عن المركز الثقافي الفرنسي ودوره في حماية الأخلاق والفضيلة! – جمال جبران

عن المركز الثقافي الفرنسي ودوره في حماية الأخلاق والفضيلة! – جمال جبران

(1)
يلعب المركز الثقافي الفرنسي بصنعاء دوراً كبيراً وحيوياً في أمر حماية وصون أخلاق الناس في هذا البلد، الذين لهم علاقة باللغة الفرنسية على وجه الخصوص.
كأنه كان ينقصنا مشائخ وخطباء ودعاة فضيلة وأخلاق جدد فوق الذي لدينا من زمان، حتى يأتي المركز الفرنسي ليسد هذا النقص. وقد اكتشفت هذا مؤخراً.
بعد كل هذا الوقت والعمر الذي مر عليَّ، اكتشفت أن للمركز الثقافي الفرنسي بصنعاء، والذي عملت فيه لفترة تزيد عن الثلاثة أعوام كمحاضر للغة الفرنسية، أكتشفت أن له دوراً كبيراً في صيانة وحماية الأخلاق وبالتالي مطاردة ومقارعة الرذيلة، حصرها وخنقها في منطقة ضيقة.
اكتشفت المركز وقد برز لي في لحظة مباغتة قائماً كمصنع فتوى ودار للدعوة، يخشى أصحابه عليَّ من السقوط في بئر التردي الأخلاقي على كافة مستوياته وأشكاله. اكتشفت أنهم ينظرون إليَّ على اعتباري كائناً جاهزاً للتهييج والإفتتان في ديني. مجرد كائن مستثار جنسياً ولا يفصل بيني وبين الوقع في شباك الرذيلة سوى أمر استعارتي فيلماً من أفلام المكتبة البصرية الملحقة بالمكتبة التابعة للمركز. هو ذاته المركز الثقافي الفرنسي سابقاً أو مركز هنري دومنفريد حالياً بحسب تسميته المستحدثة أو التي فُرضت عليه من قبل الملحق الثقافي السابق آلان جولي وذلك احتراماً لصداقة خاصة تربطه بأحد أقرباء الأديب الفرنسي الراحل هنري دومنفريد. ما علينا. هذا شأن داخلي يخصهم وهم أحرار فيما يذهبون إليه من تسميات، هذا شأن داخلي يخصهم ولن نعترض حتى ولو راحوا في إطلاق تسمية «قلعة الباستيل» على ذاك المركز. هو مركزهم. وكل واحد حر في مركزه.

(2)
وأعود لأقول:
اكتشفت فجأة أن المركز الثقافي الفرنسي يلعب دوراً كبيراً في صيانة وحماية أخلاق الناس في هذا البلد. اكتشفته وقد أصبح منارة للتوجيه والإرشاد الديني وصار ينبغي لزوماً على وزارة الأوقاف والإرشاد الإستفادة من خبرات القائمين عليه و ذلك بهدف حل إشكالية الحوار مع الشباب المؤمن أو من ضل منهم وراح في درب التطرف والغلو. كما يمكن الاستفادة من المركز الفرنسي عن طريق اتخاذه مركزاً لتأهيل الدعاة وخطباء المساجد.
هذا إضافة لإمكانية إشراك القائمين عليه وتسهيل انخراطهم ضمن لجان وزارة التربية والتعليم التي تعمل على إعادة صوغ المناهج التعليمية والمساهمة في تنقيحها كما وتنقيتها من النصوص والمواد التي من شأنها دفع النشء اليمني إلي طريق التطرف والغلو. المركز الثقافي الفرنسي مهيأ لكل هذا وأكثر. وهنا أسبابي فيما ذهبت إليه.

