سعيد ثابت سعيد يروي قصة نشأة الأخوان المسلمين في اليمن*

سعيد ثابت سعيد يروي قصة نشأة الأخوان المسلمين في اليمن*

– الشيخ عبدالمجيد الزنداني يقود تمرداً داخل حركة القوميين العرب.
– شَعَر الزنداني بخطر انتمائه للحركيين على تدينه فطلب محاورة قيادة فرع الأردن.
– في شقة سكنية بحي «الهرم» تشكلت سراً قيادة الكتلة الطلابية الإسلامية
– بعث الزبيري رسالة شفهية إلى الزنداني مفادها: لماذا قطعت زيارتنا؟
– المخلافي والزنداني يزوران الزبيري ساعة الغروب للتثبت من تمسكه بالصلاة
– عملية البناء والتكوين للنواة الإسلامية داخل مجموعة الحياد التي بادر عبد المجيد الزنداني إلى طرحها على إخوانه بعد انسحابه من حركة القوميين العرب نهاية 1958 اتسمت بالتجريبية، وارتكزت الجهود في البناء على النزعة الاجتهادية لدى النخبة الأولى وخاصة عبد المجيد الزنداني، وعبده محمد المخلافي
 
 
نشرت «النداء» على مدى ثلاثة أعداد فصلاً من كتاب يصدر لاحقاً، للزميل سعيد ثابت سعيد الصحفي المعروف، بعنوان: «الحركة الإسلامية في اليمن. إشكاليات النشأة والمسار». وفيه يتناول الكاتب الينابيع والمسارب والمسارات التي مهدت لقيام تنظيم «الاخوان المسلمون» في اليمن مطلع الستينات من القرن الماضي، مسلطاً الضوء على أدوار عديدين من الشباب الإسلامي في فترة المد القومي العربي، وبخاصة الشاب عبدالمجيد الزنداني الذي انسحب من حركة القوميين العرب لأسباب متصلة، في أغلبها، بنظرته للدين.
في الحلقة الأولى من الجزء الذي نشرته الصحيفة، يعرض سعيد ثابت لحركة الزنداني باتجاه استقطاب شباب آخرين في الجامعات المصرية بينهم رفاق سابقين في حركة القوميين العرب، على محوري التدين والوطنية اليمنية.
ويواصل في الحلقتين الأخريين تتبع المحطات البارزة في مسيرة تأسيس التنظيم الإخواني اليمن، بدءاً من «مجموعة الحياد» التي ميَّزت نفسها عن الاتجاهات الحزبية القومية واليسارية المتصارعة التي كانت تتوزع السيطرة على الشباب اليمني في مصر، ثم الكتلة الطلابية الإسلامية، فالنواة التنظيمية الأولى التي يظهر فيها إسم محمد عبده المخلافي، الشاب الذي يظهر في المرويات المدوَّنة والشفهية للناشطين الإسلاميين في اليمن باعتباره أهم مؤسسي تنظيم «الاخوان» في اليمن.
سعيد ثابت في الحلقات الثلاث يستحضر السياق الذي تبلورت داخله فكرة التنظيم، مبرزاً التأثير الروحي والإنساني لمحمد محمود الزبيري على الزنداني والمخلافي ورفاقهم، في فترة سياسية اتسمت بالتقلبات والانقلابات والرومانسيات الثورية من كل صنف، والتي فرضت طوقاً من العزلة على رجال الإصلاح في اليمن، وبخاصة أحمد محمد النعمان ومحمد محمود الزبيري.
على أن الشباب الإسلامي الذي أراد الإفتراق عن الجماعات القومية واليسارية: من أفكارها وبناها ومنابرها ومثلها العليا، لم يستطع أن ينفك تماماً من سطوة الفكرة القومية وتمثلاتها وشعاراتها، كما يتضح من الإسم الذي اختاروه لتنظيمهم السري: «الطليعة العربية».
الحلقة الأولى نشرتها «النداء» غداة انعقاد المؤتمر الرابع للتجمع اليمني للإصلاح (28 فبراير الماضي)، ضمن ملف للصحيفة عن وقائع ونتائج المؤتمر.

«النداء»
 
 
 
 
1 – جماعة الحياد بين الأحزاب
 
 
 
– في مدينة طنطا تشكلت مجموعة طلابية بقيادة الزنداني تحت شعار الحياد بين الأحزاب القومية واليسارية.
 
– تأثرت المجموعة بالشيخ الأزهري كمال أحمد عون، المشرف على جمعية الشبان المسلمين، وانتظمت معه في لقاءات دورية في بيته.
 
– في يناير 1961 زار الزنداني مدينة البعوث وتعرف على عبده محمد المخلافي، وكان لقاؤهما محطة مهمة في تاريخ العمل الاخواني.
 
 

