تفاصيل صغيرة تصنع المأساة.. نظرة عابرة في الوضع الإنساني للعاملين بجامعة تعز – لطف الصراري

تفاصيل صغيرة تصنع المأساة.. نظرة عابرة في الوضع الإنساني للعاملين بجامعة تعز – لطف الصراري

عندما تشعر أن الكثير من الأشياء الجميلة في حياتك توقفت عن الحدوث، فلا تفسر يومياتك السيئة سوى بالبؤس. وعندما تدرك أنك قد صرت بائساً محترفاً فليس أمامك إلا أن تستسلم لرهاب القسوة والحرمان أو أن تبدأ بتكسير الحاجز الذي أوقف اشياءك الجميلة أو حول مسارها إلى اتجاه آخر.
ليست هذه مقدمة تستهدف إثارة عاطفة من نوع معين أو الاستهتار بسلبية القرار لدى شريحة العاملين بجامعة تعز، إذ أن الأمر لا يعدو أكثر من عرض، سأحاول أن يكون موضوعياً، ووجهة نظر شخصية حيال ما تعارف بنو البشر على تسميته بالمأساة منذ نشوء نظام المجتمعات.
أنشئت جامعة تعز في العام 1993م، وافتتحت بإعلان استقلال أربع كليات كانت تابعة لجامعة صنعاء حتى العام 1994/1995م، لتنشأ ابتداءً من العام التالي جامعة وصفها البعض بأنها ولدت بأسنانها. كان عدد الموظفين فيها لا يزيد عن (300) شخص موزعين على إدارات وأقسام محدودة الهيكلة. وفي العام 1998م تقريباً حدثت نقلة هيكلية مفاجئة في توسيع الإدارات إلى إدارات عامة، والأقسام إلى إدارات، ومنذ ذلك الحين حتى عام 2006م تضاعف عدد العاملين إلى أكثر من (700) شخص، رغم أن التوظيف الجديد لم يستهدف ملء الفراغات الناتجة عن تطور الهيكلية الإدارية بقدر ما كان خاضعاً للعواطف الإنسانية أو الضغوط المتعددة الأشكال على سبيل التوصيات الملحة والمحرجة معاً. هذا بالنسبة للموظفين الرسميين، أما المتعاقدون فقد ظلوا يتوافدون على الجامعة بكافة الوسائل هرباً من غول البطالة، ويقدم أغلبهم تضحيات تصل إلى حد توقيع تعهدات بعدم المطالبة بأي اثر مالي، كل ذلك على أمل الحصول على درجات رسمية. وفي المحصلة لم يرافق هذه الزيادة في عدد الموظفين واستحداث الإدارات تطوير الآليات وخطط تحسين شروط الأداء، مما أدى إلى انخفاض مستوى الآداء وظهور الكثير من الأعراض التي لا تدل بأي حال سوى على نشوء مشكلة إنسانية – قبل أن تكون إدارية -مزمنة- أو إذا جازالتعبير، «تليف إنساني إداري». تتمثل هذه المشكلة بمجموعة من التفاصيل التي أفضت إلى المأساة. وإذا كان وجود اي مشكلة يقتضي بالضرورة العمل على إيجاد الحلول المناسبة لها، فإننا لا نرى لهذه المشكلة إمكانية لحلول من النوع السهل أو من تلك التي يمكن سردها على المستوى النظري، لأن هذه المشكلة – المأساة مثل مرض عضال لا يمكن القضاء عليه سوى بجرعات متوالية من الإجراءات التي يمكن ان تفصل خيوط التعقيد الحاصل في شبكة العلاقات الإدارية الإنسانية داخل الوسط العام للجامعة وإعادة النظر في القوانين واللوائح التي تنظم العلاقة بين الموظف وعمله من حيث الحقوق والواجبات ومعايير التقييم.
 
الصراع في مقدمة التفاصيل
كما هو معروف من خلال الدراسات المتخصصة، لا يخلو أي مجتمع من صراع قائم على أساس النوع أو الجنس أو الطبقة أو الديانة أو القومية، وتظل الفئات المتجانسة، ذات المصلحة المشتركة، تشكل تحالفاً ضد فئات اخرى مغايرة لها، حيث يبدأ الصراع بتسلط القوي واستثارته لردة فعل الضعيف الذي غالباً ما يكون الأعنف لشعوره بالاضهاد.
