د. جون لامبير لـ«النداء»: لا ندري أين تقع دار المخطوطات في هيكلية وزارة الثقافة ولا أرى مبررا للخوف من اشتغالنا على المصاحف

د. جون لامبير لـ«النداء»: لا ندري أين تقع دار المخطوطات في هيكلية وزارة الثقافة ولا أرى مبررا للخوف من اشتغالنا على المصاحف

– نتعاون مع الألمان في مشروع لتطوير سبل حماية المخطوطات اليمنية

– مكتبة بالجامع الكبير مغلقة منذ أربع سنوات بسبب وفاة مديرها..!


– جمال جبران

يفعل كثيرون خلطاً، حال الحديث عن «مركز ثقافي فرنسي» بينه وبين «المعهد الفرنسي للآثار والعلوم الاجتماعية». حيث الأول مجرد مركز وحسب لتقديم دروس في اللغة الفرنسية وكذا تنظيم بعض الانشطة الثقافية الخفيفة. فيما الثاني مركز أكاديمي متخصص عامل بفعالية لافتة على الدراسات الاجتماعية والأثرية وكذا عقد الندوات العلمية المتقدمة في مجالات الدراسة الانسانية على اختلافها وتنوعها. كمايعمل ايضاً وبكثافة على إصدار وتحقيق الكتب والمخطوطات التي تدخل في دائرة اهتمام ذلك المجال. ولطبيعة النشاط الذي يقوم به المركز الثقافي الفرنسي الموسوم بيوميته يبدو قبلة للاهتمام الاعلامي به ولذا يبدو، شكلياً، في درجة متقدمة على المعهد الفرنسي للآثار والعلوم الاجتماعية. هذا الاخير ولطبيعة ما يقوم به، وهو من ذلك النوع الذي يعتمل في البطيء من الوقت ولذا يبدو كأن لا شيء يحدث في دائرته.
وبهدف فعل تسليط ضوء بسيط على ذلك الذي يتم انجازه بداخل المعهد الفرنسي للدراسات التقت «النداء» بجون لامبير، المدير، الذي جاء خلفاً للمستشرق البارز فرانسوا بورغا الذي غادرنا بعد خمسة اعوام قضاها بداخل ذاك المركز.
وجون لامبير معروف في الوسط الثقافي اليمني منذ سنوات طويلة امتدت خلال اشتغاله باحثاً في مجال فن الغناء الصنعاني وعازفاً له. كان نتاج تلك السنوات البحثية إنجازه لرسالة دكتوراه خرجت لنا مترجمة في كتاب ذاع صيته حمل عنوان «طب النفوس» وصدر عن الهيئة العامة للكتاب منذ عدة أعوام.
 في هذا السياق سألنا لامبير عن الفارق الذي طرأ على حياته في اليمن بعد أن صار مديراً للمركز الفرنسي للدراسات. فقال: «عشت في اليمن ومع اليمن كباحث أكثر من عشرين سنة وسواء كنت هنا أم في باريس كنت دائماً مع اليمن إما في الكتب وإما في الكتابة عنها والانشغال بغنائها وموسيقاها. بالنسبة لحياتي السابقة كباحث كانت حياة ممتعة لأن الباحث يمتلك حريته كاملة؛ في تنظيم أوقاته وفي اختيار أبحاثه. هذه الحرية هي كنز وفرصة كبيرين حيث حياة الباحث تتمركز في قريته وماحولها. لكن الآن وبحكم منصبي هذا أقول بان حياة الادارة مختلفة تماماً، حيث أعمل في خدمة الناس.
العمل الاداري يختلف عن فعل الباحث بما أني لم أعد متمتعاً بذات الحرية السابقة فعامل الوقت صار يحكمني. صرت ملتزماً بدوام محدد ومرتبط بواجب تقسيم المهام وتوزيعها وفي ذات الوقت أصبحت في خدمة باحثين مازالوا يتمتعون بنفس الحرية التي كنت اتمتع بها عندما كنت باحثاً مثلهم.
وعلى الصعيد الشخصي لي رصيد كبير في معرفة الناس هنا. ولكوني الآن قد صرت مسؤولاً فأجد صعوبة كبيرة في أن أربي صداقاتي كما كانت من قبل. في السابق كانت لي جلسات طويلة مع الاصدقاء في المقايل الخاصة والعامة، الآن اصبحت «أخزن» بشكل قليل ولم أعد استطع تلبية كل الدعوات الكثيرة التي تصلني من الاصدقاء الذين لم اعد ازورهم كثيراً ومنذ زمن طويل. واعتذر لهم هنا».
