رئيس تحرير برتبة كبير الهجّائين، أو: ردحنجي بليغ ومؤثّر – مروان الغفوري

رئيس تحرير برتبة كبير الهجّائين، أو: ردحنجي بليغ ومؤثّر – مروان الغفوري

لا أدري كيف سأكتب ما أفكّر بقوله الآن. الأمر ليس سهلاً البتّة أن تكتب نصّا مقروءاً، إذا كان كل ما تريد أن تقوله فعلاً لا يتجاوز: أنا محبط، أنا مندهش. كذلك، إذا كنت تريد أن تسدي جميلا لأحد أصدقائك في الهواء الطلق، بما يحمله الطلق من احتمالات الطلاق، ونسف علاقتكما غير المتينة. وعلي أيّة حال فمن الملائم أن أفوْت في الموضوع، تلقائيّاً، بمقتبسات من سلسلة “مقالات رئيس التحرير” أعني: رئيس تحرير صحيفة قومية كبيييييرة، في اليمن طبعاً، وهو صديقي كما قدّمتُ منذ سطرين. يبتدئ صديقي المحرر العظيم واحداً من مقالاته دفاعاً عن شخصية سياسية يمنيّة منحها منازل في المديح يمكن توصيفها بمدائح المقاولات، مثل: القامة، العملاق، الكبير، الهامة، الشامخ… وكل ألفاظ الطول والمتانة والارتفاع، في نبرة واضحة تفضح الضيق بنقائض هذه الصفات لدى المادح تجاه ممدوحه. وربما كان اختيار هذه الحزمة من المدائح دون غيرها هو أحد تسريبات اللاوعي القلق، ولا داعي لتفصيل التفصيل. قال صديقي عن ممدوحه، في معرض التعليق على هجاء تعرض له في قناة فضائية منذ أسابيع: “اعتدنا -في اليمن- على سماع أصوات الموتورين والحاقدين والسفهاء عقب كل إنجاز نحققه”. ثم يعود إلى توكيد أصالة هذه الصفات في خصوم ممدوحه، بعد فاصل قصير: “بل إن هذه الأصوات السفيهة الوقحة صارت تبعث في نفوسنا المزيد من الغبطة والسرور”. هكذا مع أن مقاله لم يكن إفرازاً لغبطة ما، ولو من الدرجة العاشرة. ثم يدوسُ صديقي على بنزين الكيبورد بما لا يدع للغبطة والسرور احتمالاً، ولو خفيفاً: “إن غير الطبيعي هو أن يتحول الخلاف إلى تنابز سفيه وخصام وقح، وألفاظ مستقاة من أفواه السفهاء والأراذل والسوقة، والتي يربأ الشرفاء بأنفسهم عن الانجرار معها أو الرد عليها”. يستمر العرض الخشن على حبال الكلام بحسّ أمني عالٍ دافق. بيد أن صديقي يقرر منح زبائنه فرصة عفوية لالتقاط الأنفاس، فيقوم بإدراج معزوفة ناعمة عن القائد الفذ والغد المشرق (اللهم لا حسد). تتعطّل المعزوفة سريعاً ليعود البطل إلى مهمّته الفانداميّة (نسبة إلى فاندَام، وليس: الفندِم) بلباس آخر، له سمة واعظ السلطان. فكاتبنا يذكّر جمهوره الكريم بطهارة الملائكة ورجاسة الشياطين (ربنا ينتقم منهم) وبحتمية تجاور الخير والشر وسيادة الخير في الفصل الأخير، كما عزف شاعرُ إدمون روستان، سيرانو دي برجراك: “ولكنني في اللحظة الأخيرة أصيبـ”، وإن كنت أشك في أنه قرأ هذه الرائعة، لكن توارُد الخواطر بين الكاتبين الكبيرين، اليمني والفرنسي، وارد! وكصوفيّ يتوسط مريديه، يضوّعُ الأبيضَ بأسود، مستفيداً من إمكانات الكونتراست ليؤدي دور داعم الإيمان بحرفيّة. وهكذا، وبلغة العبقري نجيب سرور في ثورته الشهيرة “الأميّات” وهو يعلن يقينه الأخير عن موطنه مصر: “ربك خلقها كده، حتعمل إيه فيها؟!”. بمثل هذا المعنى طمأن كاتبنا الكبير مريديه وجمهوره ومعجبيه من قصار السن، وفوق ال18، بأن سنة الحياة تقتضي وجود هذه الفئة من تك تك تك… إلى آخره من أوصاف الفئة الباغية المرصوصة أعلاه، فهي حقيقة مثاليّة وسنة الله في “اللتي واللتيّا”، بحسب يقينه الناعم: “وإلا خلت الأمم والمجتمعات من المنحرفين والشواذ والمشوهين أخلاقياً ونفسيا” (حد يعد الشتايم ورايا يا جماعة).