يشكل الجهاز الإداري والفني بجامعة تعز المرتبة الثانية بعد الطلبة من حيث العدد. وذلك من بين الثلاث شرائح من منتسبي الجامعة. ورغم أن شريحة أعضاء هيئة التدريس هي الأقل عدداً، إلا أن مكانتها تتربع قائمة الأهمية داخل الجامعة. يساعد في ذلك الدرجات العلمية والمناصب الإدارية العليا التي يشغلها في الغالب اساتذة (دكاترة). ولأن أعلى درجة علمية يمكن ان يكون عليها الموظف الإداري هي البكالوريوس او الماجستير، في افضل الاحوال (حث هذا مؤخراً)، فقد ولد هذا الفارق درجة حساسية لدى الإداري من أي صوت مرتفع أو خطاب أكاديمي. هذا الفارق في الدرجة العلمية و الشعور بالأهمية لدى «الأستاذ» يأتي على رأس مثيرات هذا الجانب من الصراع. ومن هنا انقسم الجهاز الإداري والفني بين متطلع للإنظمام إلى فئة الأساتذة، وبين مدافع شرس عن وضعه في فئته، مستسلم ينخر فيه رهاب ضعفه وركونه في مصيره إلى مصير غيره من أعضاء الفئة. يأخذ الصراع أشكالاً تتمثل في المشادات الكلامية أو الإشتباكات اليدوية المعتمدة على القوة الجسدية فقط، وهذا ما ينعكس على «الإداري» بأقصى عقوبة ويحظى الأستاذ بالمقابل على امتياز أو عدة امتيازات تبدأ فردية ثم ماتلبث أن تشمل باقي أعضاء الفئة من منطلق المعاملة بالمثل. لكن الأمر لا يمر بسلام، إذ لا بد أن يمر المستيد من امتياز ما عن طريق الادارات المعنية مالياً وإدارياً، وهنا، وبسبب تراكم المواقف، يتربص «الإداري» بـ«الأستاذ» أيما تربص، وهذا أمر بقدر ما هو مبرر كوسيلة لإنصاف الذات أو كنتيجة للشعور بالاضطهاد، إلا أنه من وجهة نظر متحضرة، سلوك غير لائق، خاصة أن مبدأ «السيئة تعم» يصبح مسيطراً مع شعور كثيف بالنقمة لدى الإداري.
إن بواعث الصراع لا تكف عن التواجد في المناطق الحرجة من الحقوق العامة؛ فمثلاً كان الموظف يتلقى الرعاية الصحية أو يتقاضى مبلغاً سنوياً -وإن كان زهيداً- مقابلها، وبالمثل كان الوضع بالنسبة لعضو هيئة التدريس.
وشيئاً فشيئاً، أصبح بدل الرعاية الصحية يقل كل عام بالنسبة للإداري والأستاذ على حد سواء. ولما كان «الأستاذ» في الموقع الأهم حسب الشكل العام، استطاع ان يطالب بحقوقه عبر كيانه النقابي أو بطريقة فردية، وأسفرت النتائج عن ضمان حقوقه مقابل الضياع التدريجي القاتل لحقوق الموظف. في هذا الصدد (أي فميا يتعلق بحقوق الرعاية الصحية) برزت مؤشرات إيجابية، خاصة بعد المطالبة الحثيثة من قبل نقابة العاملين بالجامعة، وشاع حينها ان بدل الرعاية الصحية سوف يصرف كل شهر مع الراتب، لكن الجبل الذي تمخض لم يلد حتى فأراً. أما الحالات المرضية ا لطارئة فإن القانون واللائحة والعرف وكل الأشكال القانونية تقريباً، لا تسمح بإنقاذ حياة موظف. مات عبدالقوي المهير (مدير مكتب رئيس الجامعة) في اليوم التالي تقريباً من استكمال إجراءات صرف المساعدة العلاجية التي لم تكن تفي بعشر تكاليف العلاج، وبعد موته بأيام تناهى إلى مسامعنا أن توجيهاً قد صدر بتوريد المبلغ المنصرف، ولولا تدخل أحد قيادات الجامعة بتسليم المبلغ لأسرة المتوفى، لتم إعادته إلى الحساب الذي صرف منه.
