حضرموت والتنمية – محسن العمودي

حضرموت والتنمية – محسن العمودي

في موضوع العملية الاستثمارية، وفي ظل القانون الحالي المعمول به، والذي يعوزه الدقة والوضوح المطلوبين، والسبب في ذلك أنه أضحى بابا لولوج الفجور والصدام بين أصحاب الحقوق الشرعية والمتلهفين في اختطاف واهتبال فرصة الربحية السريعة ثم الهروب السريع، وهذا الوضع الخطير ما تطمح إليه السلطة المتنفذة عن قصد وسبق إصرار، أسوة بمحافظات أخرى ما زالت مشاعل الفتنة والصدامات في تجمعها المدني ماثلة للعيان، وحتى نجنب أهلنا الانزلاق في هذا الشرك المنصوب، فان الواجب يحتم على المستثمرين التحلي باليقظة والحكمة، والترفع عن المزايدة واختطاف واهتبال الفرص، وابرز معلم في هذا الصدد يحتم سد باب الثغرات عن أي مسعى طفولي أو متطفل رسمي يلج لابسا عباءة التوفيق، أو التحكيم أو الإصلاح، فلا خير في كثير من نجواهم. ولكي نضع النقاط على الحروف والأصبع على الكلمات، مستلهمين خبرات وتجارب من سبقونا، خصوصا دول الجوار، فضلا عن أن التراكم المعرفي من أهل الاختصاص والتجارب العملية في الوطن والمهجر، فقد أصبح من اللازم تبيان ما يلي ليتسنى الحديث رسميا وشعبيا عن موضوع العملية الاستثمارية في شكلها وأسلوبها وإطارها الصحيح:
 إن قانون الاستثمار الحالي يكتنفه الغموض والضبابية، لسبب بسيط إن التسيب وعدم الاكتراث بالفترة الزمنية المقيدة والمنظمة والمشجعة للمستثمر الجاد، مدعاة للتغيير ومدخل للشك والريبة.
 عدم وضوح جهة الاختصاص المخولة بالبت والحسم حيال أي إشكالية تثار، بين المستثمر الأجنبي ونظيره الوطني، ناهيك عن المستثمر الوطني ذاته في الداخل والقادم من المهجر. ومن نافلة القول فان غياب الاستقلالية وغياب الصلاحيات المطلوبة للجهة المختصة وغياب الحصانة تعد مبعث إحباط لكل نية صادقة للاستثمار.
 وثالثة الأثافي، فان التدخل وأساليب التطفل والإقحام قسري لبعض قيادات السلطة التنفيذية في هذه المحافظة في نشاطات العملية الاستثمارية، وقيامها بدور الوسيط تارة بطريقة مباشرة، وأخرى عبر وسائط فردية أو مكاتب داخل المحافظة أو خارجها، بل قد يتعدى هذا الأسلوب مباشرة أعمالا عجيبة خارج حدود الوطن، كما درجت عليه بعض كوادر السلطات في دول مجاورة وغير مجاورة.
 ومع فهمنا وتقديرنا لمهمة الدولة وجهات الاختصاص الرسمية فيها، المعززة والداعمة للعمل، كما هو حال كثير من الدول، فإن هذا الدور كما جرت عليه العادة يأتي وفق قنوات محددة، منسجما ومتسقا مع منهجية العمل الاستثماري، وليس وفق “خبط عشواء، من تصب يمت ومن تخطئ يعمر فيهرم؟”. إن الاستحقاقات الحتمية لجدية العمل هنا تكمن فيما يلي:
 إحقاقا للحق والإنصاف، فان التجربة لفترة الشرعية كانت مثالا مزريا ومجلبة للعار والسخرية، وقد تجلى ذلك في النتائج المدمرة والملموسة والجلية للجميع، داخل هذه المحافظة وخارجها، وكان ذلك أمرا طبيعيا لعدم أهلية الأداء والوجوب، الذي يفتقر إليه جل ممثلي السلطة السياسية، الذين يفتقرون أساسا لأبجديات وقواعد العمل الإداري، ناهيك عن فهم قواعد مهام العملية السياسية، ومرد ذلك إلى الغياب المزمن لآليات ومؤسسات الدولة، ومن نافلة القول، غياب الموروث الإداري والسياسي الحتمي لذلك – فما هكذا تورد الإبل يا سعد.
