاليف. واضافت ان جريان المياة الخارجة من المحطات في مناطق تفع فيها احواض مائية قد أدى إلى تلوث المياه الجوفية بالعناصر الخطرة عل صحة الانسان (بكتيريا، نترات وبعض العناصر الثقيلة).
وعلى الجانب الآخر لوحظ غياب الوعي الكافي لدى المزارعين المتعاملين مع هذه المياه إذ أنهم لا يتخذون الاحتياطات اللازمة مما يعرض حياتهم وحياة الآخرين لمخاطر صحية حقيقية. بالإضافة إلى غياب الإرشادات والتوجيهات حول نوعية المزروعات التي يمكن زراعتها بمثل هذه النوعية من المياه.
ويمكن القول إجمالاً أن الدرسات بينت في مضامينها الآثار السلبية ومدى التلوث البيئي، والاضرار والمخاطر على الصحة العامة للإنسان والحيوان جراء استخدام مياه الصرف الصحي للري بالممارسات الحالية، واقترحت جملة من التدابير الاجرائية التي تتعلق بضوابط استخدام مياه الصرف الصحي المعالجة في التطبيقات الزراعية، وتحديد الاشتراطات والمعايير لاستخدامها مباشرة في ري المحاصيل والمسطحات الخضراء والأخذ بالاعتبار خصائص التربة والمناخ ونوعية المحاصيل ورفع كفاءة محطات المعالجة الحالية لإنتاج مياه صالحة للزراعة والمساهمة في رفع المستوى الاقتصادي والاجتماعي للمجتمع المحلي في المناطق المختارة. وتحديد إمكانية استفادة صغار المزارعين من استخدام مياه الصرف المعالجة في تحسين مداخيلهم والتخفيف من فقرهم من خلال خلق المزيد من فرص العمل وتكثيف وتعزيز جوانب التوعية حول ضرورة الحفاظ على البيئة والمواد الطبيعية وتحديد الادوار المناطة بكافة المعنيين من مؤسسات وجماعات وأفراد من خلال إبراز الارشادات العملية عبر وسائل إعلامية مختلفة كرسالة ذات بعد وطني.

* خبير البيئة والموارد الطبيعية
وزارة التخطيط والتعاون الدولي