> ولكن كيف تنظر للمركز الآن بعد أن اصبحت مديراً له؟ وكيف كانت نظرتك له في السابق؟
– تختلف النظرة كلية. ممكن ان تجد البعض ينتقد المركز لأنهم لا يرون كل الشروط والضغوط والالتزامات المتوجبة لإدارة مركز علمي وايضاً بما يمثله من واجهة ديبلوماسية. ليس الجانب العلمي البحت فقط، ولكن الحوار العلمي بين فرنسا واليمن بشكل عام. هناك اعتبارات سياسية ولو انها في الأخير تصب في الجانب العلمي.
> نعلم الخطر الكبير الذي يتهدد المخطوطات اليمنية من إهمال وتهريب.. ماذا تعملون في هذا الجانب؟
– اهتمامنا في المركز بالمخطوطات اهتمام قديم. يوجد بين زملائنا في المركز باحثون متميزون في تحقيق المخطوطات، الباحث محمد عبدالرحيم جازم انتهى واصدر تحقيق «نور المعارف» ولدينا زملاء فرنسيون ينصب اهتمامهم على تاريخ اليمن والمخطوطات كما لدينا مشروع جميل في زبيد لفهرسة المخطوطات في المكتبات الخاصة.
> ألا ترون صعوبة أمر كهذا؟
– هو خلاصة أربع سنوات من الشغل وبمهنجية جديدة.
> أحدثك عن الصعوبات؟
– لابد من صعوبات تواجه أي عمل، خصوصاً في اليمن ولكننا نستطيع تفهم هذه الظروف التي أدت لهذا وبما يضطرنا للعمل وفق آلية تتوافق مع هذه الظروف ولا تندمج معها. ما يهمنا هو أن ننجز أعمالنا.
> وماذا عن المنهجية التي كنت بصدد الحديث عنها؟
– قلت لك ان هذا خلاصة شغل اربع سنوات اعتمد على منهجية جديدة اهتمت بالوصف الدقيق لكل جوانب المخطوطة، بمعنى الاهتمام الخاص باسم الناسخ عن طريق تحقيق العلامة المائية الموجودة في الورقة التي كتبت عليها المخطوطة.
هذا الاصدار بدأناه بمجلد، ويليه مجلدان، بدعم من صندوق التنمية الاجتماعية وهذه المجلدات تخص مخطوطات المكتبة الخاصة للحضرمي، وبعد ذلك ستذهب إلى مكتبة الاشاعرة،وهي مكتبة جماعية اسسها الحضرمي نفسه.
ومما يلزم قوله هنا انه تم خلال هذا المشروع تدريب مجموعة من أربعة أشخاص في مجال المخطوطات، وكل شخص متخصص في مجال بعينه.
> هل هناك سبل لتطوير هذا المشروع؟
– بالتأكيد عندما زار المستشار «شرودر» في فبراير قبل الماضي دار المخطوطات أعجب كثيراً بها ورأى أنها بحاجة ملحة للدعم فقدم لها مبلغاً مالياً بغرض تطوير سبل الحفاظ على المخطوطات، لا أنسى التذكير بأن الالمان لهم خبرة طويلة في مجال المخطوطات، لقد درسوا المصاحف القرآنية منذ الثمانينيات وقاموا بترميم بعضها في الجامع الكبير وبذلك فلديهم خلفية كبيرة عنها.
> أين الجانب اليمني هنا؟
– لو تركتني أكمل لقلت لك ان الادارة العامة للمخطوطات هي طرف فيه، لكن هذه الادارة ليست واضحة تماماً في هيكلية وزارة الثقافة عندكم، فلا ندري هل تتبع الوزير مباشرة ام هل تتبع الهيئة العامة للآثار!
> ما الصعوبات المترتبة على هذا؟
– هناك صعوبات طبعاً تترتب على هذا الغموض الذي يؤدي إلى صعوبة في مسألة توزيع المهام والمسؤوليات. لقد قدمنا هذا المشروع إلى وزارة الثقافة منذ سبتمبر الماضي وحتى الآن لم نتوصل إلى نتيجة حاسمة وهذا بالتأكيد يمثل خطورة على قيام المشروع الذي يرتبط بالسنة المالية لدينا، التي توشك على الانتهاء ولم نفعل شيئاً وميزانية المشروع في حال تجميد. هذا المبلغ المرصود كان مرتبطاً بميزانية 2005 ولابد له من موافقة حكومية كي نحصل على تمديد له.
