حنايا – هدى العطاس

حنايا – هدى العطاس

أظهر قرار الإفراج المبتسر الذي صدر قبل أيام عن المعتقلين على ذمة القضايا السياسية والذي مع ذلك هللنا له ظنا منا أن السلطة استشرفت حلا وطنيا لقضايا الاحتقان في البلاد، أظهر أنه لا يعدو كونه تأكيدا على الحقائق التالية:
 أن اتخاذ السلطة لقرار إفراج مشروط بتعهدات وضمانات، يعد انتهاكا وتنكيلا وتعديا على الحقوق يوازي أسباب اعتقال المنكل بهم، ويعنون دلالة أن السلطة ليست لديها نية حقيقية في الجلوس على طاولة حوار نظيفة لمناقشة الأوضاع المتداعية في البلاد وأنها تلغم مسبقا طاولات النقاش، ولا تبحث عن حلول جوهرية للمشكلات، وأن التغاضي عن الوضع المتفاقم وإنكاره لا يعني عدم وجوده، ووضع “طرابيلـ” على قضايا الاحتقان لتغطية منابعها وأسبابها، يفضي لتأسينها وليس لتجفيفها وقلب تربتها وتنقيتها، وهذا ما تحتاج إليه المواجهة الصادقة، سعيا لحلول وليس لتراكم عراقيل، ولا باختراع صنوف من الترهيب والتنكيل، فإذا كانت قد اعتسفت بعضا من المحتجين الذين أعلنوا عن رأيهم، فهذا لن يمنع احتجاج شعب بكامله في عرض البلاد وطولها (باستثناء فئة المتفيدين من الأوضاع) يعاني وإن أضمر رأيه، فإن الإعلان والإضمار يتساويان في هذا الشأن، ويشبه الإضمار الجمر تحت الرماد، تبدو منطفئة بينما هي تتأجج، متأهبة للانفجار والسلطة بتغييبها للحقائق وعدم إنصافها في تحمل مسؤوليتها الوطنية تجر الوطن من عقبيه إلى جرف عميق ستكون فيه أول الهاويين.
 وفي ابتسار إضافي فادح، يستثنى عبدالكريم الخيواني من قرار الإفراج أسوة ببقية المعتقلين رغم ما تحتشد به قضيته من انتهاكات، منذ لحظة اعتقاله وما سبقها إلى لحظة النطق بالحكم الظالم بحقه وما لحقها من تزوير، ولا تتوانى السلطة عن تكرار ردود أفعالها الهوجاء عندما لا تسمح لرئيس الاتحاد الدولي للصحفيين، جيم بوملحة، بزيارة اليمن، لمنعه من تسليم الخيواني جائزة منظمة العفو الدولية لصحافة حقوق الإنسان التي فاز بها، واقتيد إلى السجن قبل استلامها، مما يدل على أن السلطة تتصاغر أمام المختلفين معها كجهة اعتبارية تأتي على رأس مؤسسة العقد الاجتماعي، إلى مجرد كيان شخصي احتسابي، لا يتسامى إلى مصاف الدولة العقدية أي دولة النظام والقانون.
 وعلى الضفة المجاورة تكرر السلطة تصرفاتها الانتهاكية حين تعيد الفنان فهد القرني إلى السجن وفي زنزانة انفرادية تخص عتاولة المجرمين غير آبهة ولا خازية من دوافعها المنقوضة. ليس للخيواني والقرني من جريرة سوى الكلمة الحرة والرأي الشجاع دونما كشكشات من نفاق، في مساحة ظنوا أنها مندوحة حقيقية للحرية والتعبير عن الرأي، تصديقا منهما لتنطعات السلطة في غدوها ورواحها حول الديمقراطية وحرية التعبير وقبول الاختلاف والمختلفين. في الدول الحقيقية في ديمقراطيتها والمسيجة بالقانون والنظام، لا بالعسكر والثكنات، في هذه الدول تتجاوز حرية الرأي والتعبير أعلى السقوف، ولا توفر الآراء الانتقادية أحدا، من رئاسة هرم السلطة إلى أدنى مسؤول فيها، بل ويذهب المعارضون والمنتقدون أشواطا في تناول رئيس الدولة بأقسى أنواع الانتقاد والتصوير الكاريكاتوري الذي ينزله منزلة مزرية، ولم نسمع أنه قد اعتقل فيها صاحب رأي معارض بسبب تعبيره عن رأيه.
 في نهاية القول لخصت الحكمة الحضور في “تحدث حتى أراكـ” فليظل المستترون في العماء سادرين، ولتتلعثم السلطة كيفما شاءت… فحديثنا ممتد.
[email protected]