 اللهم اخزي الشِّطَان. المهم، صديقي لم يتوقف، فطبيعة المشهد هي الهايبر- دايناميك، أصابعه تجري على الورقة وقد ابتلعتها شهية الكتابة، تماما كما تحدث كاتب كبير عن حالة الإبداع لديه، وإن كنت أستبعد أن يكون السيد رئيس التحرير يعرف اسمه. مش مهم، حتى وإن كان خوسيه ساراماجو. مرّة أخرى توارد خواطر بين كاتبين كبيرين، يمني وبرتغالي. استمر صديقي: “إن القامات العظيمة والهامات الشامخة، هي التي يحاول السفهاء والأراذل التطاول عليها وإثارة الغبار حولها”. لا أدري إلى أي مستوى يبدو رئيس التحرير متأكدا من هذا التعميم. وربما كانت جعبته مليئة بأمثلة لقامات سامقة تطاول عليها السفهاء، بيد أن التاريخ تدخّل وأثبت حقها الإنساني والأخلاقي في العلوّ، كما هي صيرورته وسيرورته. وبقدر عمله كمطهّر ومعقّم، فإن التاريخ له أيضاً خواص “السقّالات” في عمليات إعادة ترميم الذاكرة والمكان والزمن، ما هيك؟ متفقين. إذاً، لا تتعب حصانك ودع للتاريخ هذه المهمّة، وارحم نفسك قليلاً من هذا الاحتراف المرهِق، لاحْسن يطق لك عرق. واسمح لي أن أعتذر عن استخدام كلمة “جعبة” فأنا لست واثقاً من أنها لفظة تامة التهذيب، وللعرب في مساقات التأويل مذاهب، وأخشى أن تصيبني دائرة.
 أتصور أن الكاتب كان موفقاً كثيراً في إغلاق مقالته بهذا القول النبوئي: “وذلك إدراكاً منه أنهم ليسوا أكثر من مخلفات «عفنة» للمستعمرين والانفصاليين والإماميين والحوثيين، ولا جامع لهم غير أنهم مطايا لمن يستأجرهم ويدفع لهم، شأنهم شأن السفهاء والدواشن”. لاحظوا وضع كلمة “عفنة” بين قوسين، مع أن الأوصاف الخارجة عن الأقواس فيها الكفاية والبركة، لكن صديقنا جاب البتاع في البتاع، للتوضيييييح، ماشي؟ طيّب. المقالة أو المردَحة (حلوة كلمة مردَحة، اسم آلة عند الصرفيين، مثل مكنسة ومزبلة) قصيرة نسبيّاً، وبرغم قصرها فقد استطاعت بمهارة نادرة أن تحتوي على 31 قذيفة مطاطيّة، من النوع المسمى: بم بم، وهو غير: دم دم، المستخدم من قبل أفراد الجيش اليهودي. دائماً ما تكون المصادفات أكثر قدرة على التعبير الجوهري المكثّف، أو حتى المجازي العنيف، من الترتيب القصدي. وتحت سطوة هذه المفارقة كان جديراً بالمقالة، بعد كل مقاطعها، أن تختم بمفردة “الدواشن”. مصادفة ليست غريبة، فعلم النفس السلوكي يقرر شيوع هذا النوع من المصادفات، وربما أسرفَ النفسانيون في استخدام عبارة: المصاب بالشيزوفرينيا هو آخر من يعلم عن نفسه هذا الخلل، في حين يعتقد يقيناً بوضوح أعراضه على كل الناس. مممم، هل لهذا الأمر علاقة بالإسقاط، بإزاحة العدوان؟ علم النفس السلوكي يقرّر: يكره الإنسان صفات محددة بعينها، ولأنه يخشى أن يكتشف تجذّرها فيه، عند بداية ملاحظة أعراضها خاصة في ساعات الصدق الداخلي والمصارحة الشعورية مع الذات، فإنه يسقطها على خصومه لكي تكون مبرّرا إضافيّا لبغضهم وتهشيمهم. وبالمرّة لتجسيد هذه الصفات -التي يخشاها ولا يستطيع الفكاك منها- في صورة حيّة لينتقم منها في وضح النهار.
 طيب، بمقدوري أن أتفهّم ضرورة اللجوء إلى هذا النوع من الاستعراض المهاري، الباليه الجديد، من شخص لا يزال يردد أنه كان معارضا إسلاميّاً، وأن حزبه الإسلامي طلب منه التجسس على المؤسسة الإعلامية التي يعمل فيها، بيد أن ضميره رفض الامتثال بصورة قاطعة. حدث هذا، وفقاً لروايته في جلسة خاصة، قبل أن يمن الله عليه بالتحوّل الكبير إلى تنظيم سياسي لا يوجد فيه دواشن ولا تك تك تك… بصراحة، لست متأكّدا من أن مصدر هذه الكفاءة التعبيرية التي نحن بصديدها، باستخدام القاموس العربي الاحتياطي، قاموس السوقة، هو من لغات ومهارات حزبه الجديد، كما أعلم يقيناً أنه ليس من تابوته القديم، على كل حال.