كانت اليمن بشطريها خالية من الأحزاب السياسية -بالمعنى العلمي لمفهوم الحزب- مطلع الخمسينيات وبالتحديد قبل تموز (يوليو) 1952، ولعل ظهور رابطة أبناء الجنوب العربي 28 (نيسان)1951 في عدن يعدّ مقدمة لتبلور الأفكار والاتجاهات السياسية وتمايزها عن بعضها، لتشكل فيما بعد إطارات تنظيمية خاصة بها؛ إذ جمعت رابطة أبناء الجنوب العربي شخصيات متباينة التوجهات من اليمين إلى اليسار، فضمت في صفوفها الإسلاميين (الشيخ محمد علي الجفري، وحسين محمد دلمار)، والبعثيين (موسى الكاظم، علي بن عقيل) والقوميين العرب (قحطان الشعبي، علي ناصر محمد، وفيصل عبد اللطيف) والماركسيين (عبد الله عبد الرزاق باذيب، ومحمد سعيد باخبيرة، وعلي عبد الرزاق باذيب).
جاءت رابطة أبناء الجنوب العربي استجابة لظروف قُطرية خاصة بالتطورات التي استجدت في جنوب اليمن آنذاك. أما الاتحاد اليمني فقد تأسس في البداية كنادٍ يضم أبناء المحافظات الشمالية الساخطين على النظام الإمامي، ويرعى شؤونهم، ويجمع من تبقى من أحرار الحركة الدستورية الفاشلة عام 1948 وينسق جهودهم، لاستئناف نشاطهم السياسي المعارض، ويفتح فصولا دراسية مسائية للمواطنين القادمين إلى مدينة عدن، ويبعث بعضاَ منهم إلى دول عربية لتلقي الدراسات الجامعية.
لذلك لم نجد أي وثيقة تشير إلى وجود أحزاب سياسية ذات هياكل ومؤسسات وبرامج ماركسية أو إسلامية أو قومية حتى بداية النصف الثاني من الخمسينيات، عند أن برز أشخاص يتبنون الخطاب الماركسي (عبد الله باذيب) أو الخطاب البعثي (محمد سعيد مسواط)، أو الخطاب القومي العربي (قحطان الشعبي…)، لكنهم جميعاً لم يؤسسوا تنظيمات خاصة تترجم توجهاتهم بصورة معلنة إلا نهاية الخمسينات ومطلع الستينات، واكتفوا خلال تلك الفترة بالعمل الحزبي بواسطة عدد من الواجهات المتاحة في الساحة مثل المؤتمر العمالي (البعث) والنادي الثقافي بالشيخ عثمان (حركة القوميين العرب) ورابطة الكتّاب الأحرار (التيار الماركسي).
ظلت الشخصيات المتأثرة بالتوجهات الحزبية الماركسية والقومية (بعثيين/ قوميين عرب) خلال النصف الثاني من الخمسينيات (1956م – 1959م) تبشر بأفكارها ومعتقداتها السياسية التي كانت صدى لموجة التيارات المقابلة في المنطقة العربية، كخطوة تمهيدية لكسب الأنصار، وتنظيمهم في أحزاب تستوعب تلك الاتجاهات والمعتقدات.
أما الإسلاميون الحركيون (الإخوان المسلمون) فإنهم كغيرهم من ذوي الاتجاهات السياسية لم يشكلوا تنظيماً خاصاً بهم واكتفوا بالعمل من خلال الواجهات الموجودة على الساحة. فنشط عمر طرموم من خلال “الجمعية الإسلامية” ثم “الرابطة” ثم انصرف إلى العمل التربوي سيما في المعهد الإسلامي (أسسه الشيخ محمد سالم البيحاني عام 1957).
والعمل الإسلامي -عادة- يأخذ بعدين: الأول تقليدي، وهو النشاط العام، ويستهدف الوعظ والإرشاد دون استهداف تنظيم أفراد من هذا الوسط لتحقيق برنامج عمل تغييري في المجتمع، واليمن بشطريها عرفت هذا النشاط من العمل الإسلامي، ويدخل في إطاره الطرق الصوفية والحلقات المسجدية العلمية وغيرها. أما البعد الثاني فهو غير تقليدي، إذ يسعى القائمون عليه لتجميع أفراد وأنصار يكونون بمثابة قاعدة لانطلاق الإطار الناظم لنشاطهم، وموضعاً مناسباً لتحركاتهم، وفق برنامج إسلامي حركي يهدف إلى إحداث تغيير سياسي واجتماعي شامل في البلاد، ويتحرك على ضوء نظام لائحي وهياكل ومؤسسات محددة، وهذا البعد لم يتبلور بصورة كاملة في جنوب اليمن،على الرغم من ظهور الجمعية الإسلامية (أنشأها المحامي محمد عبد الله ومحمد سالم البيحاني ومحمد علي الجفري) وهي جمعية جاءت استجابة للتحدي الاستعماري الهادف إلى تفتيت مجتمع مدينة عدن، خاصة في ظل تصاعد الدعوات المغرقة بالانفصالية منتصف الأربعينات، والرامية إلى عزل أبناء المدينة سواء عن محيطهم في المحميات الشرقية والغربية (بحسب تعبير ذلك الزمان)، أم عن محيط شمال اليمن. ويعتقد بعض الباحثين في مجال التاريخ المعاصر لجنوب اليمن أن تنظيما باسم الإخوان المسلمين قد ظهر بالفعل في عدن نهاية الأربعينات.
ويبدو أن تشكيل هذا التنظيم في مدينة عدن جاء على خلفية التطورات السياسية العاصفة التي شهدها شمال اليمن قبل نحو ثلاثة أشهر فقط من أحداث الحركة الدستورية ضد العهد الإمامي، وما أسفر عنها من صدام أودى بحياة الإمام يحيى ملك اليمن، وتولي الأحرار قيادة البلاد لبضعة أيام، ثم انهيارهم ودخولهم معترك محنة القتل والاعتقال والتشرد. ولم يكتب لهذه المحاولة التنظيمية الاستمرار؛ إذ سرعان ما تلاشت مع حلول الخمسينات. وربما أن المتحمسين لإنشاء هذا التنظيم قد تأثروا بجهاد الإخوان المسلمين، وسمعتهم السياسية الناصعة في مقاومة القوى الاستعمارية، وتعبئتهم الشارع العربي لإفشال المخطط الصهيوني الغربي في إقامة دولة لليهود من كل جنسيات العالم في فلسطين. لكن اسم الإخوان المسلمين ظل حاضراً في أذهان المواطنين في المدينة دون وجود تنظيمي حقيقي فيها منذ الخمسينات، سيما أن الحركة الإخوانية في مصر قد دخلت طور الابتلاء باعتقال النظام الملكي الفاروقي لمجاهديها في فلسطين ثم اغتيال مؤسسها الشهيد حسن البنا في شباط (فبراير) 1949، ومن ثم انصراف قيادة المرشد الثاني حسن الهضيبي للالتفات إلى الداخل المصري، بإعادة ترتيب البيت التنظيمي، وتشكيل كتائب المقاومة المسلحة ضد الوجود البريطاني في القنال عام 1951 وتوجيه الجهود نحو إسقاط النظام الملكي المتورط بارتكاب جريمة اغتيال مؤسس الحركة.
 
