صنعاء.. مدينة ظامئة تغرق في فنجان – بشرى العنسي

صنعاء.. مدينة ظامئة تغرق في فنجان – بشرى العنسي

“صنعاء تغرق في نصف ساعة!” عندما قالها ذلك الوافد العراقي لم يكن يتبصر حينها في فنجان قهوة أو ينظر إلى بلورة سحرية ليتنبأ بما يحدث، وإنما إلى أسفل قدميه ولا يكاد يلامسهما، لم يكن مترجلاً حينها بل راكباً أحد الباصات وقد تحول إلى سفينة استغرق وصولها إلى المرفأ ساعات.
رحلة شاقة تكبدها في ذلك اليوم الماطر على متن سفينة “هايل – الحصبة” فوق بحر ليس كذلك الذي يعرف «بحر بلون السماء» وإنما فوق بحر من “الشاي الملبن” وسط عويل وصراخ الناس وسيارات عجزت عن المقاومة فسحبها المد.
مناظر ومآسٍ تتكرر كل عام داخل العاصمة في موسم الأمطار. وذكريات قديمة تحل محلها أنات جديدة لدى سكانها، إلا أن والدة عزيزة (13 عاماً) التي جرفتها السيول أثناء خروجها من المدرسة ستظل تجتر ذكرياتها الأليمة كلما سقطت قطرة مطر.

المهندس “عارف الشجاع” من وحدة تنفيذ السائلة.. قال لـ”النداء” إن المشكلة هي جغرافية صنعاء، حيث تعتبر من مدن القيعان وهي مناطق احتقان الماء.
وأوضح المهندس أن صنعاء أكثر المدن معاناة من هذه المشكلة، إذ تأتي الأمطار والسيول من خارج صنعاء وتمر عبرها.
“الماء يأتي من الجنوب يقطع المدينة باتجاه الشمال ويمر عبر السائلة الرئيسية إلى منطقة الرحبة”.
المطر في صنعاء قد لا يستمر أكثر من نصف ساعة ومن داخل المنازل نخمن بأنه مطر خفيف ولكن بمجرد خروجنا إلى الشوارع نكتشف أنها قد غرقت تماماً ولا مكان لموضع قدم. وهو ما فسره الدكتور عبدالله نعمان، أستاذ المياه في كلية الهندسة – جامعة صنعاء، بقوله: “طبيعة الأمطار في اليمن، وفي صنعاء بوجه خاص: شدة مطرية كبيرة لفترة زمنية قصيرة وهذا يتطلب مجاري لتصريف الأمطار بحجم كبير”.
شبكة تصريف الأمطار الفرعية والسوائل الرئيسية بدأ العمل فيها منذ التسعينات، وكان أول مشروع هو سائلة صنعاء القديمة، الذي اعتبر مشروع حفاظ على المدينة القديمة من السيول التي كانت تؤثر عليها. ثم جاءت المرحلة الثانية من المشروع وهي السائلة التي امتدت من “شعوبـ” إلى “الحصبة” تليها المرحلة الثالثة التي قسمت إلى (أ) ، (ب):
المرحلة (أ) امتدت من الزبيري وحتى الدائري، في حين واصلت المرحلة (ب) من الدائري وحتى الستين الجنوبي – حسب المهندسين في وحدة تنفيذ السائلة- المرحلة الرابعة من المشروع، الجاري العمل فيها حالياً، تشمل سائلة القادسية وفرع الأصبحي الشرقي والغربي وشارع الخمسين. وهذا الأخير قد انتهى العمل فيه.
توقف حركة السير لساعات من زخات مطر، وعجز الكثيرين عن الخروج من منازلهم خاصة بعد الظهيرة يأتي أحياناً كنتيجة لإهمال ولا مبالاة من الناس والجهات المعنية، يظنونه بسيطاً ولكن النهاية هي انسداد فتحات تصريف المياه الفرعية، الموجودة في الشوارع بسبب المخلفات الصلبة والبلاستيكية، فضلاً عن أنه عند تخطيط الشوارع لم يتم اعتبار الميول الرئيسة للشوارع إلى فتحات تصريف مياه الأمطار حسب م/ عبدالله نعمان، الذي اعتبره تقصيراً وعدم تنسيق بين الجهات المختصة المختلفة.
الأمطار المتساقطة تأتي لتفضح إهمال وتسيب كثير من الجهات التي تعمل على حفر الشوارع بشكل متكرر وتركها كما هي بدون إعادة رصفها لتبدو العاصمة كثوب مرقع.
وأكبر دليل على ذلك التسيب ما حدث لعزيزة الجبري التي لقيت حتفها بعد أن جرفتها السيول التي شهدتها مديرية السبعين بأمانة العاصمة إلى حفر ترابية عميقة ووجدت بعد مرور ما يقارب ال(20) ساعة من أعمال الحفر والشفط والتنقيب في حفرة تجاوزت (4) أمتار، حفرتها الشركة المنفذة لمشروع الطريق المحاذي للسائلة الواقع إلى الغرب من حارة القادسية بمديرية السبعين.