> لكن هل يعقل ان تكون زيارة شرودر هي منطلق اهتمامكم بالمخطوطات؟
– لقد حدثتك عن اهتمامنا الخاص بالمخطوطات.
> أسألك فيما يخص سبل تطوير الحفاظ على المخطوطات.
– آه.. في هذا الجانب يعتبر مشروعنا هذا امتداداً لمشروع اليونسكو فيما يخص المخطوطات. لقد تعاونا معهم. المشروع الفرنسي- الالماني هو بمثابة امتداد لمشروع اليونسكو، الذين اختاروا «السوفت وير» في عملية الحصر، وهو برنامج خاص للقيام بقاعدة بيانات لحصر المخطوطات. نحن قمنا بمشروع خاص بتصوير رقمي متخصص لبعض المخطوطات المهمة وذلك بغرض تحقيقها ونشرها.
> هل ترون جدوى من العمل في بيئة لا تحترم قيمة المخطوطة وتتعامل معها بهذه الطريقة التي تلمسونها؟
– صحيح، لابد من عمل توعية وتنبيه السلطات اليمنية لأهمية هذه المخطوطات. هناك حاجة ماسة للتوعية في هذا الجانب. هناك مخطوطات تعد بالألوف في المكتبات العامة والخاصة لا يوجد اهتمام بها، لا من جانب الدولة ولا من جانب القطاع الخاص. لابد ان يكون هناك توعية باهمية هذا الموروث لدراسته والحفاظ عليه.
> كيف، برأيك، تتم هذه العملية؟
– ماذا تقصد بالضبط؟
> عملية التوعية؟
– آه.. فهمتك.. لو قمنا باختيار خمسين مخطوطة مهمة موجودة بدار المخطوطات وعملنا لها معرضاً وننشر منها عشر مخطوطات مثلاً ونقوم بعرضها بعد ذلك للجمهور، نعرض لهم طريقة حفظ المخطوطة وطريقة الترميم: لماذا هذه المادة هشة وماذا يجب عمله للحفاظ عليها، وهكذا. وفي نفس الوقت نسمح لهم برؤية ما تحتويه من مضامين من دين وعلوم وفنون، والعلوم التي اجاد فيها اليمنيون منذ آلاف السنين. حرام فعلاً ان تضيع مثل هذه المخطوطات التي هي بمثابة عامل افتخار وطني.
> أين وصلتم الآن مع الجانب الحكومي؟
– «لسه» بنتفاوض مع وزارة الثقافة للوصول إلى صيغة مرضية لكافة الاطراف.
> «بنتفاوض».. تقولها بديبلوماسية..!!
– «يقاطع».. شوف ياعزيزي.. أرى ان هناك مبالغة كبيرة فيما يخص اشتغالنا بالمصاحف. قالوا إن هناك علماء خايفين من كوننا أجانب، لو كانوا خايفين فعلاً كانوا اهتموا اكثر بها.
> ماذا تقصد بـ«اهتموا اكثر»؟
– سأوضح لك قصدي. في المسجد الكبير توجد المكتبة الشرقية وهي تابعة للاوقاف منذ عهد الامام احمد والامام يحيى وهي مكتبة في غاية الاهمية وظروفها معقولة من حيث الاهتمام بها. دار المخطوطات وهي خارج المسجد لكن تقع إلى جواره. اما المكتبة الغربية وهي مغلقة منذ اربع سنوات بعد ان توفي مديرها وهي تتبع وزارة الثقافة. وهذه مشكلة كبيرة (يقصد وضع المكتبة الحالي) فلا حماية جيدة لها ولا اهتمام بأحوالها وما آلت إليه، الفئران تمرح بداخلها والعتة لاتجد صعوبة في تمددها في المكان، ولا أحد يمنع تسرب المياه إليها. إنها قيمة كبيرة.
يشعر الواحد فعلاً أن دار المخطوطات ليس لها في وزارة الثقافة أية صلاحيات. ينبغي فعلاً أن يتم الاهتمام بها اكثر من حيث استقلاليتها.
> ماذا عن جديد تم في مجال التحقيق، أقصد من حيث الاصدار؟
– نحن نعمل في تحضير مخطوطة من العهد الرسولي وفيها اول خريطة لليمن رسمت على يد يمنيين، يحققها الباحث محمد عبدالرحيم جازم.
> واصدارات أخرى؟
– اصدرنا كاتلوج لآثار الجوف الموجودة في المتحف، وهو للباحثين منير عربس والدكتور ريمي شيت كات.