الفصل الأول
الطور الأول: ميلاد الفكرة الإسلامية
يكاد يكون عام 1959م عام ميلاد فكرة العمل الإسلامي المنظم في أوساط الطلاب الدارسين في مصر، ولكن من دون رؤية متكاملة للمنهج والتنظيم والمسار. وهي خطوة جاءت طبيعية في سياق التحولات الفكرية للشباب اليمني المتأثر بتيارات الفكر والسياسة التي تموج في المجتمع العربي المصري. ففي ثنايا أحداث عاصفة شهدتها الأمة العربية واليمن في قلبها، بدأت تتبلور الفكرة كمشروع حركة من عناصر طلابية عرفت موجات صاخبة من تنظيمات وأيديولوجيات متباينة، واعتركت في خضم تلك الإطارات الحزبية، سيما حركة القوميين العرب التي يعد عام 1958م العهد الخصب لانتشارها وتوسعها، وتمدد شعبيتها في كثير من الأقطار العربية، مستفيدة من قيام الوحدة المصرية السورية، وتقديم نفسها كأداة طوعية للنظام الجديد في “الجمهورية العربية المتحدة”، وأثبتت جدارة وفعالية في أحداث أيار(مايو) 1958م بلبنان، إذ “أخرجت هذه الأحداث الحركة من هامشيتها وعزلتها وتسترها بالطقوس السرية الغريبة، والمخيمات الكشفية، إلى ميدان الفعل الجماهيري. ونتيجة تلك الأحداث في لبنانن وبما لا يدع مجالاً للشك، فإن شعار الأداة الطوعية للقيادة الرسمية للثورة العربية قد تحول من الناحية الفعلية إلى أداة بأيدي الأجهزة المصرية”.
بمعنى أن ميلاد فكرة العمل الإسلامي المنظم تبلورت في وعي مجموعة طلابية عائدة من قواعد حركة القوميين العرب، والبعث العربي الاشتراكي، بعد ما استفزت شعارات وأفكار هي أقرب إلى النهج الماركسي المتطرف، الروح الدينية الكامنة في أعماقهم، بينما هم ما التحقوا بحركة القوميين العرب إلا استجابة لأطروحاتها في طورها الأول المتمثل بمعاداة الشيوعية، ومحاربة الاستعمار، والثأر من ضياع فلسطين، ووجدوا فيها صورة جديدة يمكن اعتمادها لتصحيح أوضاعهم في شمال اليمن، الغارق في ديجور التخلف والانحطاط، وفي جنوب اليمن المكبل بالقيود الاستعمارية البريطانية. وكانت قيادة حركة القوميين العرب في الوسط الطلابي تعيش حالة مدّ تنظيمي، وتحول أيديولوجي مغاير للطور الأول (النشأة والتأسيس)، ويشهد إطارها التنظيمي استيعاباً واسعاً للعناصر الطلابية من مختلف الأقطار العربية التي كانت تتلقى دراستها في مصر. ومدّت الحركة أذرعها، لتؤسس فرعاً لها في شمال اليمن وجنوبه، أثناء العطلة الدراسية للعام 1959م عندما أعدت قيادة حركة القوميين العرب دورة سرية في دمشق وضمت عشرة كوادر خريجين من أقطار مختلفة، كان من أبرزهم بالنسبة لليمن: فيصل عبد اللطيف الشعبي، قحطان الشعبي، وسلطان أحمد عمر. وتهدف هذه الدورة إلى تخريج عناصر طلابية قيادية تستطيع تأسيس فروع تنظيمية في أقطارها.
 كان ثمة عدد من الطلاب، أبرزهم عبدالمجيد عزيز الزنداني، وعبد السلام العنسي، ومحمد قاسم عون، وعبد الرحمن المجاهد، قد ارتبطوا بحركة القوميين العرب، وانخرطوا في تكويناتها التنظيمية. وشاء الله أن تكون الفترة المتبقية من نهاية الخمسينيات (1958 – 1959) حبلى بأحداث جسام ظهرت أولى بشائرها بقيام الوحدة المصرية – السورية، فاشتعال الصراع الدامي بين القوميين والشيوعيين، وخاصة في العراق، وتصدي الرئيس المصري جمال عبد الناصر لقيادة المعسكر المعادي للشيوعية، في وجه عبد الكريم قاسم الذي أقام بدوره محاكم عسكرية شهيرة (برئاسة المهداوي) لمحاكمة المنتمين إلى حركة القوميين العرب وحزب البعث العربي، وإعدام العشرات منهم، في ذات الوقت الذي قامت أجهزة الرئيس عبد الناصر باعتقال الشيوعيين المصريين، وأيضاً الطلاب الشيوعيين العرب الدارسين في مصر وسوريا (الجمهورية العربية المتحدة) وترحليهم إلى بلدانهم، ومن بينهم عدد من الطلاب اليمنيين؛ إذ شهدت الساحة الطلابية اليمنية في القاهرة كانعكاس لما كان يعتمل في المنطقة، صراعات طاحنة محورية بين القوميين (بعثيين وحركيين) والشيوعيين، أفضت إلى احتكاك ثم اشتباك عنيف، اضطرت المخابرات المصرية لفضه، وقيامها بتوزيع الطلاب الماركسيين والقوميين من القاهرة على محافظات ومناطق أخرى مثل طنطا وحلوان وغيرها، وطرد مجموعة من الطلاب الماركسيين إلى صنعاء في النصف الأول من 1959، أبرزهم سليمان حسن، وأحمد محمد الشجني، وخالد فضل، وعبد الله حسن العالم، وأبو بكر السقاف، ومحمد عمر حسن، ونجيب عبد الملك أسعد، وعمر عبد الله الجاوي، ومحمد أحمد عبد الولي، وعلي حميد شرف، ومحمد جعفر زين، وأحمد الحربي، وعلوي عبدالله ملهي.
 احتفى الإمام أحمد بقدوم الطلاب الشيوعيين باعتبارهم خصوما لعبد الناصر؛ إذ كانت العلاقات بين الرجلين قد توترت. وقام الأول بإعادة توزيعهم على الدول الاشتراكية لاستئناف دراساتهم، وشكلوا فيما بعد، إضافة إلى عناصر طلابية أخرى ظلت في القاهرة وآخرين في اليمن، النواة الحركية للتنظيم الماركسي في شمال اليمن وجنوبه.