 حتى في حديثه عن تنظيم القاعدة، فهو يستخدم نفس اللغة، ويغترف من بحر قذائفه اللجيّ، وكأن تنظيم القاعدة ناقص شتائم. أتخيّلُ صديقي وهو يكتب في سيرته الذاتية: أول من شتم تنظيم القاعدة في اليمن. وإن كنت أشك بصورة حادة في وجود تنظيم حقيقي اسمه القاعدة، وأن الأمر لا يعدو كونه مخترعاً أمريكيّاً صرفاً، فضحته كتابات وتحقيقات كثيرين، أهمها كتاب أمريكي يحمل العنوان نفسه “القاعدة”. ما علينا، نرجع لصاحبنا الآن، فهكذا كتب عن القاعدة: “إذا رغب البلداء والحمقى، والمأفونون، وموتى القلب والضمير، المتناقضون في الصفات، المتشاكسون في الأخلاق بتنظيم أنفسهم في كيانٍ واحد، فلن يجدوا أفضل من الانتماء لتنظيم القاعدة”. أعترفُ أن هذه الوصلة من الهجاء مؤثرة وبليغة. وإن كنت لا أدري ماذا سيكسب المقال من وراء هذا الردح والاسترداح، ولا ما الذي سيخسره أيمن الظواهري، أو يربحه وزير السياحة اليمني. ليس للأمر أي معنى سوى غريزة جديدة متحوّلة، رغبة جارفة في إثبات الولاء الصرف، تصدّع داخلي مخيف، إحساس مرعب لدى الكاتب في لا مواءمة المكانة والإمكانات. وهو ما يجعله يندفع، مثل شاحنة فولفو في منحدر جبلي، تجاه الخصوم الأشرار بالضرورة. ليس هُنا وحسب، بل في جميع كتاباته. يُهيّأ لي أن العمل في مجال الردح الرسمي الموجّه، والمدفوع، هو أمر مغري ومجزِل، ولدي أمثلة توقِر ظهر بعير (خليها حصان، أشيَك شويّة). ولا أخفيكم سرّاً أني أفكر من وقت لآخر، عندما يتأخر راتبي، في العمل “بارت تايم” رادحاً. فمثلاً، ما أسلس استمرار صديقي المحرر الكبير في هجاء تنظيم القاعدة: “إنهم فرق من البلاطجة والقتلة واللصوص، وعصابات الليل، عناصر وكفاءات من المارقين والأفاقين وشذاذ الآفاق”، وتك تك تك، حتى صرخت بصوت عال وأنا أقرأ: يا ابني ارحم نفسك شوية، حرام اللي بتعمله في روحك!
 وبالعودة إلى رغبتي في الاسترداح، أتصور أني سأعجز تماماً مع أول محاولة لظهوري على المسرح المكشوف من بواباته مجتمعة، فالردح والاسترداح هو السهل الممتنع بحق، وهناك من يعتقد أنها مواهب ربانية مثل الوسامة والصوت الحسن. أنا، مثلاً، لن يكون من اليسير عليّ أن أبتدئ من أول السطر في مقالة عن مدارس “تنظيم” الشباب المؤمن بهذه العبارة: “ما يحدث في صعدة على أيدي أذناب الصريع حسين الحوثي يستهدف بالأساس محاولة تقويض النظام الجمهوري”، كما كتب صديقي المحرر عنهم. هكذا، بعد البسملة مباشرة: “أذنابـ”، “الصريع”، ثم “تقويض النظام الجمهوري”. أصدقائي يعلمون، أيضاً، أن الأمر صعب للغاية، هو سيرك من اللون النادر، وأن اقتضاءاته غير إبداعية ولا معرفية. كما أن عدم توفّر الفرص الملائمة للتدريب، أو العمل، في هذا التخصص الدقيق يجعل من شرط “التحلل من المرجعية الأخلاقية والدينية والإنسانية” مقبولاً لدى بعض طالبي الاحتراف. أتصوّر أن استعداداتي النفسية، لتلبية هكذا شروط عُرفيّة، غير وافية. ولصديقي المحرّر الكبير أقول: استمرْ، مع بعض العناية بمهاراتك بغية التفرد! إنّك تتقن الدور بكفاءة استثنائية. كان جدي يقول لي دائماً: إذا شُفت المجنون يركَب الدّقْم قُل له باقي لك وشتخزقه! وبطريقة الدواشن، ويبدو أني واحدٌ منهم كما فهمت من مقالاتك ولا مانع شخصي لديّ من قبول هذا الوصف، سأقول شيئاً ما وأنصرف لمشاكلي: يزعم علماء الإدارة أن من رُفع أعلى من مستواه يحن دائما إلى أدواره السابقة، وقلّما يتكيف مع مكانه الجديد. لا أدري ما إذا كان من المنطقي استحضار علماء الإدارة هُنا. شيء ما يزعجني بحق، تكويني الذهني الهش الذي يصدّق أني مساهم في الصحيفة، والمؤسسة المشار إليها، بحسبانها مؤسسة مملوكة للوطن، وأني عندما أكتب إلى سدنتها ملاحظاتي على طريقة أدائهم فأنا أكتب إلى موظّفين أشارك، بطريقة ما، في دفع أجورهم الشهرية. مش قلتم دولة حديثة، وإلا كيف الخبر!؟ يا سيدي ولا يهمّك، ربّك خلقها كده.. حتعمل إيه فيها!؟