(3)
ذهبت الاسبوع الفائت إلى مكتبة المركز الثقافي الفرنسي بغرض تجديد اشتراكي فيها وإعادة الأفلام المتأخرة التي بحوزتي. وهي المكتبة التي بدأ فيها اشتراكي في نهاية العام 1994، اشتراك موقوف على الكتب والمجلات الفرنسية وحسب.
ركن الأفلام السينمائية المدمجة وألبومات الاغاني والموسيقى الكلاسيكية تم استحداثه في وقت متأخر، قبل عامين تقريباً. وهدف لتعميق علاقة المتلقي الفرنكفوني بأصول لغته وقواعدها وجعله على علاقة دائمة معها. هي أداة تعليمية فعالة تعتمد على المرئي والمسموع في تعليم اللغة، وتتعاظم هذه الفعالية بسبب امتلاك تلك المواد المرئية على تقنيات تسمح باستخدام وسائل قراءة متعددة؛ إذ يستطيع المتلقي استقبال تلك المادة بمتابعة مكتوبة على الشاشة باللغة الفرنسية، بمعنى أن المتلقي يتابع الفيلم بلغة فرنسية محكية عن طريق الممثلين إضافة لكتابة لها ظاهرة على الشاشة بشكل متواز بما يمنح المتلقي فائدة لغوية مضاعفة.
لكن، عندما ذهبت لاختيار ما أريده من أفلام وقع اختياري على فيلم قد شاهدته في السابق، لكن على أداة مشاهدة رديئة. وددت أن اغتنم فرصة وجوده على قرص «دي في دي» له أن يمنحني متعة مشاهدة قصوى. «عازفة البيانو» هو الفيلم الذي وقع اختياري عليه، المأخوذ عن رواية بذات الإسم للروائية النمساوية الحاصلة على نوبل للآداب العام 2004 الفريدة يلينيك. وكانت سعادتي كبيرة بعثوري على ما عثرت عليه. لكنها سعادة لم تدم طويلاً.
وهذا لأنها انتهت عند المفردات الخارجة من فم الموظفة المهذبة الواقفة على باب المكتبة: «عفواً مسيو جبران لا تستطيع استعارة هذا الفيلم» قالت مشيرة إلى إشارة حمراء ملصوقة على غلافه. «لماذا؟!» قلت.
«هذا فيلم خاص للفرنسيين فقط» قالت. هي قصدت ان الفيلم يحتوي على مشاهد خادشة لحيائي. هممت ان أقول لها إني أبحث دائماً عن الأشياء التي لها أن تخدش بل وتكسر حيائي، ولكني لم أفعل.
قلت لها إني شاهدت هذا الفيلم أكثر من مرة وهو فيلم عالمي عالي المستوى وحاز على جوائز رفيعة إحداها سعفة مهرجان كان السينمائي الذهبية.
لم تفهم ما قلته. أضفت قائلاً: «إني ما قمت بالاشتراك في هذه المكتبة من أجل عثوري علي صورة فتاة عارية هنا أو لقطة فيلمية ساخنة هناك. هذه الاشياء يمكنني العثور عليها في أماكن أخرى وهي كثيرة لو تعلمين!!».
لم تفهم الموظفة أيضاً أو كأنها لا ترغب ذلك. اكتفت فقط بقولها إن هذه هي الأوامر ولا تستطيع غير تنفيذها والإلتزام بها. قلت لها إني محاضر سابق في هذا المركز وكنت متابعاً دائماً للعروض السينمائية الاسبوعية التي كانت تتم فيه ولم يدفعني هذا لارتكاب أي فعل شائن أو مريب تجاه أي شخص. قالت هي الأوامر. قلت لها إني شخص بالغ عاقل وقد أخذت جرعات التطعيم عندما كنت طفلاً بما يعني خلوي من أمراض الطفولة السبعة التي ربما كان لها أن تدفعني كبيراً لارتكاب أي فعل شائن تجاه فتاة متأثراً بلقطة شاهدتها من فيلم استعرته من مكتبة المركز الفرنسي. قالت هي الأوامر وتقضي أن هذه الأفلام خصصت للفرنسيين فقط. يعني هذا انها أفلام مخصصة لمن هم فوق سن ال18. يعني هذا أننا نحن اليمنيين الناطقين بالفرنسية تحت هذا السن إذ لا يُسمح لنا إستعارة هذه الأفلام.
يعني أننا، كلنا، مجرد مراهقين تحت ال18. مجرد مراهقين ويُخشى علينا الوقوع في الفتنة وشرك الإغواء بما يؤدي لطردنا من الجنة. جنة المركز الثقافي الفرنسي بصنعاء!!

