في وداع اللواء الركن فضل العنشلي.. إصعد فموطنك السماء

في وداع اللواء الركن فضل العنشلي.. إصعد فموطنك السماء

– بجاش الأغبري
عاش متواضعاً في معاملاته، وارتباطاته بالطبقة الكادحة، لكن الموت اختطفه فجأة دون مقدمات.
العميد الركن فضل العنشلي واحد من ألمع وأبرز الشخصيات الوطنية المرتبطة بالأعمال الإنسانية والأخلاقية، والأكثر تأثيراً في مجتمعنا بأسره.
إن الحزن يحاصرني من جميع الاتجاهات منذ أن غادر كوكب الأرض، وأتساءل من سيزرع الابتسامة والأمل في قلوب البؤساء الذين تعودوه كلما احترقت آمالهم بجحيم الوضع الراهن؟!
أيها القائد الراحل من دياجير الظلام إلى قبة السماء الشاسعة. أيها الحضور الحاضر من دم الأزمنة، أنت قطرة العرق النازفة حتى في جبين الغياب.
منك تولد المجرات وتأخذ حيزها الأسماء والأمكنة، وفيك حمولة الغيم الرحيم، فلتراب رجليك الطاهرتين عبق الجنة، ولرضاك مفاتيح الفردوس المنشود.
ولو سطرت لك كل الأحرف فلن أجد كلمة تفي كلماتي، ولا تعبيراً واحداً يعبر عن خلجات نفسي، فالقلم يخونني من جهة والكلمات تخذلني من جهة أخرى!.
ولكنني يا أبا أوسان، لا أملك سوى بعض كلمات هزيلة أنضمها عقداً متواضعاً أضعه على عتبة تاريخك اللامع في المساعي الإنسانية الحميدة، وأتراجع خجلاً ووجلاً أترقب دفء صوتك في جليد أسلاك الهاتف المعطلة.
تعود بي عجلة الزمان إلى الوراء، إلى ذلك الزمان الذي عرفته فيه (1980) عندما كان قائداً لسرية النجدة، وكنت أسكن في منزل بجوار منزل الفقيد الثوري المناضل، فعرفته بشوشاً لا تفارقه الابتسامة. ما زلت أتذكر تلك اللحظة التي ناديته فيها وأطفاله يبتسمون من بلكونة البيت والبراءة تغمرهم، وهم كعصافير الفجر التي تغمر زقزقتها سعادةً كل من يسمع. أتخيل الأطفال أمامي وهم في بلكونة الدور الثاني يتبادلون الحديث ويطلقون أصوات عذبة بريئة في أمتع الأوقات وأكثرها هدوءاً.
هذا الإنسان اجتاح ذاكرة كل البسطاء بأخلاقه عندما كان يتنقل بسيارته المتواضعة من نوع “لاندروفر” ويمر بها من مدينة الشعب الكائنة بالشيخ عثمان جوار مطعم الشجرة ويظل ينادي المارة بأن يصعدوا إلى سيارته ليقلهم معه إلى مدينة الشعب وبدون أي مقابل ثم يتبادل معهم أطرف الحديث والنكات ليخفف بؤسهم. فأي قائدٍ كهذا؟!.
مقدم ركن. نزيل السجن المركزي –
صنعاء – منذ 12 سنة