300 قطعة أتت من الجوف إلى المتحف الوطني من بينها فخار وحجر منقوش لاعمدة معبد قديم مع نقش جميل حيواني وانساني ونباتي وغيره. هناك احجار مجسمة لأشخاص وقائمة على القبورة مجسمة للمتوفين. هذا بالتعاون مع صندوق التنمية الاجتماعية واليونسكو. وهناك كتاب ترجمة من الفرنسية إلى العربية لأول رحلة فرنسية إلى العربية السعيدة في 1711م لجان دي الاروك ترجمة منير عربش بالتعاون مع وزارة الثقافة. وايضاً كتاب عن الشعر الشعبي المغنى في تهامة لعبدالله خادم العمري استمر عمله فيه اربع سنوات..
> أليست فترة طويلة؟!
– هذا طبيعي لكتاب من هذا النوع والحجم مع فهرست للَّهجة التهامية ويوجد فيها دراسة حول نمط الاشعار ومعلومات موسيقية وانثروبولوجية عن الحج والاعراس والمساجلات الشعرية. هو كتاب غير مسبوق وتعاونت شخصياً مع العمري في تحقيق النصوص في شغل مشترك. كتبت مقدمة بالفرنسية تسمح للقارئ ان يدخل في هذا العالم العجيب.
> وماذا عن إمكانية نقله بالكامل إلى اللغة الفرنسية؟
– هذا ممكن مستقبلاً وخاصة من قبل باحثين بما أنه يحتوى على فهارس مساعدة للَّغويين.
> سمعت في حديث خاص عن «قانون السبعين».. ماذا عنه؟
– آه.. هذا مهم.. هي وثيقة للعرف القبلي تدعى «قانون السبعين» وهي وثيقة قبلية للاعراف القبلية القديمة وكانت تستعمل قديماً في المناطق الشمالية الشرقية بالذات على يد العالم الكبير «بول درسن» البريطاني.
وهناك ايضاً، فما يخص اصداراتنا القادمة قريباً، كتاب جميل للصور المنحوتة في الحجر لما قبل التاريخ مع رسومات حيوانية غالباً كالجمال والبقر والخيل مركز علىمنطقة صعدة، وهي، في الاصل، اطروحة دكتوراه للباحثة مديحة رشاد مع مشاركة علماء فرنسيين.
> نأتي الآن إلى جانب مؤلم: قضية الآثار؟
– سأحدثك أولاً فيما يخصنا. توجد عدة بعثات فرنسية تعمل في الآثار يدعمها المركز، وهناك بعثة تعمل في وادي حضرموت وفي موقع مكيتون، وبعثة تعمل في ما قبل التاريخ بدأت تعمل في تهامة ومازلنا (أقوياء) في دراسة النصوص وكتابة التاريخ من خلال النقوش عبر الباحث منير عربش. ولدينا بعثتان في الفترة الاسلامية، في ميناء شارق في حضرموت التي كانت تعتبر ميناءً تجارياً في القرن العاشر والحادي عشر، وبعثة في منجم الرمتراض قديماً وفي بلدة جبلي حديثاً في منطقة نهم وهذا المنجم يشتغل قبل الاسلام وبعد بروز الاسلام تقريباً في 300 سنة في القرون الوسطى. إلى جانب مشروع اليونسكو الذي نشر في الحفاظ على آثار الجوف وخاصة معبد السوداء. ونحن مشاركون فيه.
> حدثنا عن الصعوبات؟
– هناك مشكلة في المناطق الشرقية النائية حيث يوجد وللأسف نهب وتجارة تهريب للآثار. هناك صعوبات للمشروع وصعوبات في الوصول للموقع والحفاظ عليه بسبب المشاكل بين القبائل وعدم بسط السلطة الوطنية على هذه المناطق.
> وماذ تعملون بهذا الخصوص؟
– هذه مشكلة دولية وليست يمنية. تجارة تهريب الآثار، التجارة غير الشرعية. يوجد في الغرب سوق كبيرة لتجارة الآثار وطلب كبير يغري المهربين ويغري الناس كي ينهبوا الاثار، في بعض المناطق الفقيرة يفضلون منحها للمهربين بدلاً من تسليمها للمتاحف، هي مورد رزقهم الوحيد.
وهذا يتم عبر عصابات تهريب منظمة. نحن في فرنسا نقع ضمن الدول التي وقَّعت على قوانين اليونسكو ضد التهريب ولكن للأسف ليست كل البلدان الاوروبية موقعة على تلك القوانين. على سبيل المثال وصلت إلى فرنسا بعض القطع اليمنية رفضنا شراءها ولكن دول اخرى قبلت ذلك.

[email protected]