البيئة والاستثمار.. هل يتصالحان؟! – بشرى العنسي

البيئة والاستثمار.. هل يتصالحان؟! – بشرى العنسي

الهدوء كان السائد، فيما عدا صوت محركات “الفتى النبيلـ”. لم أجد أمامي أحداً؛ إذ الجميع في منازلهم ساعة الظهيرة. دخلتُ المصنع أولاً، فلم أجد الكثير من مديره. عدت إلى الشارع لكن هذه المرة مع عيون كثيرة ترقبني من داخل المصنع لتعرف وجهتي. الشارع كان ما يزال فارغاً ولم يكن أمامي سوى زيارة المنازل المجاورة لأستمع لمن أسموا أنفسهم بالمتضررين.
“بالله عليكم مصنع داخل حارة؟!”، قالتها إحدى ربات البيوت وهي تشير بيدها من أحد الشبابيك المطلة على المصنع. أم لثلاثة أطفال لم تتلق التعليم الكافي على ما يبدو ولكنها تشعر أنه يشكل خطراً على صحة أبنائها؛ “ما يكفيناش عوادم السيارات!؟”.
ربة البيت التي تقطنه منذ خمس سنوات أشارت بيدها أيضاً وهي تقف بجانبي وأنا ألتقط الصور من شباكها للبلاعات التي انفجرت منذ فترة بسبب المصنع – حد قولها.
لم تشأ الإطالة أكثر، فودعتني وهي ترجو أن نجد حلاً؛ كان ينتظرها الكثير، خصوصاً مع وصول أبنائها من المدرسة.
الجارة المجاورة لتلك العمارة، التي وقفت مرتابة مع طفلتيها من الزائر الغريب، قالت إنها لا تتضايق من المصنع بسبب موقع بيتها. وأضافت: “إذا كان في أضرار أخرى فنحن لا نعرفها”.
عندما عدت إلى الشارع هذه المرة كان قد امتلأ بالأطفال الذين أحاطوا بي وبدأوا يشكون بأصوات مرتفعة وكل يريد أن أسمعه في ظل العيون التي ما زالت ترقب من بعيد.
“أربع بيارات انفجرين بسبب الزيت حق المصنع وثقل البوابير اللي يجين يحملين”. “جاءوا ناس خيرات من البيئة والصحة”. “بيدّي صاحب المصنع زلط، بيدعمهم”. “قد اشتكينا لأمين العاصمة”. “لا تصدقيش ما بش دولة”. جُمل انطلقت من عدة أفواه حولي اختتمها يعقوب محمد (طالب في المرحلة الثانوية): “تشتي الصدق مصنع وسط حارة ما ينفعش!”، قالها وكأنه يريد أن يكون طرفاً محايداً لأطراف نزاع يعرفها جيداً.
ضجيج الآلات، الدخان المتصاعد، البيارات، ضجيج العمال والشاحنات صباحاً، كانت هي أهم المشاكل التي اشتكى منها بعض أهالي “بيت بوس”، وخصوصاً القريبين من مصنع بفك “الفتى النبيلـ” الواقع حارتهم.
مصنع البفك المرخص سنة 2001م، برخصة رقم (90) من مكتب الأشغال بالأمانة، أثار، ومنذ أن أقيم، نزاعاً في الحارة. كبر ثم انحصر بين أحد الجيران ومالك المصنع.    
مختصون كثر ومن جهات مختلفة نزلوا إلى الموقع للمعاينة إثر شكاوى من السكان، ورفعوا تقارير عدة (حصلت النداء على نسخ منها). اختلفت تلك التقارير فيما بينها وأصبحت تصب في مصالح مختلفة، وهو الأمر الذي علق عليه أحد الأطفال: “حق الصحة كانوا يجوا يأكلوا بفك ويخرجوا”.
