وطن القهر – محمد الغباري

وطن القهر – محمد الغباري

بالأمس قُتل الصديق والمخرج المبدع عابد العسيلي ولم يتجاوز الثامنة والعشرين من عمره، كما ان طفله الوحيد لم يبلغ عامه الأول.
بالطبع القتلة مازالوا طلقاء ومراكز النفوذ تستطيع ان تمنع يد الانصاف من ان تطالهم، ومثلما وجد قتلة محمد الحامدي من يأويهم فإن هناك امتداداً لهذه القوى في كل مكان..
كان عابد في قريته في مديرية الحيمة، حيث احتفل بختان ابنه عندما امطرت جسده الطاهر رصاصات غادرة مساء الجمعة وظل ينزف دماً في المكان نفسه حتى فارق الحياة وجثته ما زالت الآن في ثلاجة مستشفى متنة.
صاحب الوجه الجميل والابتسامة الساحرة الذي ظل طوال سنوات عمله في المجال الصحفي يمقت الانتماءات الجهوية والحروب القبلية ويتمنى لو يحول هذا البلد إلى واحة من الاستقرار والأمان. قتل دون ان يكون طرفاً في خلاف حول مشروع للمياه في قريته…
في المناطق المحيطة بالعاصمة وتلك التي سيجها  الحكم بالنزعة القبلية المتخلفة لا يستغرب الناس ان يقتل شخص أو عشرة لأن هذه حوادث يومية إن لم تكن روتين حياة. وقد يأسف البعض أن قريباً له مات: «لاقضى ولا سلف».
الاسبوع الماضي وكالعادة كان عابد يمازحني بالاتفاق التاريخي الذي وقعه اعيان منطقته وحكومة ثورة سبتمبر من اجل الاعتراف بهذه الحكومة وتركهم مساندة الأئمة. وقال سأبحث لك عن صورة للوثيقة التي تنص على أن لا تقوم الحكومة بعمل مدرسة او طريق او مركز أمني او أي مشروع من المشاريع الخدمية.. وختم حديثه بابتسامة كانت دائماً تعلو شفتيه: «وقد كانت الحكومات المتعاقبة وفيه بالإلتزام فلم تفعل شيئاً للمنطقة حتى الآن».
تصوروا أي وطن هذا الذي يدفع ابناؤه ثمناً باهضاً لخدمة قيم اجتماعية عفنه تحصد كل جميل!؟
أي ذنب ارتكبه عابد وغيره من الشباب الذين تفتحت اعينهم على عالم معبأ بالقيم الانسانية والعلم وتقديس الحياة..؟ ترى هل تستحق القبيلة كل هذا الفداء وأي مشروع ننتظر انجازه من حكم صنع بمهارة تزاوجاً فريداً بين القبيلة والدولة وما زال يحميها؟!
أي رسالة يمكنني اليوم ان ارسلها لصغير هذا الصديق الجميل وابوه وامه واخوانه وزوجته؟ هؤلاء المذبوحون بغياب طائر النورس الذي كان يحلق في شواطئهم عند منتصف كل شهر.
كنت قد عرفته بداية العام 2000م حين كنت أعمل في مجلة «القسطاس» القانونية وقد توطدت علاقتي به بعد ذلك أكثر فأكثر وترافقنا في اكثر من صحيفة، كان خجولاً، بشوشاً شفافاً، يقتني من القيم اثمنها ومن الشهامة والاخلاص ما لا تجده لدى الكثيرين.
أراد ان يختط سطراً جميلاً في واقعه الاجتماعي المثقل بالجراح والجهل والصراع، إلا أن قوى الغدر كانت اسرع.
عابد لك حبي وكل ألمي وحزني.. وللقتلة عدالة السماء التي تكفلت بإنصاف المظلومين في وطن القهر..
[email protected]