ياء المنادى.. إنها لحظة صناعة التاريخ – محمد محمد المقالح

ياء المنادى.. إنها لحظة صناعة التاريخ – محمد محمد المقالح

فيصل بن شملان هو النقيض “الموضوعي” لعلي عبدالله صالح.. هذا ما سمعته مؤخرا على لسان احد المثقفين المحترمين،… وهو فعلا نقيض “موضوعي” للرئيس الحالي، في كل شيء تقريبا بدءاً من رجاحة العقل، ونظافة اليد، والشعور بالمسؤولية تجاه البلاد والعباد، وانتهاء برصانة الخطاب السياسي وامتلاك زمام اللغة ومفرداتها باعتبارها وعاء للمعرفة وأداة للتثاقف والوعي وليس أي شي آخر.
والحقيقة أن (التناقض) الملحوظ بين الرئيس الحالي والرئيس المحتمل سواء في مكونات بناء الشخصية، أم في طريقة التفكير، وقبل ذلك في موقف كل منهما تجاه الناس والقضايا والأحداث، هو مؤشر آخر وقوي على جدية التنافس الانتخابي القادم، ليس لأن التنافس بين (المتماثلين ) لا معنى له ولا يمكن لفوز احد الشبيهين أن يحدث تغييرا ملموسا في حياة الناس وفي مكانة الشعوب والأمم، بل ولأن التناقض المعرفي والقيمي بين صالح وبن شملان يجعل خيارات الناخب اليمني واضحة ولا لبس فيها، فإما أن يختار الماضي كله وما يمثله في حياته، وإما أن يختار المستقبل كله وما يطمح أن يمثله في حياته.
عندما ظهر علي عبد الله صالح عنوانا بارزا في صحيفة الثورة قبل 28عاما لم يكن معظم اليمنيين واليمنيات يعرفونه، ولم يكن له -بالضرورة- قاعدة شعبية واسعة أو مكانة اجتماعية بارزة.
 واليوم وبعد 27سنة ونيف، من السلطة، لم يعد اسم الرئيس علي عبد الله صالح مجهولا لدى غالبية اليمنيين، وعلى خلاف ذلك تماما فقد أصبح علي عبدا لله صالح معروفا في كل بيت و لدى الصغير والكبير، ولن نبالغ إذا قلنا بان هناك جيلاً يمنياً بكامله تقريبا، ولد وترعرع وتزوج وربما توفاه الله، في عهد الرئيس صالح. غير أن المشكلة اليوم لم تعد في عدم معرفة الناس بالرئيس أو في جهلهم باسمه وكيف وصل ومن أوصله إلى السلطة!؟ بل هي في معرفتهم له وفي استمراره فوق رؤوسهم وعلى كواهلهم طوال ثلاثة عقود من الزمن دون أن يتغير أو تتغير عقليته وطرائق تفكيره، والادهى من ذلك، دون أن يعلم أو يقتنع بان العالم من حوله قد تغير وان الزمن لم يكن زمنه والأَوْلى انه لم يعد زمنه، وبان استمراره رئيسا رغم كل هذه المتغيرات والتحولات الكبرى يمثل إهانة لأبناء مجتمعه وجرحا لكرامتهم الوطنية واتهاما لأمهاتهم بالعقم وبأنهن لم يلدن طوال ثلاثة عقود من الزمن سوى رئيس واحد حتى وإنْ كان صالحا.
فيصل بن شملان عنوان لعهد جديد مختلف تماما عما قبله، ولو لم تكن الأحزاب التي اختارته صادقة وجادة في جعل الانتخابات القادمة مختلفة عن سابقاتها وطريقا لفتح باب للمستقبل اليمني، لما اختارت شخصية كبيرة بمكانة ومصداقية وجدية فيصل بن شملان، الذي لا يمكن لمثله أن يجعل من نفسه (أُلْعوبة) انتخابية بيد السلطة أو بيد المعارضة لإعادة إنتاج الوضع القائم، وحتى لو افترضنا جدلا بأن أحزاب المشترك قررت في لحظة من اللحظات أن تقف في منتصف الطريق أو تتراجع إلى الخلف كما كان يحصل من قبل، فإن أول من سيواجه هذا التراجع والخذلان هو بن شملان نفسه الذي عرف بصرامته ومبدئيته، والذي صرح بأن التراجع عن قبول الترشيح في ظل الأوضاع المتردية التي تعيشها البلاد يعتبر هروبا و يمثل بالنسبة له معصية.
صناعة التاريخ والتحولات الكبرى للشعوب والأمم المختلفة يحتاج في كثير من الأحيان إلى أمرين اثنين فقط: فرصة تاريخية مواتية، ووجود شخص (بطل) أو جهة مسؤولة تتقدم مع شيء من المغامرة لانتهاز هذه الفرصة وملء مساحتها وتوجيه مساراتها لصالح شعبها وأمتها. وفي اليمن توفر الانتخابات الرئاسية للمعارضة ولفيصل بن شملان هذه الفرصة التاريخية التي يمكن من خلال انتهازها والإمساك بها إحداث ثغرة كبيرة في جدار الاستبداد والفساد اليمني وفتح آفاق جديدة للإصلاح والتغيير الذي طال انتظاره بسبب المترددين وكثيري الحسابات الفارغة.
المغامرون عادة ما يقودون أنفسهم وبلدانهم إلى الهاوية وإلى الحروب والدمار، هذا صحيح، غير أن من الصحيح أيضا أن المترددين والخائفين لا يصنعون تاريخا لا لأنفسهم ولا لشعوبهم وأوطانهم. وباعتقادي أن المعارضة اليمنية باختيارها فيصل بن شملان تكون قد تورطت بوعي في أن تخطو الخطوة الأولى على طريق صناعة التاريخ المجيد لهذا الجيل.
 لقد كانت المعارضة موفقة إلى حد كبير، ولن يستطيع الرئيس الحالي أن يطعن في تاريخ ومكانة ونزاهة بن شملان. ولعل أهم الرسائل الوطنية التي بعثتها المعارضة بهذا الاختيار الموفق، هي تلك التي جاءت في تصريح لرئيس منتدى التنمية السياسية(علي سيف حسن) الذي قال (إن بن شملان يمثل الوحدة الوطنية ويسهم في مداواة جروحها الغائرة، من ناحية، ويمثل رمزا للاستقامة والنزاهة التي يبحث عنها الناس في قادتهم ومسؤوليهم اليوم، من ناحية ثانية، ويفتح آفاقا جديدة لعلاقات طبيعية ومثمرة بين اليمن وجيرانها من دول الخليج والسعودية، من ناحية ثالثة، يقصد تلك العلاقات المثقلة بتاريخ الصراعات الشخصية بين حكامها وعلى حساب شعوبها!
[email protected]