في حين إشعاراً من وزارة الأشغال العامة والتطوير الحضري لصاحب المصنع؛ بسبب عدم حصوله على ترخيص للمصنع، وإنشاء المصنع داخل حي سكني، يشعره بالتوقف عن العمل ليلاً وإزعاج السكان. والغريب أن الإشعار كان في 2002م، بينما الترخيص في 2001، وهو ما يدعو للإستغراب والتساؤل عما إذا كان الترخيص قد استخرج لاحقاً بتاريخ قديم.
كما أن تقريراً يشير إلى أن المصنع يقع في منطقة غير مخصصة للأغراض الصناعية ويتوسط حياً سكنياً وتحيط به المباني السكنية من جميع الجهات، وهناك تضرر من قبل السكان المجاورين لهذا المصنع، بسبب ضجيج المعدات والمحركات الكهربائية ليلاً ونهاراً، وكذا الروائح الناتجة عن المعالجات الغذائية داخل المصنع. وهناك تقرير آخر (من جهة أخرى) يقول إن المصنع لا يسبب أي إزعاج أو ضرر لمن حوله وذلك – حسب التقرير- بإفادة جميع الجيران. كما أفادوا – بحسب التقرير أيضاً- أنهم لم يتقدموا بشكوى على المصنع، المصنع به جميع المعدات التي تمنع إصدار الإزعاج لمن حوله (مولد كاتم للصوت، هنجر كبير).
الواضح –إذاً- أن المختصين والجيران أيضاً قد انقسموا إلى مجموعتين: مع وضد، لجهتين مختلفتين بدأتا بجمع الصفوف لصالحهما.
أنور عبدالله جار الله، نائب مدير عام المصنع، قال لـ”النداء” إنه لا توجد مشكلة، وأن “أقرب الجيران ما يشتكوش” وأن هناك شخصاً واحداً فقط هو من يعادي المصنع منذ أن وضع، وأن أغلب الموقعين على الشكاوى المرفوعة للجهات أناس وهميون لا وجود لهم. وأفاد أيضاً أن المصنع قد قام بكل الإجراءات اللازمة لتقليل الضرر.
 بعيداً عن النزاع الذي أخذ طابعاً شخصياً بين جهتين بسبب المصنع (المالك، وأحد الجيران) والذي وصل حد إطلاق النار، وهي القضية المنظورة في جنوب شرق الأمانة؛ فإن تقرير لنزول ميداني للهيئة العامة للإستثمار وهي الجهة الأخرى المرخصة للمشروع أشار إلى أن المشكلة الأساسية القائمة تتمثل في الضوضاء، ومصادرها هي: كمبريشن عادي للهواء يحدث ضوضاء “متوسطة” ومتواصلة، تشغيل جهاز الضغط لخزان البفك يحدث ضوضاء “متوسطة” متقطعة، تشغيل المولد الكهربائي في العراء يحدث ضوضاء “صغيرة” متواصلة، تشغيل مراوح شفط جديدة مركبة على الجزء العلوي لهنجر الحديد يحدث ضوضاء “صغيرة” متواصلة، عملية الإنتاج تحدث ضوضاء “صغيرة” خاصة في الفترة المسائية. كما تلخصت المشاكل الثانوية بتصريف مخلفات المشروع مما يحدث روائح “محدودة التأثير”، انبعاث الأدخنة عند تشغيل المولد الكهربائي. لذلك قدمت الهيئة ممثلة بمكتب حماية البيئة – الصناعات الاستخراجية، عدداً من الإجراءات العاجلة التي يتوجب على مالك المصنع اتباعها لمواجهة المشاكل القائمة حينها. ومع أن الهيئة لم تنزل مرة أخرى للتأكد من إتباع صاحب المشروع للإجراءات، إلا أن تقريراً آخر لجهة أخرى (مكتب الأشغال والطرق) أشار إلى أن المالك قد قام بالمطلوب وأن العمل في المصنع يستمر حتى السادسة مساء فقط. بالرغم من ذلك كله فإن المشاكل ما زالت موجودة، حسب بعض الأهالي، والتي ربما ستنتهي لو أن المالك التزم بما جاء في تقرير الهيئة والذي شدد على ضرورة نقل المصنع إلى موقع آخر بديل خلال فترة لا تتجاوز السنتين من تاريخه بعد التنسيق مع الهيئة. التقرير كان في أكتوبر 2002م، ورغم انقضاء الكثير على المهلة المحددة، إلا أن المصنع ما زال قائماً في مكانه.