إلى لا شيء
الكارثة لم تتوقف عند غرق عاصمة في فنجان شاي أبيض، أو عند إهمال سماسرة الشوارع، أو في قرطاس يرمى فيسد المجاري، أو حتى عند جثة عزيزة فقط وإنما امتدت لتشمل اليمن بكاملها، فمع التقارير الأخيرة التي بدأت تظهر محذرة من نقص مؤكد في منسوب المياه وخاصة تلك التي خصت حوض صنعاء وأثارت جدلاً كبيراً حينها، ومع ذلك فإن مياه الأمطار ما زالت تجد طريقها إلى مجاري الصرف الصحي وإلى اللا شيء؛ فتلك السيول التي تأتي من خارج صنعاء وتمر عبرها خلال سوائل عدة تتجمع وتتجه في الأخير نحو الشمال (الجوف) فتتلاشى في الطريق دون استغلال.
المهندس أحمد عمر، من وحدة تنفيذ السائلة قال لـ”النداء: “مسؤوليتنا حماية صنعاء من أخطار السيول وكوارثها خصوصاً حين تمر المياه في مناطق غير مسفلتة تدخل إلى أساسات البيوت وتؤثر عليها. ويرى م/ عارف الشجاع “أن استغلال تلك المياه على عاتق جهات أخرى من المفترض أن تفكر في هذا الموضوع”، بينما تقتصر مسئوليتهم على إخراج ذلك الماء من المدينة.
قدر الاستهلاك السنوي من المياه لعام 2000 بحوالي 3.4 بليون متر مكعب بينما قدرت المياه المتجددة لنفس العام بحوالي 2.4 بليون متر مكعب. وهذا بحسب الورقة التي قدمها د/ عبدالنور غانم رئيس قسم الهندسة المدنية – / سدود وحواجز، بجامعة ذمار.
الأمر الذي يسير إلى حدوث عجز سنوي يساوي بليون متر مكعب. وتوقع غانم أن يزداد تفاقم الأزمة في المستقبل بسبب الزيادة المستمرة في معدلات النمو السكاني واستمرار انحسار موارد المياه المتجددة؛ بفعل العوامل الطبيعية الناتجة عن التغيرات المناخية ومشاكل التلوث، وكذلك الاستمرار في الاستنزاف المفرط للمياه الجوفية.
وأشار كذلك إلى القصور في إستراتيجية الإدارة الفعالة للموارد المائية المتاحة حيث يعاني قطاع الزراعة، الذي يعد من أكبر القطاعات المستهلكة للمياه المتاحة، من قصور تكنولوجي بسبب الاستمرار في اتباع الطرق التلقيدية في ري الأراضي الزراعية، وتدني كفاءة استخدام المياه مما يسبب في هدر وضياع 67% من المياه المخصصة لهذا القطاع والمقدرة ب90%.
ما سبق يضعنا أمام مشكلة كبيرة في المياه ويستلزم الاستفادة من كل قطرة ماء بدلاً من تركها تضيع بين الجهات لتصل إلى المجاري والتبخر. لتصدق على صنعاء مقولة: “شاموت عطش والماء قبال عيني”.
[email protected]