للمرأة الكويتية.. صباح البرتقال – أروى عثمان

للمرأة الكويتية.. صباح البرتقال – أروى عثمان

إذا ما أخدنا حدث الانتخابات وترشيح المرأة في الكويت على أساس ثنائية الانتصار والهزيمة فسوف نقول: مساكين النساء, ألحقت بهن شر هزيمة.. لكن مقاييس القراءة الفكرية تقول بغير ذلك، إذ لم تكن هنالك هزيمة قط إلا في نطاق ما هو متعارف عليه في التفكير السائر و” جوووووول ” في مرمى الملعب.. قراءة سطحية بهذه الطريقة ستكون مجحفة.
في بلادنا العربية حيث القبيلة الوجه الآخر للسلفية الإسلامية، وجه آخر لتراث وتقاليد وأعراف..الخ، فالأصل الكل هو ذلك الواحد.
إنها ثقافة صخرية صحراوية، محملة بكل أنواع الرياح، من خماسين، إلى رياح الفالج، إلى ما تذروه العقول المتحجرة، لتمحو كل ماهو مغاير، وتدوس على كل من ليس في حفرتهم، ثقافة تتباهى بالفحولة “و«ما مره شخت من طاقة” وأن مقياس تصنيف البشر بمكيال الأعضاء وتتويجها إما بالمقدس أو المدنس».
وكلما نحا المجتمع من أغلال القبيلة قليلاً سُحب وجُرجر بأغلال اصدأ وأثقل، وأعنت.. أغلال تارة ترهبه باسم الدين، وتارة أخرى باسم الخصوصية والمحافظة والتقليدية والهوية.. الخ. وإن لاحت حداثة حقيقية من مكان ما فإنها تسحب من نخرها، وتشن عليها معارك قتالية شرسة من كل الجهات والجبهات، الظاهرة والخفية، وتخرج منها محطمة، مشوهة، لتترك المجال مسرحاً مفتوحاً بانتصارها على من يهدد وجودها، فهي لا توجد إلا في كنف الظل، في الكهف، في الماضوية، في حضرة الدم والاجترار.. وهذا ما حدث للمرأة الكويتية المتطلعة إلى حياة مدنية في إطار المشاركة، إلى حياة كريمة تتنفس بوجود الآخر، لا تنفيه وتكدسه تحت مرابع النفايات.
فالمرأة الكويتية الجديدة أول ما قالت يا فتاح ياعليم، كانت لم تدلف بعد عتبة التغيير، لم تتوشا بعد بلون البرتقال حتى هبت في وجهها كائنات ما بعد الخرافة مجنزرة بالقبيلة والدين ك(الطبطبائية) التي جندت حتى الجدران والهواء والأشجار والأحجار، وليس فقط الشباب والنساء، ليرفعوا ارثها المقدس: “حقوق المرأة بيتها”.
لكن لم تستكن المرأة الكويتية وخصوصاً الناشطات منهن وقيادات المجتمع المدني وأساتذة الجامعات.. الخ، ليواصلن صراعهن المرير مع جلاميد صخور الثقافة الإسلام- قبلية، فأخرجن حقوقهن إلى الشارع: الاعتصام، التظاهر، الكتابة، كل أدوات توصيل الرأي السلمي استخدمنها، وكلما رتقن شيئاً من هنا، كان ثمة من يثقب في مكان آخر، وإن سددن ريحاً حارقة من باب، فتح عليهن ألف باب من أبوابهم القاتلة.
إنهم سلالة عنقودية. كل عنقود مفخخ بمليون فتوى وفتوى.
لم تيأس المرأة الكويتية، وكل ما سقط عنقود ودمر معماراً صغيراً بنته المرأة، استأنفت تأسيسه وبنت وحضنت ونمّت رغم ضراوة القوى المستشرسة التي لا تجيد غير لغة واحدة: لغة الهدم لكل من، وما، يقف في مواجهة تركتهم المتغولة في المدرسة، المسجد، غرف النوم، الإعلام وفي الأحلام.
إنه الجلمود العتي الذي حطه السيل من عل، ومازال جاثما على رؤوسنا عبر القرون.
لم يكتف الطبطبائيون بإشهار سيف الفتوى والتلويح “بالمارد الديني الأخلاقي القائم على التقاليد والعرف” حتى وان كان عميداً لكلية الشريعة، يسبق اسمه حرف الدال فقد برز كحارس ومجاهد جلمودي.. إنهم أوثان ليس إلا.. وإن حاربوا الأصنام، فإنما ليكونوا أصناماً ناطقة: “لا يجوز للمرأة أن تصوت إلا بإذن زوجها”، بل ويضيف: إذا صوتت المرأة عكس ما يريده الزوج يقع الطلاق.. اُستخدم الدين، واستخدم سلاح التلويح بانهيار ودمار الأسر، وتمزقها.. بعد ذلك ماذا سيبقى لامرأة ترى أن أسرتها كل حياتها، ولذا كان تصويت النساء للذكور وأولي الأمر من: زوج وأب وأخ وإبن.
لم يكتفوا بذلك بل جندوا جلاميد الشباب ( الهتيفة ) “حقوق المرأة بيتها، ولا لحقوق المرأة” كفَّروا، واشتغلوا على طبخ وتفصيل التهم والتشهير والقذف والتهديد بالقتل كما حدث للمرشحة “عائشة الرشيد” وتحت هذا الغطاء جندوا النساء والشجر والحجر ليحصدوا الأصوات لحساب الإرث السياسي قبيلي الديني، ولسحق أي صوت يغرد خارج سرب ثقافة الجلمود.
ومع ذلك لم تيأس المرأة الكويتية، استخدمت كل شيء، هُزمت بمقاييسهم، لكن يكفيها أنها استنشقت رائحة الحرية، ذاقت طعم البرتقال لأول مرة، أقلقت راحة بال حراس التركة إسلام- قبلية – سياسية الجاثمة على الأنفاس من آلاف السنين.
ألا يعد هذا انتصاراً.. هذه المرأة التي لم تستقو بأجندة الفحول ” الطحاطيح “!! بقدر ما استقوت بالعقل، بالفكر، بالمدنية، بالنضال السلمي.
ربما كان ذلك، ليس شيئاً بمقاييس أدوات الفكر العربي المهزوم والمأزوم، ولكنه انتصار كبير بمقاييس الإنسانية، وبأفق صباح البرتقال.
فتحية للمرأة الكويتية الظافرة بحقها، والتي دعتنا لمشاركتها تذوق البرتقال.
فكيف تشوفووووووووو؟
[email protected]