غيره كثير
مصنع البفك هذا ليس الوحيد الواقع في حي سكني، فغيره كثير سواء مصانع بفك (24 مصنعاً في صنعاء)، أم مشاريع صناعية أخرى.
قد تضعون أنفسكم للحظة مكان صاحب المصنع، كما فعلت أنا، وترون أن من الخسارة عليه نقل المصنع، ولكن عودوا لتضعوا أنفسكم مكان السكان الذين لا ذنب لهم في استنشاق أدخنة تلك المصانع، أو تحمل ضجيجها، ومن حقهم العيش في منازلهم بأمان وصحة، وستتوصلون إلى نتيجة مفادها أن المسؤولين والمختصين هم السبب في ذلك كله؛ فكيف يوافقون ويسمحون بتراخيص لمشاريع صناعية وسط أحياء سكنية، دونما مراعاة للسكان، ولا دراسة لتقييم الأثر البيئي، متسببين بحدوث مشاكل ونزاعات كان يمكن تفاديها منذ البداية.
سالم باقحيزل، مدير إدارة تقييم الأثر البيئي بالهيئة العامة لحماية البيئة أوضح لـ”النداء” أن من المفترض قبل إقامة أي مشروع أن يتم تقديمه إلى الهيئة، كما نص قانون حماية البيئة الذي يوجب على الجهات التي ترخص المشاريع إعطاء نسخة من الدراسات للهيئة، “إلا أن ما هو حاصل عكس ذلك تماماً حيث يتم أخذ رأي الهيئة في المشاريع الكبيرة فقط لدراسة تقييم الأثر البيئي، أما المشاريع الصغيرة فلا تعرض عليه إلا إذا حدثت مشاكل فيما بعد، كقضية مصنع البفكـ”. وأضاف: “لا يوجد تجاوب من الجهات المعنية مع الهيئة بهذا الخصوص، نحن بعدين نتحمل مشاكل الناس، المفروض كل المشاريع تحال علينا”.
“النداء” توجهت كذلك إلى الهيئة العامة للاستثمار لمتابعة الموضوع والتقت بمدير مكتب حماية البيئة محمد الكهلاني، الذي قال: “نحن نشجع الاستثمار، ولكن مش على حساب الآخرين. بمبدأ لا ضرر ولا ضرار”. وأضاف، عندما رخصنا مصنع البفك كانت المنطقة في البداية منطقة نمو، كما أن الهنجر كان مرخصاً أصلاً من قسم التراخيص للمباني- وزارة الأشغال العامة، دون علمنا”.
عدم وجود مناطق صناعية، والتوسع السكاني الرهيب، هي المشكلة الأساس في نظره.
ويعتقد الكهلاني بأن الخطأ ليس خطأ الهيئة وحدها، بل كل الجهات مشاركة فيه. وأكد أن الهيئة لم تعد ترخص لمشاريع في التجمعات السكانية، بناء على اتفاق مع أمانة العاصمة. وقال: “نحاول نتعلم من أخطائنا”.