 وكانت النتيجة الحتمية المؤسسة على تلك المقدمات الخاطئة، فضلا عن النتائج المدمرة الماثلة أمام الجميع، السعي المهيمن لكل من تولى مهمة هذه المحافظة العزف المنفرد واللهث نحو اهتبال واختطاف كل فرصة متاحة أو مفتعلة، للإسراع والتسريع في تحقيق مآربه الشخصية بالإثراء. وإننا على معرفة تامة بالأسماء والمسميات التي تختفي وتتخفى وراءها تلك المصالح، لأولئك المكلفين بمهمة العمل الرسمي للسلطة في هذه المحافظة تحديدا، ممثلة في الأراضي والمباني والمشاريع، ناهيك عن فهمنا لهذه المصالح في دول خارج حدود الجمهورية، وتحديدا في دول الجوار وأوروبا، وخصوصا في جمهورية ألمانيا وجنوب شرق آسيا، ولقد نما إلى علمنا بأن السفه قد وصل بأحدهم إلى درجة طلب الزكاة دون وجل أو خجل أو احترام للذات، من هنا فإن عملية التعيين والتكليف في هذا المنصب له شروط ومؤهلات لا مناص من توافرها، وبدون ذلك نجد أنفسنا وكأننا لم نبارح المكان والزمان إن قراءة سريعة دون عناء تحتم سرعة التغيير ذلك أن الشواهد كلها تشير إلى مناهج وسلوكيات خطيرة – عواقبها مدمرة ووخيمة – بدءا من محاولات جادة تعتمل في الخفاء في إقحام مستثمرين أجانب من جنوب شرق آسيا، بمنحهم فرص استثمارية في مواقع خطيرة وإستراتيجية، وهذه عملية اسقاطية متعمدة، ستكون مبعثا للفوضى. وهذا العمل قد يأتي معززا ومؤكدا لفرية الاستثمار المفضوحة في محافظة عدن، إن تغيير كادر هذه المحافظة أصبح استحقاقا تمليه ضرورات العملية الاستثمارية والوضع السياسي، لكون جل المتواجد لا يتمتع بأهلية إدارية ولا سياسية، مرد ذلك فجاجة التخبط في إصدار قرارات تتناقض بعضها بعض دون أرضية صحيحة لها، وتصادمها حينا مع قرارات رئاسية عليا.
 ولأن الدخان لا يأتي إلا من النار، فان رائحة الحديث عن وجود تقارب لتنفيذ عملية ذات طبيعة اقتصادية ذات عائد ربحي، قد أصبحت رائحتها السياسية تزكم الأنوف، لكون ذلك يندرج في إطار عمل استراتيجي وان كان له جانب إقليمي مجاور، فان القوة الخلفية مسنودة بمصالح دولة عظمى، ومن الغباء التسليم والاطمئنان بسريان قواعدها، خصوصا وان التوازنات السياسية في المنطقة لا توحي بالنجاح لمشروع تلك القوة. ولعل ابسط عبرة لنا في ذلك ما نشاهده من تخبط في المواقف السياسية وتقلباتها لدول الجوار، آخذين بعين الاعتبار غياب مشروع – وطني يمني – يوضح طريق المسار والمسيرة في خضم محيط متلاطم عاصف، بدءا من المستنقع العراقي وما نشاهده من تخبط للإدارة الأمريكية، وحديثها عن مسالك ضبابية بين خروج وبقاء من هذا المستنقع الذي أصبح مصدر تداعيات في اقتصاده ومشاكله الاجتماعية، حيث تبدى للجميع انكشاف عورة الهيبة التي كانت مصدر غطاء رسمي في إصداراته لعملته الدولية، والجرأة الصريحة التي تعالت حتى في الدول النامية بالبحث عن استبدال ذلك النقد العالمي – باليورو الأوروبي، هذا إذا أضفنا إلى ذلك التفاعلات الناتجة عن الملف النووي الإيراني، وعدم الانسجام والتناغم والاتساق المهيمن على علاقات حلفاء أميركا وغيرهم، وانكشاف فرية الديمقراطية التي أصبحت كابوسا يؤرق أوروبا ذاتها. وان بؤر التفجر التي تتبدى يوما بعد يوم في ساحة أميركا اللاتينية مؤشرا له دلالاته لكل متابع أو متفرج.
