نبيلة الزبير تكتب عن خطاب الرئيس.. المخصخص

نبيلة الزبير تكتب عن خطاب الرئيس.. المخصخص

صرح رئيس الوزراء: “سنحول خطاب الرئيس اليوم إلى برامج عملـ”! ما الجديد؟! كل خطابات الرئيس تتحول إلى برامج عمل. لكن عمل من؟ عمل ماذا؟
 أوائل التسعينيات حينما كانت البلاد كلها تهرول باتجاه الخصخصة، كان للرئيس خطاب سرعان ما تحول إلى “برامج عملـ” للشيطان. بلغ الأمر حد رفع الدعم عن السلع الأساسية تحت رنين كلمة الرئيس: “الدولة ليست تاجرا، الدولة ليست أمَّا لأحد”. الجملة بليغة، ولها أن تترك من الرنين أكثر مما تركته جملة عبد الناصر: “أممنا قناة السويس”.
 واليوم الدولة “ترجع” إلى ما كانت عدلت عنه، وبتت فيه. تقرر أن تلعب دور التاجر. هل هنالك رجوع إلى الأمام!؟ الدولة كانت تاجرا. الدولة ليست تاجرا. الدولة عادت تاجرا. ثم ماذا!؟ كل هذه الأوضاع المجربة قادت إلى الهاوية. والكارثة أنها “مجربة”! لعبة الزقزاق هذه: تاجر، مش تاجر، تاجر… ليست أكثر من مناورة لم تعد استباقية لامتصاص غضب جماهيري متوجس!
 لا فرق هنا من هو التاجر، في كل الأحوال كان “حكوميون متنفذون” هم الشطار، الذين جعلوا التاجر مجرد آلة لطحن المستهلكين. المسألة ليست في: من هو التاجر؟ بل في قوننة هذه التجارة، وخلق آلية لحماية المستهلكين.
عموما، وعلى سبيل حسن الظن، في الخطاب الذي سيصبح “برامج عملـ” وربنا يجيرنا من “عملـ” بعضهم، الذي ببرامج أو وهذا هو الأصح: الذي بخطاب! ولأن الزراعة كقطاع عمل هي موضوع اهتمام كاتبة هذه السطور في الفترة الراهنة بحكم دراسة تعدها، هنالك بعض ما يتوجب قوله:
لا تزال الزراعة، رغم وضعها الراهن ومشكلاتها (من شحة المياه، وتواضع المنتج، وسوء التسويق وفرصه… الخ) تشكل النشاط الاقتصادي الرئيس لليمن. بمعنى أنها النشاط الذي يمكن أن يعول عليه إذا ما عولج بتدابير قانونية مدروسة، تذلل لهذا القطاع وتنمي فرص نجاحه.
في الخطاب المذكور، وعد الرئيس بـ”الدعم”! من أهم أوجه الدعم المطلوب، وبحسب رأي الكاتبة، ما يأتي:
– الشروع في قوننة ومدننة عمل القطاع. أي البدء في إرساء قواعد عمل بقوانين مكتوبة، تقوم على وعي مقدرات الإنتاج ومعوقاته (خاصة ما يتعلق بالمياه) وعلى حفظ حقوق الأطراف العاملة والمنتجة (زراعة وتسويقا)؛ لأن الارتفاع بقيمة العاملين هو ارتفاع بقدراتهم وبالتالي بإنتاجهم ليصبح نوعيا ويضمن الفاعلية.
– تطوير أساليب العمل وإعادة تأهيل وتدريب العاملين/ات فيه حاليا للأساليب المطورة.
– مكننة وسائل العمل لتذليل مشاقه، ولتحسين خط إنتاجه نوعا وكما، ولتشجيع انخراط الشباب فيه.
– خلق فرص عمل ناجح في هذا القطاع ليس فقط بمنح القروض، واستصلاح وتمليك أراض (وهذه ينبغي أن ترتبط بخطط يعدها متخصصون: ما الذي يزرع؟ أين؟ كيف؟) والوعد بشراء السلعة… الخ.
كل ذلك مهم. لنضف إليه، بعد أن ننبه: لا تضاعف ثمن السلعة المنتجة محليا. لا تضاعف فرص الاختناق. لكن فكر ب: إلغاء الجمارك على وسائل الإنتاج الزراعي والمنتج الزراعي (بكل مراحله: استيراد وتصدير وشحن)، لكل مشروعات الزراعة، خاصة الناشئة. أما الضرائب فيكون إلغاؤها، وتدريجيا، نوعا من تشجيع المنافسة. يكون ذلك الإلغاء للمشروع الأكثر تفوقا، وفق معياري الجودة والوفرة، ومعايير قوننة العمل، وحفظ الحقوق فيه، وتطويره، وتنمية فرصه وأسواقه. أي: تحول نشاط الزراعة من مجرد زرع ونزع، إلى نشاط اقتصادي يستوعب أكبر قدر من الناشطين، وأعلى مستوى من الإنتاج. يحظى الناجحون في المجال (زراعة وتصنيعا وتسويقا) بإعفاءات ضرائبية متصاعدة، لا تقف على سلعة المنتِج، بل تصل إلى مقتنياته المنزلية، وبيته الذي يبنيه… و… الخ. إنه دعم رهن التفوق والعطاء. إنه عطاءٌ مقابل، لا يصبح عطاء مستحقا إلا للنجاح الملموس.
مثل هذا الدعم يصير إلى مزيد من رفع مستوى الإنتاج، ومستوى دخول الأفراد، والأسر، والدخل القومي، في شراكة لا تغفل دور الحكومة، ولا تقصره عند مجرد إعلان: تاجر، مش تاجر…
لا نريد من الحكومة تاجرا، بل مخططا ومبرمجا وحاميا لسلعة هي من حق الناس زراعة وتجارة.