ومن الموافقات أن هؤلاء الطلاب المطرودين من مصر، القادمين إلى دولة الإمام أحمد، قد وجدوا أمامهم مؤسس التيار الماركسي عبد الله باذيب يعمل معارضاً في مدينة تعز بعد فراره من عدن، على إثر مقالات كتبها ضد الاحتلال البريطاني. ومن العوامل الكثيرة التي تضافرت لتسهم في تأسيس أول تنظيم ماركسي يمني منها انصراف المجموعة المنشقة عن الاتحاد اليمني لتكوين إطار سياسي لهم، وأقاموا نوعاً من التنسيق والتعاون التحالفي مع المجموعة الماركسية في تعز وعدن، وكان أهم جامع يربط بين المجموعة المنشقة عن الاتحاد، والماركسيين، هو العداء والخصومة الحادة لخط الشهيد محمد محمود الزبيري وزميله أحمد محمد النعمان.
يروي الزبيري في رسالة لصديقه النعمان معاناته مع الطلبة الدارسين في مصر؛ فالأيام قد علمته سوء الظن بقدرة الناس على الكتمان، لذلك صمم على احتفاظه بهذه الأسرار مدة طويلة على أن يجتمع باليمنيين الموجودين في مصر، ويختار من بينهم مجموعة متميزة تقود سير العمل لتنفيذ الخطة. ولأنها عملية تقوم أساساً على الاعتماد على أسرار طواها في أعماق صدره، فإنه وجد نفسه في جهة، والآخرين في جهة أخرى.
ومن أجل الخروج من هذا المأزق لجأ الزبيري إلى ما وصفه بـ”التحايل المعقولـ”، وهو الاتصال بعدد من الشباب في مصر، وأخذ يكوّن منهم خلايا وكل خلية تسمى “أسرة” وهو مصطلح تنظيمي خاص بحركة الإخوان المسلمين، مما يشير إلى تأثره الكبير بها، واقتناعه بصلاحية هيكلها التنظيمي كإطار ينظم الشباب اليمني بهدف تحقيق خطته المكونة من المراحل الثلاث. ونجح في تشكيل مجلس مؤلف من مجموع رؤساء “الأسر” على الرغم من العقبات التي واجهها نتيجة تنافر الطلاب واختلافاتهم ومماحكاتهم.
يقول في رسالته: “لجأت إلى التحايل المعقول، فاتصلت بالشبان هنا، وأخذت أكوِّن منهم خلايا، كل خلية تسمى أسرة، ووجدت عقبات كأداء في هذا السبيل….
ولما تغلبت على الخلافات، وتصافى الزملاء فيما بينهم، كوَّنَّا مجلساً مؤلفاً من مجموع رؤساء الأسر”.
ويحدد الزبيري هدفه من تشكيل مجلس رؤساء الأسر في أن يصبح موجهاً له عن طريق الإقناع والثقة، وإعداده لقبول بعض الأشياء دون مناقشة ما وراءها من أسرار لا يملك إفشاءها لهم، وأن يكون مجلس الأسر، الممثلة فيه كافة الأسر، قادراً على إصدار قرارات يتقبلها الشبان دون مناقشة أيضاً. لكنهم وهم في سن الطموح والاعتزاز الشديد بالنفس رفضوا الآلية التي اعتمدها الشهيد الزبيري، ورفضوا أن تكون هناك أسرار وقرارات لا توضع على بساط البحث والمناقشة، أو أن يكون لمجلس الأسر، وهو يمثلهم جميعاً، حق إصدار قرارات يتلقاها الشبان بالقبول دون أن يبحثوها أو يناقشوها. عندها أدرك الشهيد الزبيري أن جهود ستة شهور منذ أن بدأ مشروعه التنظيمي المفتوح. قد باءت بالفشل والخسران. فعاد إلى الشبان مرة أخرى، غربلة وإصلاحاً وإقناعاً، فوجد نفوساً عاتية، متطامنة، منشغلة بمحيطها الضيق عن الوطن ومن فيه، ومنطقها مأخوذ من المحيط الذي وصفه بالمحيط السخيف. فلم يستطع أن يبعدها عنه قيد شعرة، وأنفق شهوراً أخرى ليكتشف أنه قد انشغل عن الجهاد في سبيل إنقاذ
شعبه -وهو الهدف الذي عاش ومات من أجله- إلى الجهاد في سبيل إنقاذ الشبان من الغرور والطيش والحمق.
واعترف الزبيري بمرارة أنه لم ينجح في مهمته التي كان وطنه ينتظره لإنجازها، المتمثلة بإيجاد الرجال المتحررين من الإصر والأغلال: “يعلم الله ما تألمت وما سهرت وما تحملت من حماقات، ولكن المهم أني لم أنجح في هذا المجال مع الأسف الشديد”.
فماذا صنع الرجل إزاء اعترافه هذا؟ خاض تجربة أخرى تعتمد على انتقاء الطلاب الذين يتوسم فيهم التزاماً إسلامياً، ورغبة بالعمل التغييري، وفق خطته التي استعرضنا بعض ملامحها. “لجأت إلى الوسيلة الأخيرة، وهي: أبحث عن كل شاب يؤمن بالغيب، ولا يناقش، ولا يسأل، ويستعد للتضحية بكل ما يملك بحياته وماله وروحه وجهده ووقته، دون أن يطلب الدليل. ووجدت عدداً قليلاًً جداً ووجهتهم بعض التوجيه، فعملوا كل ما نريد منهم أن يعملوه، ولا يزالون مستعدين لكل شيء”.
أحدثت وقائع الصدام بين الطلاب اليمنيين في مصر، رد فعل عكسياً لدى نخبة طلابية معظمها كان لها انتماء لحركة القوميين العرب، أبرزهم عبد المجيد الزنداني الذي بدأ يطرح على مسؤولية عدداً من الأسئلة والاستفسارات في حلقته التنظيمية حول قضايا ترتبط بالبعد الإسلامي، وبالبعد الوطني. وساعدت عملية توزيع الطلاب من القاهرة إلى طنطا نهاية 1959 على إثارة المزيد من التساؤلات لعل أبرزها موقف الحركة من الإسلام وكيفية تفسير موقفها المعادي للشيوعيين واعتبارهم عملاء الاستعمار والصهيونية، بينما لا تقوم الحركة بتعبئة كوادرها دينياً على اعتبار أن الإسلام هو الوحيد القادر على التصدي للأيديولوجية الماركسية. وأثار الزنداني على مسؤول خليته مسألة توجيه العناصر المنتمية للحركة للالتزام بأداء فرائض الصلاة والصيام والقيام بالواجبات الشرعية.