من بين (2500) ترخيص لمشاريع منذ (14) سنة، لم تحصل مشاكل سوى مع مصنع البفك، ومشروع آخر (مدبغة)، حسب مدير مكتب حماية البيئة. وعن الإجراءات المتبعة حيال أي مشروع يطلب الترخيص، أجاب الكهلاني بأنهم يزورون الموقع، فالمشروعات الكبيرة كالزجاج والاسمنت وصهر الحديد تقدم دراسة لتقييم الأثر البيئي للهيئة العامة لحماية البيئة لاعتمادها، ثم تستكمل الإجراءات في الاستثمار. “المشروعات الصغيرة ننزل نشوف ملاءمة الموقع فقط، ونضع ضوابط تتمثل في إضافة بعض المعدات لتفادي أو تقليل التلوث”. أما المشاريع الخدمية فيعتقد الكهلاني بأن من الضروري “أن تكون داخل المدن، كالمخابز التي رغم أنه يتصاعد منها دخان إلا أنه لا يمكن نقلها بعيداً لأن الناس يستفيدون منها” وأنهى كلامه: “على الهيئة ضرورة تحديد مشروعات استراتيجية ذات جدوى اقتصادية تعود على الوطن بالفائدة وما دامت الهيئة تعطي إعفاءات ضريبية وجمركية لسبع أو تسع سنوات للمشاريع الاستثمارية، فيجب أن تكون تلك المشاريع ذات فائدة”.

مدينة صناعية
التخطيط العشوائي والتراخيص غير المدروسة كانت السبب في المشاكل وتواجد مئات من المنشآت الصناعية داخل التجمعات السكانية، فضلاً عن عدم وجود منطقة صناعية خارج المدن.
محمود شديو رئيس الهيئة العامة لحماية البيئة قال لـ”النداء”: “عملنا رسالة لأمانة العاصمة على أساس نقل المصانع ضمن المنطقة الصناعية المفترضة، إلا أن أمانة العاصمة تحاول إيجاد أكثر من موقع وتدرسه من ناحية الأحواض المائية، والمخططات العمرانية، وملكية الأراضي. وهناك خطة مرحلية لنقل كل المصانع، وخاصة التي داخل التجمعات السكانية، والتي تعتبر ملوثة”.
وعن مصنع البفك – محل النزاع- قال رئيس الهيئة إن مالك المصنع (عبدالله جار الله) قد التزم بنقله حال تحديد موقع بديل، وأنه سيكون ضمن المنطقة الصناعية للمواد الغذائية الخفيفة، كما سيتم تحديد مناطق مخصصة للكسارات خارج العاصمة.
صادق عسكر، ممثل الهيئة بأمانة العاصمة، قال إنه تم تحديد مناطق في “عصر” و”حزيز” لتكون مصانع للصناعات الخفيفة. وأوضح أنه توجد هناك حالياً صناعات دوائية أما الصناعات الثقيلة فما زالت أمانة العاصمة، بالتعاون مع وزارة الصناعة والتجارة تبحث عن موقع لها خارج المدينة، وأن الأمر يتطلب إيجاد أرضية، وتوفير الخدمات الأساسية للمنطقة الصناعية.
وأضاف: “نحاول وضع ضوابط ومعايير تخدم البيئة والمستثمر”.
 المشاكل البيئية والشكاوى من المواطنين لن تنتهي ما لم يتم الإسراع بتجهيز المنطقة الصناعية ونقل المشاريع الموجودة في الأحياء السكنية، كحل عاجل. ويبدو أن الاستثمار والبيئة يشكلان الخصمين الدائمين، رغم المحاولات القليلة للحد من آثار تلك الاستثمارات على البيئة.
بلادنا استضافت مؤتمر استكشاف فرص الإستثمار لتطوير اليمن، وكبلد نامٍ فإن التطور هو الأولى بالنسبة لحكومتنا ولكل شخص تقريباً حتى لو كان على حساب البيئة التي يجب أن توضع في المقام الأول؛ فلا يجب أن نفرح بالإستثمار على حساب البيئة حتى لا تكون العواقب وخيمة ونضطر إلى صرف المزيد من الأموال لترميمها.

[email protected]