الأستاذ/ عبدالرحمن المحيا (مدير عام الخدمات الطبية) مات ايضاً قبل استكمال تكاليف العملية، رغم تعاون كل منتسبي الجامعة تقريباً في التبرع لصالح إجراء العملية، ما عدا القوانين واللوائح الصارمة، والدور يأتي على بقية المصابين بهذا المرض أو ذاك من الأمراض الخطيرة المستعصية خاصة مع تفشي فيروس الكبد بشكل مخيف في أوساط الموظفين (ألف سلامة للجميع). يموتون ويتركون في نفوس زملائهم كرهاً عميقاً لكافة اشكال القانون وكافة المعايير الإنسانية السائدة، يموتون لأنهم ليسوا في قائمة الأهمية أو قائمة «شابع من بيتهم». سيموت المزيد من الموظفين وامن يعولونهم بسبب نقص الغذاء وانعدام الرعاية الصحية ويتركون علامة استفهام كبيرة عن بنود الميزانية العامة والخاصة بالجامعة، وعلى وجه الخصوص بند الكيماويات الذي يعرفون مدى قابليته لإنقاذ حياتهم ما دام القانون أكثر صرامة في البنود الأخرى. ولعل أكثر من يعرف ذلك هم الفنيون في الكليات والأقسام المعملية الذي يقضون معظم وقت الدوام بين المحاليل ورائحة احتراق المواد الكيماوية السامة بدون أدنى اكتراث رسمي للمخاطر التي تهدد حياتهم، ولعلهم أيضاً أكثر العارفين عن كمية المحاليل التالفة كل عام نتيجة الشراء غير المقنن بحسب الحاجة النوعية والكمية.
إن تعسفاً كهذا للحقوق الملحة يؤدي، بكل المسوغات ا لمنطقية، إلى زيادة النقمة وبالتالي احتدام الصراع، لا سيما حين يدخل فيه عنصراً جديداً منشقاً عن الجهاز الإداري والفني؛ أولئك هم الموظفين المتربعون على رأس الإدارات المهمة. فبين ضغوط زملائهم الموظفين والتوجيهات الرسمية التي يمكن ان يضمن لهم تنفيذها عدم ضياع حقوقهم على الأقل، يفضلون الإنضمام إلى الفئات الأقوى. وبدلاً من التزام الحد الأدنى من منح الحقوق لأصحابها (الرعاية الصحية، المكافأة الموسمية أو الشهرية مثلاً)، تزداد القطيعة نتيجة النقمة التي يشعرون بحدتها عليهم من قبل زملائهم أصحاب الحق الضائع، فيروق لهم وضعهم الجديد وينسحق كل من لا يتبعهم.وليس من قبيل المبالغة إذا قلنا إن الصراع في الوسط الجامعي سواء على المستوى الاكاديمي أم المستوى الإداري، قد أدى إلى تدهور إنساني تفوح منه رائحة المأساة المتقرحة.
ألقى هذا الصراع بكامل ثقله على الموظف الذي أصبح في أفضل حالاته وأكثرها صحة يندب حظه علىالمكاتب ويلتزم -بالكاد- بملء فراغات حافظة الدوام حضوراً وانصرافاً، أما الانجاز، الأداء، فهذا ما أصبح بالنسبة إليه الغول الذي يهدد شعرة العقل المتبقية في رأسه، وبالتالي توجه ميول البعض إلى السكون والهدوء، ومن ثم إعلان العجز، وتوجه البعض الآخر إلى توظيف طاقته ونشاطه إلى إبرام التحالفات مع أي فئة يمكن أن يحصل من ورائها على مكافأة تكفيه شر الحاجة لراتب (أولاده) وتؤمن له تكاليف القات والسجائر ليوم أو يومين. هذا بالنسبة لطبقة البسطاء من الموظفين، أما أولئك الذين يندرجون في قائمة «شابع من بيتهم» فهم الأكثر تواطؤاً في إدانة مطالب الآخرين بحقوقهم، والأكثر بحثاً عن التحالفات القوية حتى إذا كانت تعمل ضد المصلحة العامة. ما يهمهم هو أن يشعروا بالوجاهة وسينفقون على كيان الحلف من أموالهم الخاصة التي يعرفون جيداً كيف يعوضونها.