 يروي أحد شهود تلك المرحلة لحظة تحوّل نخبة طلابية من مربع الانتماء الحركي القومي إلى مربع الانتماء الحركي الإسلامي: “لقد كنا مرتبطين بحركة القوميين العرب أنا وعبد المجيد الزنداني ومجموعة أخرى. وعلى الرغم من أن التنظيم كان سرياً، وكانت كل خلية لا تعرف الخلية الأخرى، وفي أحد اللقاءات الاعتيادية التي جمعتني بعبد المجيد الزنداني وآخرين في طنطا، على إثر الأحداث الطلابية بين الشيوعيين والقوميين، إذا بالزنداني يطلعنا على مشكلة نشبت بينه وبين قيادة حركة القوميين العرب في خليته، وقال لنا إن قيادة الحركة طرحت عليهم في أحد الاجتماعات الأسبوعية سؤالاً عن أيهما أولى في العمل اليمن أم العروبة؟
 وكان جواب عبد المجيد الزنداني أن الأولوية التي يجب أن تكون في جدول أعمال الطالب الحركي اليمني هي العمل للوطن اليمني، وتحريره من الاستعمار، والتخلص من نظام الإمامة؛ باعتبار اليمن الدائرة الأقرب لاهتمامات الطالب اليمني، و إذا صلحت اليمن فسيكون ذلك إضافة إيجابية على طريق إصلاح شأن بقية أقطار العروبة. لكن قيادة حركة القوميين العرب في خليته اعتبرت جواب الزنداني انفصالياً وتشطيرياً وإقليمياً، ورأت وجوب اعتماد العروبة كأولى أولويات عمل الطلاب الأعضاء في الحركة، سواء كانوا من اليمن أم من غيرها؛ فإذا كانت ثمة معركة تشتعل في العراق أو فلسطين أو المغرب، فإنها تصبح مقدَّمة على القضية اليمنية. وجرى جدل ساخن وعنيف بين عبد المجيد الزنداني
المتشبث برأيه، وبين قيادته في الخلية الحزبية. ويضيف حول أسباب الخلاف مع حركة القوميين العرب أنه كان قد طرح على مسؤولي حلقته التنظيمية سؤالاً فيما إذا كان هناك قرار يلزم الأعضاء بالتمسك بالواجبات الإسلامية، وأداء الفرائض الشرعية. جاءه الرد بالنفي، واعتبار ذلك غير ضروري أو مهم. فغضب من رد قيادة الحركة، ورأى فيه خطرا على تدينه، وطلب حواراً مفتوحاً مع قيادة فرع الأردن، لاعتبارات خاصة بالنسبة له، وأصر على أن تحضر لمناقشته.
 أثارت تلك الأسئلة لغطاً في الوسط الطلابي المنتمي للحركة، وقررت القيادة الطلابية للقوميين العرب عقد اجتماع حضره فيصل عبد اللطيف الشعبي، وسلطان أحمد عمر (قادة فرع الحركة في اليمن شمالاً وجنوباً) وعلي عبد الإله الأغبري، وعلي العيني، إلى جانب عبد المجيد الزنداني. وجرى نقاش ساخن بينه وبين القيادة حول البعد الوطني والبعد الإسلامي، وأولويات العمل التنظيمي للطلاب الملتزمين في إطار حركة القوميين العرب. ولما لم يصل الحوار إلى نتيجة، طلب الزنداني أن تشارك قيادات من لبنان والأردن في اجتماع تال، غير أنه اقتنع في الاجتماع الثاني أن استراتيجية حركة القوميين العرب ليس في سلم اهتماماتها وبرامجها مكان للهموم والقضايا التي أثارها، فقرر الانسحاب منها، والعمل بعيداً عن التشكيلات الحزبية.
ولجأ إلى الطلاب اليمنيين الذين كسبهم من قبل إلى خلايا الحركة، من بينهم عبد السلام العنسي، ومحمد قاسم عون، وآخرين. وراح يبعث فيهم روح التمرد على حركة القوميين العرب، بواسطة إثارة تلك الأسئلة عليهم ويكشف لهم موقف قيادة الحركة اللا مبالي تجاهها. “عندما طرح علينا عبد المجيد الزنداني ما جرى بينه وبين قيادته من جدل ونقاش حول الأولوية لليمن أم للعروبة، اندهشنا ثم استغربنا لنصل إلى حالة الغضب، وقلنا: ليس من المعقول أن نسكت عن ذلك، ونحن ما زلنا نعيش حالة همٍّ وطني، إذ أن آباءنا ومعظم أهالينا في اليمن ما بين سجينٍ أو مشردٍ أو شهيد، ورحنا نثير ذات الأسئلة في خلايانا الحزبية بمدينة طنطا: أيهما أولاً العروبة أم اليمن؟
أصبح السؤال ظاهرة داخلية في الخلايا الحزبية الخاصة بالطلاب اليمنيين. ولما لم نصل وإياهم إلى اتفاق، طلبوا منا الانتظار أسبوعاً حتى يعودوا إلى القيادة العليا في القاهرة. ولم يكد يمضي أسبوع حتى جاء الرد بتصميم حزبي حاسم، يؤكد أن ليس في صفوف حركة القوميين العرب عناصر انفصالية أو إقليمية أو تشطيرية وأن ليس في أدبياتها شيء اسمه يمن أو عراق أو سودان أو غيرها، فمعركة الحركة، في كل مكان من الوطن العربي، ولا اعتبار لأي قضية قُطرية تؤخذ بمعزل عن الدائرة القومية.
قرر عبد المجيد الزنداني الابتعاد كلياً عن حركة القوميين العرب، والنأي بنفسه عن الاستقطاب الحزبي بين التيارين القومي والماركسي، والبحث عن مربع ٍ آخر مغاير لهما، يستطيع من خلاله التحرك باستقلالية وحيادية عن الصراعات الحزبية المحتدمة دائما بين التيارين، وتزيدهما اشتعالاً خطط وتحركات الأجهزة الأمنية الرسمية في القاهرة وبغداد، لتمتد إلى مساحات أبعد بكثير عن دوائرهما الطبيعية.
 
