ظلال الإحتلال والفتنة الطائفية.. دماء على خاصرة الرياضة العراقية – إياد محمود*

ظلال الإحتلال والفتنة الطائفية.. دماء على خاصرة الرياضة العراقية – إياد محمود*

هكذا صار العراق اليوم: مجرد ساحة للموت بكل أشكاله وصوره ومظاهره المرهقة للباقين، الذين يعانون ويتفرجون ويلطمون خدودهم. ففي العراق يوجد ما هو أكبر وأخطر من حرب أهلية؛ إنها وللأسف بذور وألسنة حرب إبادة يمارسها طرف مسلح مدجج ضارب القوة، ضد طرف آخر أعزل عار من عوامل التهيئة المحذرة من الهجوم.
العراق هو البلد الدامي الوحيد الذي نزف من رأسه، لا من وسطه وأطرافه وقاعدته. يأتي الدم المسفوح مشهداً يتكرر يومياً، بعد أن عمق الاحتلال الامريكي جراح الشعب المنكوب، وراح يمارس هواية القتل الجماعي في غير ساحته.
لم يسلم الرياضيون العراقيون من المصير المحتوم. سقط الكثير منهم مضرجين بدمائهم في شوارع الموت.
نوار حسين، نجم نادي «الزوراء» في الثمانينات، لم يكن يحمل سلاحاً، بل كان أعزل، ينوي الذهاب إلى مكان عمله كمدرب لشباب «الزوراء»، شاءت الأقدار ان يكون على موعد مع عربات الموت التي ينطلق منها الجنود الامريكان في شوارع بغداد، فطالته رصاصات طائشة وهو في سيارته، أردته قتيلاً.
وسقط نجل اللاعب الدولي السابق فنّاح محمد، مضرجاً بدمائه بفعل النيران الامريكية التي اغتالت أحلام الفتى الغر في مواصلة مشواره مع منتخب شباب العراق، لم تمض أيام قلائل حتى لحقه الشبل، مالك مزهر، أحد لاعبي نادي «الصناعة» مضرجاً بدمائه الزكية إثر شظايا قنبلة أطلقتها مروحية عسكرية امريكية. وهكذا توفي سلام عباس، أحد لاعبي المدرسة الكروية التي يديرها شيخ المدربين، عمو بابا، بعد تعرضه لإطلاق نار عشوائي وهو في ساحة الملعب. كما اخترقت رصاصة طائشة جسد لاعب «الزوراء» والمنتخب الأولمبي العراقي، منار مظفر، الذي ودع معشوقته (الكرة) منتصباً كما هو حال الأشجار التي تموت واقفة.
يوماً بعد يوم تتواصل حلقات مسلسل نزيف دماء الرياضة العراقية التي تختلف سيناريوهاتها بأشكال ومضامين أخرى في إنتاجها الذي يهدف إلى اجتثاث جذور الرياضة في بلاد الرافدين التي اصبحت ساحة دموية للعنف الطائفي الذي تمثله ميليشيات زمر الأرهاب التي اغتالت الرباع العراقي عبدالله عيسى، الحائز على الوسام البرونزي في دورة الألعاب الآسيوية في سيول 1986. كما لم يسلم من هذه الجرائم حسين جمعة كاظم، الذي كان يستعد للمشاركة في بطولة العرب لكمال الأجسام. وتطول القائمة لتشمل بطل الجودو، حيدر عزيز، وقبله رئيس اتحاد الكاراتيه، علي شاكر، ثم أبطال لعبة التنس: وسام عادل، ونصير حاتم، ومدرب المنتخب الوطني للتنس، حسين رشيد، ونزار عبدالزهرة، المشرف الرياضي لنادي «الميناء» في البصرة، وأشهر هدافيه في الثمانينات.
كما لم تتوان عصابات القتل الطائفي في تكريس آليتها المعتمدة على الخطف والقتل تحت جنح الهوية المذهبية، مكملة لحلقات سلسلتها بالعديد من الكوادر الإدارية والفنية داخل مفاصل الحركة الرياضية العراقية، منهم: أحمد السامرائي، رئيس اللجنة الأولمبية العراقية، الذي ما زال مصيره مجهولاً بعد عملية أختطاف أعضاء اللجنة الأولمبية أثناء انعقاد مؤتمرهم داخل قاعة الإجتماعات الدولية في بغداد منذ يوليو الماضي، والذي شهدت بعده شهور الرياضة العراقية جرائم اغتيال حميد حسون، المستشار القانوني لنادي القوة الجوية ووزارة الشباب.. وأيضاً حميد الناصح، نائب رئيس اللجنة الأولمبية في محافظة البصرة. وأخيراً عملية اختطاف وقتل هديب مجهول، رئيس نادي «الطلبة» العراقي في العاصمة بغداد نهاية نوفمبر الماضي.
حتى الجمهور الكروي لم يسلم هو الآخر من الأذى، ففي مدينة بعقوبة الباسلة وبينما كانت مجموعة من الشباب تتابع مباريات مونديال ألمانيا 2006 انفجرت دراجة نارية مفخخة أمام المقهى الذي يرتادونه ليسقط العشرات منهم بين قتيل وجريح.
لتبقى الصورة الرياضية لمجموعة أشباح دموية تمد ايدي الغدر نحو جموع الرياضيين في مختلف الألعاب. صورة حزينة لرياضيين ودعوا أحبتهم بصمت وتركوا ذكريات ناطقة عن حضورهم في الملاعب الرياضية.
وأمام بحيرة دماء الرياضة العراقية، تنبع رسالة رياضية شعارها الإلتزام بالقيم الإنسانية وتحمل روح المحبة والاحترام، لتصرخ قائلة: لا تقطعوا جذور الرياضة! لأنها لا تعرف الحقد، ودعونا نسبح في تيارها بلا منغصات! فهي الهواء النقي الخالي من عقد الحياة وهمومها.
 
* عراقي مقيم في اليمن