(4)
ولكن هي غريبة هذه العبارة التي تقول «للفرنسيين فقط»!! ما حاجتهم وهم الذين أتوا من هناك وقد شاهدوا تلك الأفلام، شاهدوها كلها وأكثر منها!!
ثم إن المركز ومكتبته معمول ومفتوحة أبوابه لكل الناطقين بالفرنسية وبلا فواصل مفرقة بينهم، وبلا تحذيرات مكتوبة تقول بهذا!!
«للفرنسيين فقط»!! يعني التفريق والتمييز هنا أنهم عاقلون وممسكون بزمام تصرفاتهم ونحن لا. مجرد كائنات فالتة، مجرد عبوات مفخخة بالتهييج وجاهزة للإنفجار مع أقرب شرارة منطلقة من مشهد في فيلم فرنسي.
وأكرر ثانية: ثم إن المركز ومكتبته معمول ومفتوحة أبوابه لكل الناطقين بالفرنسية. ولكنهم قالو: «للفرنسيين فقط»!! التفريق هنا يعني أنهم عاقلون ونحن لا، حتى وإن تساوينا وكنا على نفس اللسان وذات اللغة. نتكلم الفرنسية مثلهم أو تقريباً بينما هم لايتحدثون العربية مثلنا. هذه نقطة لصالحنا وتقول مؤكدة أننا كائنات بالغة عاقلة وتستطيع ان تفهم وتفرق بين ما يجب وما لا يجب. بين ما يصح وما لا يصح. بين ما ينبغي ان يكون وبين ما لا ينبغي أن يكون.
«للفرنسيين فقط»!! التفريق هنا يعني أنهم عاقلون ونحن لا حتى وإن تساوينا وكنا على نفس اللسان وذات اللغة.
يعني ان ذلك البيان الذي قام بتوقيعه اكثر من أربعين كاتباً ومثقفاً فرنسياً ونشرته صحيفة «اللوموند» في 15 مارس الفائت، ويقول إن اللغة الفرنسية وثقافتها ليست للفرنسيين فقط، ولكن لكل الناطقين بها وبالتالي يجب التخلي عن كلمة «فرانكفونية» لما تفعله من تقييد وحصر وتصنيف. يعني أن هذا البيان لم يصل بعد إلى القائمين على أمور المركز الثقافي الفرنسي هنا ولذلك ما يزالون ممسكين بأسنانهم على عبارة «للفرنسيين فقط»!!

(5)
«للفرنسيين فقط» أعيدها مرة أخرى، ولكن أسأل نفسي: هل هذا من الثقافة وجزء رئيسي منها كما ويقع من ضمن أهداف وغايات المركز؟!
«للفرنسيين» فقط» ويحدث هذا في زمن الانترنت والفضاء المفتوح، زمن حظر الحجاب والرموز الدينية في المدارس الحكومية الفرنسية، زمن محاولتهم إيجاد قاعدة ثقافية موحدة بينهم وبين الكائنات القادمة إليهم، كائنات الضواحي على وجه الخصوص.
زمن الفضائيات وأفلام القناة الفرنسية الخامسة ال TV5 والتي يشاهدها اليمنيون كافة، ناطقين بالفرنسية وغير ناطقين بها، القناة الفرنسية الخامسة التي تعرض ما هو أكثر جرأة وتقدماً من الأفلام الموجودة في مكتبة المركز الفرنسي ذاتها!!
وإلى هذا سوق الأقراص المدمجة المنتشرة في هذا البلد وتنافس ما هو موجود في مكتبة المركز وتفوقه حداثة وجدة زمنية. عليهم فقط النزول إلى ذلك السوق ومشاهدة ما يمكن لهم مشاهدته حتى يتأكدوا من وجهة الطريق التي يسيرون عليها وتقول إنهم بلا شك سيبدون خارج الزمن والعصر، خارج السياق الفرنسي ذاته. عليهم النزول فقط الى الشارع حتى يعثروا على فيلم «عمارة يعقوبيان» المأخوذ من رواية الكاتب المصري علاء الأسواني وهي الرواية التي ومن المصادفة، قام بترجمتها للفرنسية السفير الفرنسي الحالي وحققت في العام الفائت مركزاً متقدماً في سياق الروايات الأكثر قراءة في العام 2006 لدى الفرنسيين. هل إذا تم إلحاق هذا الفيلم، المعروف بجرأته، إلى مكتبة المركز الفرنسي، هل سيتم حجبه عنا وذلك تحت عبارة «للفرنسيين فقط» أسأل فقط.

(6)
وأسأل أيضاً ولمصلحة المركز هنا:
هل تقع عبارة «للفرنسيين فقط» ضمن ثوابت المركز ولا يمكن العدول عنها أو إعادة التفكير في جدواها وما تذهب إليه في ضوء ما تقدم؟! إن كانت هذه العبارة من الثقافة ولا يمكن ان تنفصل عنها بأي حال من الأحوال، لا يمكن تحرير المركز من أثقالها ومن خطورة التلوث الذي تفعله وبقوة؟ هل تقع عبارة «للفرنسيين فقط» علامة تفوق وجوده وامتياز تشير باتجاه كائنات عاقلة (هم) وأخرى غير ذلك (نحن)؟! إذا كان الأمر كذلك فليعلنوها صراحة ومكتوبة بشكل بارز وناصع حتى يزول الشك وتتضح الأمور على ما هي عليه تماماً.

(7)
تبدو «للفرنسيين فقط» كعبارة وضعت دون اكتراث وفي لحظة ضيق وضجر. يبدو أنها هبطت في غير مكانها وتوقيتها. إنها وضعت على عجل وبلا تفكير وصار ينبغي على سادة المركز الفرنسي لزوماً إعادة النظر فيها.
خلعها أو قصفها ووضعها بعد ذلك في أقرب سلة مهملات.
أقول ينبغي.
[email protected]