الانتقال من الفكرة إلى الاتجاه
استطاع الزنداني أن يجمع عدداً صغيراً من الطلاب اليمنيين المسكونين بالهمِّ الوطني المتحرر من الشعارات القومية والماركسية الرائجة منذ النصف الثاني من الخمسينيات، ونأى عن المجموعات الطلابية الحزبية في مدينة طنطا، وباشر معهم العمل الطلابي بعيداً عن دوائر الصراع الحزبي من خلال مجموعة أنشطة محددة تتراوح ما بين إصدار مجلة حائطية بعنوان “البناء” وممارسة فعاليات كشفية.
 انطلقت هذه المجموعة الطلابية الصغيرة التي أطلقت على “نفسها مجموعة الحياد بين الأحزابـ” من مقولة فكرية بسيطة جداً تقول إن الأحزاب القائمة في أوساط الطلاب اليمنيين بالقاهرة لا تعبِّر عن الهم الوطني اليمني، والتعصب لأطرها التنظيمية يفضي إلى تمزيق روابط الأخوة بين الطلاب ويشيع روح العداء والخصومة، ومن ثم تدمير الآمال المعلقة عليهم من آبائهم وأهاليهم بأن يعودوا إلى بلادهم وقد تزوّدوا بالعلوم والمعارف الكفيلة بإحداث تغيير شامل في بنية الحياة من دون أن تلحق أضراراً بروابط الوحدة والاتحاد ووشائج القربى والنسب.
اعتمدت مجموعة الحياد الطلابي في رؤيتها تجاه الأحزاب القائمة في الساحة الطلابية بمصر، على ما أفرزته وقائع عمليات الاستقطاب الحزبي وما أفرزته من أعمال عنف واشتباك وخصومة وعداء وتنافر بين طلاب أبناء الوطن المجزأ والرازح في أغلال القهر والجهل والاستعمار، فأوصلتها إلى قناعة بضرورة الابتعاد عن تأثيرات الأنظمة والأجهزة العربية الساعية لتجنيد عناصر من بينهم ليصبحوا أدوات تخدم أهدافاً ومشاريع لا علاقة لها بآمال وأحلام اليمنيين الذين لم يكونوا مكترثين كثيراً بالتوصيفات الأيديولوجية والشعارات الحزبية الشائعة بقوة في تلك الفترة، والناتجة عن سياسة حافة الهاوية وعلى خلفية اشتداد الحرب الباردة بين معسكري دائرة الحضارة الأوروبية (الغربي الرأسمالي، والشرقي الماركسي) وانخراط أقطار العالم العربي في حمأة الاستقطابات الدولية.
ضمت مجموعة الحياد في مدينة طنطا مجموعة من الطلاب الذين أصبح بعضهم من مؤسسي الحركة الإسلامية فيما بعد. وتركز اهتمامها في محاربة التعصب الحزبي لأي تشكيل كان، قومياً أو ماركسياً، والتأكيد على التحصيل العلمي والالتفات إلى الواقع الوطني في شمال اليمن وجنوبه لمعالجة الإشكالات والعراقيل التي تقف أمام قيام يمن حر وعادل ومتقدم ومستقل.
تنامى نشاط مجموعة الحياد في أوساط الطلاب منذ مطلع عام 1960م وأصبح حضورها ملموساً في أوساط طلاب تلك الفترة، لكن الغلبة والسيطرة كانت للتيار الطلابي القومي (البعث وحركة القوميين العرب) والماركسي اللذين كانا قد هيمنا على اللجنة التنفيذية الطلابية الموحدة منذ قيام الطلاب بعقد مؤتمرهم الأول في الثالث والعشرين من تموز(يوليو) 1956م بمدينة القاهرة، وهو ما كان يزعج عدداً من رموز قادة الحركة الوطنية اليمنية الموجودين في مصر مثل الشهيد محمد محمود الزبيري، ومحمد أحمد النعمان، بسبب تصلب الطلاب المنتمين للتيارين، وممارسة سياسة الجحود والنكران لمن تبقى من رموز حركة الأحرار اليمنيين، واعتبارهم شخصيات رجعية تجاوزها الزمن، ومحاولة فرض حالة عزلة قسرية على هذه الشخصيات المتزعمة للاتحاد اليمني الذي شهد حالة انقسام حاد نهاية الخمسينات، وفي ظل حظر رسمي من النظام المصري لأي نشاط يقوم به الزبيري أو النعمان، مراعاة لمشاعر الإمام أحمد الذي التحق بموكب الاتحاد مع الجمهورية العربية المتحدة عام 1958م؛ مما أضعف حركة المعارضة اليمنية وشل نشاطها الإعلامي والسياسي. وضاعف من ترهل المعارضة، نشوب الخلاف الصامت بين الزبيري والنعمان، بسبب الموقف من “ثورة خولان” المشهورة في النصف الأول من عام 1959م، وعدم تحمس النعمان لها، وجعل قضية تأسيس “كلية بلقيس” في مدينة الشيخ عثمان بعدن في مقدمة اهتماماته، واعتبرها أهم بكثير من تأييد ثورة خولان.
سافر الزبيري من القاهرة إلى الإسكندرية في هذه الفترة، ابتعاداً عن الضغوط النفسية التي كان يتعرض لها، والشعور بالقهر والكبت البوليسي، واصطفاف الطلاب على قاعدة الانتماء الحزبي لا الوطني، وتخندقهم خلف قناعات أيديولوجية لا تنسجم والأوضاع العامة في الساحة اليمنية.
يرصد أحمد عبد الرحمن المعلمي اتجاهات المشاعر التي انتابت الشهيد محمد محمود الزبيري في ظل الأوضاع المضطربة والملتهبة في شمال اليمن وجنوبه، وفي القاهرة بين الطلاب اليمنيين. ويكشف بطريقة غير مباشرة، عن جذر فكرة حركة الحياد بين الأحزاب لدى الزبيري، وترجمتها مجموعة طلابية على رأسهم عبد المجيد الزنداني. يقول المعلمي: “كان الزبيري يفرح بتكاثر طلاب العلم القادمين من اليمن، ويحاول ضمهم إلى لوائه. وكان ينزعج من تعدد الثقافة لأنه يريد أن يضرب الجهل والطغيان في اليمن بعصا غليظة واحدة، ويد قوية واحدة. كان يكره من ينجر منهم إلى الشيوعية أو الإلحاد أو إلى البعثية. كان يقول: هذه الاتجاهات لا يقبلها الشعب اليمني في المرحلة الحاضرة، إنه لا يقبل إلا فكرة الإسلام، والعروبة في الإسلام. ويقول: لنخرجه أولاً من الزيف الذي هو فيه باسم الإسلام”.
ما أورده المعلمي عن الزبيري وموقفه من التيارات الحزبية في أوساط الطلاب اليمنيين يعبر عن ذات الموقف/ الرؤية التي اعتنقها عبد المجيد الزنداني وزملاؤه، وشكلوا على أساسها مجموعة الحياد بين الأحزاب، واعتمدوها منطلقاً لنشاطهم الطلابي، ورأوا الشهيد الزبيري بمثابة الأب الروحي لهم، إن جاز هذا التعبير؛ “فلقد كانت مجموعة الحياد في طنطا تتردد عليه في مقر إقامته بالقاهرة، وفي الإسكندرية، ويستفيدون من نصائحه وتوجيهاته. وكانوا يعطونه فكرة عما يدور من صراعات واشتباكات لفظية وجسدية بين عناصر التيارين القوميين (البعث وحركية القوميين العرب) والماركسيين.
كان الطلاب اليمنيون يتوزعون، على عدد من المناطق المصرية، فثمة طلاب في مدينة حلوان والقاهرة، وطلاب في بني سويف. والسواد الأعظم منهم، كانوا في مدينة طنطا، وشهدت هذه المدينة صراعات ومشاجرات بين أنصار التيار القومي والتيار الماركسي، وبدأت “مجموعة الحياد بين الأحزابـ” تنشط في طنطا نهاية 1959م وهو ذات العام الذي بدأ فيه عدد من الطلاب اليمنيين يتوافدون على الدراسة في الأزهر الشريف، ويشكلون تجمعاً طلابياً في مدينة البعوث الإسلامية، من بينهم عبده محمد المخلافي، وآخرون.
 ومدينة البعوث عبارة عن حي سكني يضم طلاباً من مختلف الجنسيات في العالم، ينحدر معظمهم من عائلات غير ثرية أو غير قادرة، لا تستطيع الإنفاق على مستلزمات دراسة أولادها في الجامعات المصرية، لذلك استفادوا من الامتيازات المتوفرة لهم في جامعة الأزهر كالسكن والتغذية ورسوم الدراسة.
طرأ عنصر جديد في معادلة الصراع الحزبي الطلابي في مصر منذ نهاية 1959م ومطلع عام 1960م تمثل بتزايد أعداد الطلاب الذين أطلقوا على أنفسهم “مجموعة الحياد بين الأحزابـ” إذ بلغ عددهم ما بين 40 – 50 طالباً، سيما بعد انتقال الزنداني من طنطا إلى القاهرة بصورة لمسها كثير من زملاء دراسته من أصحاب التوجهات القومية والماركسية. ودخلت “مجموعة الحياد يبن الأحزابـ” في أول احتكاك مع أنصار التيارين منتصف عام 1960 عندما حاولت المجموعة فرض نفسها على مجرى الصراع الناشب بين التيارين، و “بدأ رموزها وخاصة عبد المجيد الزنداني يصرّ على مواجهة زحف الكتب الماركسية والقومية على مكتبة النادي الطلابي اليمني الخاضعة هيئته الإدارية لسيطرة الماركسيين والقوميين. بيد أن الزبيري نصح المحايدين بعدم الاصطدام ببقية زملائهم، والتوجه نحو تأسيس مكتبة عامة تضم جميع أنواع الكتب الإسلامية والقومية والماركسية. وشدد عليهم الابتعاد عن فرض الرأي الواحد أو ممارسة الإكراه الفكري”.
تأثرت مجموعة الحياد في طنطا فكرياً بالشيخ الأزهري كمال أحمد عون، المشرف على جمعية الشبان المسلمين، وكان بمثابة مفتي المجموعة، على حد تعبير الزنداني. إذ أن الأخير كان أكثر حركية وفعالية ونشاطاً من بين أفراد مجموعة الحياد، ودلهم على الشيخ الأزهري عون الذي أثر تأثيراً كبيراً عليه وعلى بقية المجموعة سيما عبد السلام العنسي. وانتظمت المجموعة باللقاء الدوري مع الشيخ كمال أحمد عون في بيته، ويستمر ساعتين إلى ثلاث ساعات.
كان الشيخ عون عالماً متبحراً وعليه مسحات صوفية منضبطة بالفهم السني البعيد عن الدروشة أو السفسطة الفلسفية التي شابت الحركة الصوفية في مجملها. وترك العالم الأزهري بصماته على عبد المجيد الزنداني وعبد السلام العنسي بعلمه وتواضعه وبربطه بين الإسلام كعقيدة وقيم والإسلام كموقف وسلوك حياتي، لا تنفصل الصلاة عن الأمانة، ولا الصوم عن الجهاد، ولا الحج عن الحكم.
 