 إن مدخلا صحيحا صادقا جادا معبرا عن الهموم والطموحات الوطنية، ينسجم ويتسق مع مجريات الأمور في إطارها الإقليمي والدولي، يحتم علينا سرعة التغيير بشكل جذري، ذلك أن سياسات الترقيع والترحيل أصبحت منزلقا عاقبته التشظي، وان أول مهمة واستحقاق مطلوب في هذا الظرف يتمثل فيما يلي:
 وكما طالبنا في مقال سابق بأن يولى الأمر إلى أهل الأمر، ذوي الاختصاص والكفاءة، وعلى رأس ذلك التغيير الملح لرئيس الوزراء ليس فقط لأساليبه البهلوانية الاستعراضية، وهي معروفة يلحظها الداني والقاصي، مرورا باقتحامه بوابة العمل السياسي وانتهاء بوصوله سدة الحكم. ومع فهمنا اليقظ لأهداف السلطة العليا من تمكينه للوصول إلى هذا الموقع وسعيه المحموم اللاهث للاستجابة واستمرائه في قبول دفع الاستحقاقات المطلوبة، أمر لا يعبر عن رؤية وطنية، ولا يعبر حتى عن ابسط مفهوم لتحقيق هدف مرسوم مسبق، ذلك لأننا أمام عمل وطني مقدس، ينبغي أن يكون له مرتكزات فكرية لقضية مقدسة، أساسها العامل الاستراتيجي وليس مسالك لعمل فني، تكتيكي، للعبة سياسية، يستتبع ذلك حتمية البناء لمؤسسات دولة تعبر عن مشروع وطني مقدس، كما يستتبع ذلك أيضا بحكم الحتمية تطعيم تلك المؤسسات بالكفاءات والكوادر الوطنية الشريفة والمتخصصة – وما أكثرها. ومما يحز في النفس أن نجد الكفاءات الوطنية المشهود لها، أصبحت تتكفف أبوابا في دول الجوار والمهجر الأجنبي، بحثا عن مصادر رزق واحتراما للذات وبحثا عن الكرامة، وحتى لا تكون تلك القوى الشريفة كالأيتام على موائد اللئام، وحتى تكون تلك الكفاءات مصدرا ورافدا للوطن.
 إن الاستحقاقات المحيطة بنا بحكم معطيات الواقع الجغرافي والسكاني المهترئ، القابع على محيط من الثروة، يحتم علينا إعادة النظر بشكل جاد وجدي في كل مؤسسات الدولة، لذا فان مظاهر سلوك الفهلوة والبهلوانية، حتمية نتاجها الضياع والتشرذم، باعتبارها عبئا يصعب معه الوفاء باستحقاقات تبعاتها الوخيمة، فعلى قدر المقدمات تكون النتائج. إن قراءة عادية لتصريح الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي، وعدم تناغمه فيما أدلى به قبل زيارته لبلادنا والحديث الذي أثار دهشة خلال زيارته، بشكل يوحي بأن وراء الأكمة ما وراءها، واستغرابه في كيفية قدرة اقتصاد بلادنا على الوفاء باستحقاقات تقدر بين 60% إلى 70% من إجمالي المبلغ الذي تفرضه الخطة المطلوبة لتأهيل اليمن للدخول في العضوية. وفي ظل وضع اقتصادي مترد، وتلك حقيقة يعرفها الجميع، فإن حديث رسمي عن قدرة واقتدار لتلبية هذا الاستحقاق أصبح مصدر شكوك ومحير لأحلام الرجال، إلى درجة أصبح الخوف النفسي مهيمنا على الجميع. ولعل مبعث الخشية والخوف أن قدرة دفع الاستحقاقات طريقا يرتهن فيه الوطن وطبيعة نظامه. وربما تكون الاستحقاقات الناتجة عن ذلك منزلقا للتشظي. إن الشفافية الرسمية في هذا الأمر أصبحت في غاية الأهمية، والله نسأل السداد والتوفيق.
 

[email protected]