إن اختلال الإدارة المالية في أي مصلحة أو مؤسسة يجر وراءه سلسلة لا متناهية من الاختلالات الإنسانية والإدارية، وليس بالضرورة أن يؤخذ هذا التناول بالمعنى الضيق، المتمثل بالإختلاس والرشوة أو ما شابه. إن الإختلال المالي الأخطر يتمثل في سوء توزيع الفرص ومن ثم سوء توزيع الأجور (أي نوع من المكافأة المالية) بين جميع الموظفين بشكل عادل، وهذا ما يغذي نار الصراع والحقد المستعصي على الإزالة، وهو ما يرسخ الفوارق الطبقية بين فئات العمل الواحدة: فلو أن زميلين يعملان في مستوى إداري واحد ويشتركان في نفس الظروف الاجتماعية، حصل احدهما على فرص مضاعفة ومن ثم أجورمضاعفة من شأنها أن تجعله يتميز عن الآخر بمستوى وأسلوب المعيشة؛ على أن يشعر أحدهم تجاه الآخر بالتمايز، ناهيك عمَّا يمكن أن ينشأ بين أولادهما من تمايز إن كانت علاقة قرابة أو صداقة أو جيرة قد ربطتهما؟
إن نظاماً إدارياً مماثلاً يمكن أن يؤصل لصراع طبقي من نوع آخر تدخل فيه الإدارة الحديثة لاعباً أساسياً. أماما تجنيه المؤسسة ككيان وطني من وراء ذلك كله فهو الضياع و الإنحدار المؤسسي لا أكثر. لم يعد أحد يهتم سوى ان يبرر كل صباح ما قاله عن فلان في «مقيل» الأمس؛ (قال فلان عن فلان «كلاماً يا ربي لا كان صدقاً). هكذا تنشر الشائعات كإحدى الوسائل الأكثر ضراوة في إثارة الصراع، ولا أحد يملك القدرة كي يفعل شيئاً حاسماً.
تلاشى الفعل من قاموس مجتمع الجامعة وصار من النادر جداً أن يوجه المرء استجواباً من نوع:«هل فعلت كذا؟» بدلاً من: «هل قلت كذا؟». إذا أحذنا الصراع كمسلمة تاريخية، إن لم نقل أزلية، ففي ا لتاريخ -المقروء على الأقل- نماذج من الصراعات ذات الهدف الواضح، لكننا هنا لا نرى هدفاً أو حتى مؤشراً لهدف للأطراف المتصارعة، والتي أصبحت متداخلة لدرجة تشبه حرب عصابات لم تعد تعرف لها عدواً محدداً. القلة القليلة يبنون والأغلبية يهدمون، وكما يقول المثل الشعبي: «مكسّر غلب ألف مدّار».
> يولد انخفاض مستوى الدخل الرئيسي للموظف (الراتب) حاجة ملحة للبحث عن مصادر دخل إضافية تكفل له تغطية التزاماته المعيشية. خاصة مع عدم تورع الضوابط الإدارية الفجة عن خصم مبالغ جارية لكرامة الموظف.

فقدان الثقة بالنفس
يبدو هذا التفصيل نتيجة لمجمل الاختلالات السابقة، لكنه من زاوية نظر أخرى، يبدو تفصيلاً أكثر مأساوية؛ إذ أن الإنصهار التدريجي في بوتقة اليأس أكثر بشاعة من أقسى وأنكل وسائل التعذيب. وعلى أن القانون في بعض البلدان يضمن للمعتقل الذي تعرض للتعذيب حقه في المطالبة بالتعوي المادي والنفسي فهل يحق لموظف الجامعة أن يطالب بالتعويض عما لحق به من أضرار نفسية واجتماعية؟ بقدر ما يثير هذا السؤال من دافع للتظاهر بالسخرية لدى البعض إلا أنهم سيدركون أهميته في حالة إصابتهم بمرارة فقدان أشيائهم الجميلة التي لم تتوقف بعد عن الحدوث. لقد سُجلت اكثر من ثلاث حالة جنون في صفوف العاملين في جامعة تعز وعشرات الحالات من الإحباط المرضي المزمن. أما حالات الاضطراب السلوكي غير المنتظم وغرابة الأطوار فتقدا بالمئات. معظم هذه الحالات ظهرت في فترة لا تتجاوز الإحدى عشرة سنة (عمر الجامعة منذ افتتاحها)، والبقية تأتي، لا سيما من صفوف المتعاقدين المعلقين على الصراط المستقيم الذي تبتعد نهايته عن إقدامهم كل عام مثل «سراب بقيعة» رغم ثبات خطوات الكثير منهم.
وكما تقتضي الحركة داخل الدائرة المغلقة، تتلاقح مجمل التفاصيل المأساوية وتتكاثر بطريقة كريات الدم البيضاء، ثم ما تلبث الدورة النفسية للموظف -الفني- العامل أن تنفجر بالصديد الذي ينفر منه الأطباء أو من يدعون الطبابة الإدارية. وإزاء هذه التقرحات والنفور يظهر تساؤل أخير: أية مقبرة أو مصحة تستوعب هذا العدد من الكائنات المأساوية؟ لعل المدينة السكنية التي يكافحون ذاتياً من أجل إنجازها تحتويهم، لكن حتى هذه لن تتسع لكل آلامهم مادامت الدوائر مغلقة على التقيح.
[email protected]