الطور الثاني: تكوين الكتلة الإسلامية
الطلابية داخل مجموعة الحياد
بدأ التفكير جديا (عند طلاب الحياد) في إنشاء حركة إسلامية داخل مجموعة الحياد لتكون نواة لعمل تنظيمي حركي إسلامي قادر على مواجهة تحديات الصراع الحزبي الطلابي. وتواترت اللقاءات بين الزنداني وعدد من إخوانه المقتنعين بخط مجموعة الحياد واتسمت لقاءاتهم في إحدى حدائق القاهرة، وفي منطقة الأهرامات أيضا، بالسرية, وتركزت على البحث عن أسلم الطرق لتأسيس حركة إسلامية داخل مجموعة الحياد، تعتمد عملية التكوين فيها على قاعدة انتقاء عناصر ناضجة من داخل مجموعة الحياد لتكون أكثر التزاماً بالتوجه الإسلامي، ولتصبح نواة طلابية لديها القدرة والكفاءة على العمل الإسلامي المنظم، مع تفعيل نشاط مجموعة الحياد بين الأحزاب، والتحرك تحت لافتتها باعتبارها واجهة للعمل الطلابي الإسلامي في مصر.
ظلت فكرة إيجاد نواة طلابية إسلامية ملتزمة حركيا تشغل بال عبدالمجيد الزنداني، تأثراً بمنهج أستاذه الشهيد محمد محمود الزبيري وهو منهج نجد ملامحه بوضوح في رسالته الشهيرة بعنوان “الخطة”.
 لكن الفكرة لم تصبح واقعاً حتى منتصف عام 1961 عندما التقى عبد المجيد الزنداني عبده محمد المخلافي الطالب في مدينة البعوث الإسلامية، بعد جهد كبير. وكان لقاؤهما الأول دافعاً للشابين المتحمسين لخدمة الإسلام في التعجيل بإخراج الفكرة إلى حيز الوجود الطلابي، سيما أن شخصيتي الرجلين (الزنداني و المخلافي) كانتا تكملان بعضهما لشخصية قيادية فريدة ومؤثرة وفاعلة.
 لم “تكن مجموعة الحياد بين الأحزابـ” هيئة حزبية أو تشكيلة تنظيمية، إذ من خلال شهادات معظم المنخرطين في إطارها نجد أنها كانت أشبه بمجموعة طلابية توافق رأيها على رفض واقع الصراع الحزبي الذي وسم الوسط الطلابي اليمني في مصر، والاعتصام برابطة الأخوة الإسلامية، وعلى قاعدة الانتماء إلى اليمن كوطن يرزح في أغلال القهر والجهل والاستعمار. وعندما اتجه عبد المجيد الزنداني لتكوين نواة من داخل مجموعة الحياد تكون بمثابة قاعدة تنظيمية لحركة إسلامية، لم يكن قد تبلور لها بعد الهيكل التنظيمي الإسلامي الذي بموجبه يمكن أن نطلق عليه اسم حركة إسلامية، فلم تكن ثمة تسمية محددة للنواة الإسلامية داخل مجموعة الحياد، ولم تكن الصورة واضحة لدى صاحب الفكرة حول توزيع المهام بين أفرادها أو تشكيل هيئات ولجان لتسيير أعمالها.
 أخذت مجموعة الحياد بين الأحزاب تقترب من صورة التكتل الطلابي المتماسك مع دخول عام 1961م. ويعد اللقاء الذي جمع عبد المجيد الزنداني وعبده محمد المخلافي المحطة الأهم على طريق نقل فكرة العمل الطلابي الإسلامي الحر إلى مربع البلورة والتجسيد والتأسيس المتدرج.
يسجل الزنداني اللحظات السابقة للقائه بالمخلافي، بعد سماعه عنه، ومحاولاته المتكررة للتعرف عليه، وهو الطالب الأزهري المقيم في مدينة البعوث، بينما كان الزنداني طالباً بكلية الصيدلة في جامعة القاهرة. ويروي أنه عندما علم بوجود أعداد من الطلاب اليمنيين في مدينة البعوث الإسلامية التابعة للأزهر بالقاهرة، قرر زيارتهم والعمل على استقطاب عناصر منهم إلى صف مجموعة الحياد. و في نهاية كانون ثاني (يناير)1961م قابل علي أحمد سعيد المخلافي، أحد الطلاب اليمنيين الدارسين في الأزهر، وطلب منه جمع زملائه للتعرف عليهم، ولما اجتمع عدد منهم ألقى على مسامعهم كلمة تضمنت دعوتهم للم شملهم والاهتمام بالواجبات الإسلامية كزاد للطالب الحريص على مصلحته ومصلحة وطنه،
والتنديد بالأوضاع الفاسدة في اليمن شمالاً وجنوباً. وبعد الانتهاء من كلمته قال له عدد من الطلاب: “إن هناك طالبا لو سمعك لن يتركك، ويدعى عبده محمد المخلافي”.
عاد عبد المجيد الزنداني في الأسبوع التالي زائراً إلى مدينة البعوث حريصاً على مقابلة عبده محمد المخلافي، غير أنه فوجئ بالطلاب الذين التقاهم الأسبوع الماضي ووجوههم مكشرة، وصارحوه بعدم رغبتهم بالاستماع إليه أو الالتقاء به.
 أيقن أن ثمة عناصر وجهات سعت لتفريقهم عنه، وعزله عنهم. وبعد تحر وبحث، اكتشف أن طلاباً منتمين لحركة القوميين العرب قد نشروا في أوساط طلاب المدينة اتهامات له بالعمالة للسفارة وللإمام وطفق راجعا إلى حي المنيل بالقاهرة من دون تحقيق رغبته، في التعرف على المخلافي.
كانت حالات استياء تموج، ومشاعر غضب تتنامى في أوساط الطلاب، جراء الممارسات الظالمة التي يتعرضون لها من قيادة السفارة المتوكلية في القاهرة. ووجد الزنداني، وهو الطالب الناشط، نفسه مع بقية زملائه الطلاب الغاضبين، في معمعة المواجهة مع ممثلي السفارة، لإيقاف الأعمال التعسفية بحقهم. واشترك مع زملائه الطلاب بتنفيذ اعتصام صاخب في شباط (فبراير) أمام مقر نائب الإمام، وأصدروا بياناً للرأي العام اليمني والعرب طرحوا فيه جملة حاجات مطلبية مثل تأمين وتحسين الرواتب التي تؤمن لهم المعيشة والعلاج، وتجديد الجوازات، وتسهيل عملية الالتحاق بالجامعات المصرية. وتشكلت على إثر الاعتصام لجنة لمتابعة المطالب تكونت من عدد من الأشخاص.
أغضبت الإجراءات الطلابية نائب الإمام، وأصدرت السفارة إعلاناً يقضي بقطع رواتب أربعة طلاب اعتبرتهم محرضين أساسيين لتنفيذ الاعتصام. ومن بين هؤلاء الأربعة عبدالمجيد الزنداني. فاستفاد الأخير كثيراً من إعلان السفارة، لإثبات براءته من تهمة رفاق الأمس (القوميين الحركيين) واستطاع كسر الحاجز النفسي الذي حاولت العناصر الحركية القومية إقامته، لعزله عن بقية الطلاب، تذمراً من تحركاته ونشاطه الدؤوب المخالف لتوجهاتهم في أوساط الطلاب.
