غابة عيون.. وشاشة واحدة: كرة القدم باعتبارها مغناطيس العالم – مصطفى راجح

غابة عيون.. وشاشة واحدة: كرة القدم باعتبارها مغناطيس العالم – مصطفى راجح

تكرر المشهد أكثر من مرة منذ بداية المونديال: قاعة تغص بالصحفيين التموا في نقابتهم.. مشدودين باتجاه شاشة تنقل حدثاً هو الأكثر إثارة، استقطب اهتمام مئات الملايين في العالم: مونديال المانيا. فجأة يخيم الظلام فاتحاً المجال لسيل من اللعنات والشتائم تتدفق باتجاه وزارة الكهرباء وحكومة لم تستطع أن تنير العاصمة مكتملة، على الأقل في شهر كأس العالم. صاح أحدهم، وكأنه وجد حيلة مناسبة: اتصلوا بهم! إن الصحفيين لديهم مؤتمر منعقد الآن يلصوا لنا.
طبعاً حتى الكذبة البيضاء هذه لم تنفع لأن ال(177) مشغول باستمرار، هذا إذا لم يكن مناوبوه مشغولين بمشاهدة المباراة.
مع زحف البزنس إلى أهم حدث عالمي، وتشفيره الذي حرم ملايين المتابعين من المشاركة في المهرجان العالمي، انتشرت الشاشات، منها ما هو بمبادرة عامة، وشاشات اخرى في النقابات ومقرات الجمعيات وغيرها.
اشتغل عشرات العاطلين كمهندسي ريسيفيرات ومتخصصين في «حرف الدش» لإلتقاط قناة افريقية أو حتى فرعونية.. المهم المشاهدة، وعلى الأقل يخفف المشاهد من ثقالة دم بعض المعلقين. حتى التعليق على مباراة لكرة القدم يحتاج إلى فن وإبداع. ثقافة وقدرة على تجنب تصدير الملل لملايين المشاهدين. في مباراة الارجنتين وصربيا كانت المتعة في أوجها مع مهارات فردية ولوحات فنية لا يستطيع رسمها سوى «الأرجنتينا».. وببرود، ايضاً. ومع كل هدف كان الزملاء يتلفتون إلى بعض منبهرين بروعة المعلق التونسي عصام الشوالي، ولاتضاهي روعة اهداف الارجنتين سوى عبارات الشوالي الفنية.
نعرف أن كرة القدم هي الأكثر شعبية. غير أن ما شاهدناه هذه المرة كشف لنا في اليمن شغفاً استثنائياً لدى الجمهور اليمني. ربما يرجع ذلك إلى كأس العالم السابق في اليابان وكوريا، الذي ظهر باهتاً، وملاعب خالية من الجمهور، وضعف المنافسات، زد عليه توقيت مقرف يجبرك على مشاهدة مباراة لكأس العالم في قيض الظهيرة، وهو أسوأ مصادفة، وتحديداً ليمنيين، موالعة قات، يصلون إلى مزاجهم السيء في الظهيرة، قبل أن يبدأ في الروقان مع أغصان القات في الثالثة عصراً.
والتشفير الذي فتح فرص المشاهدة الجماعية ساعد في خلق جو منعش، يشعر معه مرتادو الظرافي وحديقة السبعين بحماس أكبر، يقترب بهم من أجواء الملعب. ومع هذه التفسيرات يبقى القول أن كأس العالم المقامة حالياً ترتقي تنظيمياً ومتابعة ومستوى إلى أفضل دورات كأس العالم، هذا إذا لم تثبت الايام القادمة أنها الأفضل. فجميع المنتخبات العريقة في أعلى مستوياتها، ويشارك في المونديال طيف واسع من نجوم يعيشون أعلى مستوياتهم وازدهارهم. الأهم أن اللعبة الأكثر شعبية عادت إلى مربع المهارات الفردية والابداع، مع تألق رونالدينيو وميسي، وريكيلمي، وكاكا وغيرهم. هذا المسار الذي كاد أن يفقد مع غلبة خطط المدربين وتكتيكاتهم، وهيمنة القوة والسرعة والإلتحام في إعداد اللاعبين. تعود هنا كرة القدم كمتعة وإبداع، لتنجو من أسر خطط وتكتيكات لا تولي اعتباراً لمئات الملايين المشدودة إلى الشاشات.. ولا ترى شيئاً سوى صافرة النهاية.
هنا جديد مهم هذه المرة ايضاً. إن اصواتاً ثقيلة وكآبية، درجت في مواسم كأس العالم الفائتة على الحديث بنبرة متعالية على كرة القدم ومشجعيها، قد اختفت الآن، أو على الأقل خفتت إلى مجرد اصوات معدودة في بعض الفضائيات والصحف، حيث مكرفتون محترمون لا يرون في كرة القدم سوى إلهاء للجماهير عن قضايا(نا) القومية الجادة.
أتذكر أحدهم كتب قبل أربع سنوات بيقينية مقرفة عن «كأس العالم» بوصفها تحقيراً للروح والعقل والتفكير.. وباعتبارها حدثاً جسدياً لا قيمة له. طبعاً لم يكن النشاط الرياضي في أي وقت بديلاً لاهتمامات الناس الأخرى. الرياضة كثقافة ونشاط تشكل إحدى محددات النشاط البشري. وكرة القدم لا تزدهر إلا في أجواء الحرية «الحرية مفتاح كل شيء». فلا يمكن أن يزدهر نشاط رياضي في مجتمع استبدادي مغلق يثقل كاهل افراده بكوابح وقيود شتى، لا مجال معها لازدهار مواهب واكتشاف طاقات خلاقة. نحتاج إلى المناخ الذي جعل من سائق التاكسي «بيكرمان» مدرباً للارجنتين، وصانع الاحذية «لولا» رئيساً للبرازيل.

musraj [email protected]