 عاد الزنداني ثانية زائرا لطلاب مدينة البعوث، بهدف التعرف على المخلافي. وبعد أن خاض مع إخوانه في مجموعة الحياد تجربة جديدة تمثلت في المشاركة بالاعتصام احتجاجا على ممارسات نائب الإمام في القاهرة، وهي تجربة سياسية حادة، ولما بدأت جلسته مع نخبة من الطلاب الذين جمعهم زميله علي أحمد سعيد المخلافي. لكن لم يتمكن من مقابلة المخلافي أيضا، راح يحدثهم ويناقشهم في قضايا إسلامية، ووطنية وطلابية. ولما عاد إليهم للمرة الثالثة، وجدهم في حالة أشبه بالتجمهر ضده، وعبروا له عن ضيقهم من زياراته المتكررة، وكشفوا له عن معلومات حصلوا عليها تؤكد ارتباطه بالتيار الماركسي وأنه طالب شيوعي يريد تجنيدهم لأعمال مناهضة. ونزلت التهمة الجديدة على رأسه كالصاعقة، فصرخ في وجوههم قائلاً: “دمي هدر إن صحت هذه التهمة”، وحاول إقناعهم بشتى الأساليب والحجج اللفظية بعدم ارتباطه بأي تنظيم حزبي قومي أو شيوعي ورفضه للحزبية القائمة آنذاك، لما تحمله من تمزيق للروابط والأواصر ولما تشيعه من عداء وخصومة وكراهية.
اقتنع الحاضرون بكلامه وفتحوا الغرفة المخصصة لاجتماعاتهم بالمدينة. وطوال كل هذه الزيارات لم يستطع الزنداني أن يلتقي عبده محمد المخلافي. وكان اللقاء الرابع بطلاب مدينة البعوث هو الحاسم بنقل العمل الإسلامي إلى الطور الجنيني بعد أن كان مجرد تكتل عاطفي بسيط، فما أن التقى الرجلان الزنداني و المخلافي وتعارفا حتى تعانق قلباهما وتوطدت علاقتهما. وعندما خرج المخلافي لتوديعه في المحطة التي تبعد حوالي اثنين كيلومتر عن المدينة، استقل معه الباص المتجه إلى المحطة وتحدث معه عن قضايا إسلامية وقال المخلافي: “يا أخي أعرف أناساً متحركين وأنا معهم هل تتصور أن هناك نصرانيا منصفا تجاه الإسلام وألف كتاباً اسمه (النبي العربي) فرد الزنداني على الفور: لقد ضحكوا عليك، هؤلاء بعثيون. وأبلغه أنه سيتركهم نهائياً”.
توطدت العلاقة بين الرجلين منذ ذلك اللقاء، ثم تكررت الزيارات بينهما، والتقت إرادتهما في العمل لإخراج فكرة اختيار عناصر طلابية من داخل مجموعة الحياد بين الأحزاب وإفرازها كنواة أولى على طريق تكوين حركة إسلامية تكون امتداداً للحركة الإسلامية المعاصرة، الملتزمة بمدرسة الإخوان المسلمين، رغم أن هذه المدرسة كانت تتعرض أيامها لأقصى محنة عرفتها منذ تأسيسها في 1928م، وعانى قادتها ومفكروها من كل ألوان البطش والإرهاب والاعتقال والقتل والمطاردة في ذات البلد الذي يعيش فيه هؤلاء الطلاب اليمنيون المتحمسون لتحويل الفكرة إطارا مجسدا في واقع مليء بالأفكار والأيديولوجيات والشعارات الحزبية المغايرة والمعادية تماماً لحلمهم النبيل.
انصبت محاولات الطلاب الإسلاميين المعروفين بمجموعة “الحياد بين الأحزابـ” في اتجاه تكريس التميز والاستقلالية عن بقية التيارات والأحزاب السائدة التي نشطت نشاطاً كبيراً مطلع الستينات وأصبحت مصدر استقطاب للطلاب القادمين إلى مدارس ومعاهد وجامعات مصر. ولم يكن وارداً لدى مجموعة الحياد الكشف عن مشاعرهم المتعاطفة مع جماعة الإخوان المسلمين أو التبني العلني لأفكار
واجتهادات قيادات الجماعة، لكنهم في المقابل انهمكوا على مؤلفات الشهيد سيد قطب وشقيقه محمد قطب، ورسائل الشهيد حسن البنا، وكتابات الدكتور مصطفى السباعي، واعتبروها مصادر أيديولوجية لتحركهم الفكري والسياسي في الوسط الطلابي دون التصريح بها، لقسوة الأوضاع الأمنية ولتشديد القبضة الاستخباراتية على مناحي الحياة في مصر و كان الطلاب العرب أكثر الفئات تعرضا لمخاطرها.
تردد طلاب “الحياد” في التسمية، وترددوا كثيرا في اختيار اسم محدد ليُعرفوا به حتى لا يقعوا في حفرة الحزبية التي يطالبون زملاءهم بتجنبها، واكتفوا باسم “الحياد” كما لو أنهم كتلة طلابية يجمعهم رابط النفور من الرابطة الحزبية التي وسمت تجمعات الطلاب اليمنيين وافترقوا بسببها وتصارعوا تعصباً لها. بيد أن بقية الطلاب المنتظمين في الأطر الحزبية القومية واليسارية كانوا يستنكرون إصرارهم على التحرك تحت لافتة الحياد، ويتساءلون: ما الفرق بينكم كمجموعة حياد، وبيننا كمجموعة أحزاب؟! ألستم حزباً ولكن باسم مجموعة الحياد بين الأحزاب؟‍!
 وتكررت الأسئلة المستنكرة من زملاء الدراسة، وأصبحت تشكل مصدر قلق ومضايقة، سيما عندما بدأت مجموعة الحياد تسعى لتشارك في فعاليات وأنشطة الرابطة الطلابية الموحدة في مصر مطلع الستينات، الأمر الذي دفع عبدالمجيد الزنداني وإخوانه الرواد إلى أن يجتهدون في التفكير لتكوين نواة منظمة وصلبة لتصبح الأساس لحركة طلابية إسلامية فاعلة.
 
 
 
 
***
 
 
 

 2 – النواة، الكتلة، والتنظيم
 
 
 
– التقت نخبة من طلاب “كتلة العمل الطلابي”، من بينهم: عبدالمجيد الزنداني، وعبده محمد المخلافي، وعبد اللطيف الشيباني، وآخرون، في منزل أحمد الويسي مطلع عام 1962 وحضر الشهيد الزبيري اللقاء، وفاتحوه بأمرهم وعرضوا عليه قيادة نشاطهم.
 
– كان الطلاب الستة الذين التقوا في الشقة السكنية في حي “الهرم” في مصر، يدركون جيداً أنهم بصدد إخراج فكرة تأسيس النواة الحركية إلى حيز الواقع الطلابي، فقد أعدوا لأنفسهم “قسم العملـ” وتعاهدوا على الالتزام بنصه.
 
– لجأ الطلاب المؤمنون بفكرة الحياد إلى الزبيري يتلقون منه النصائح والتوجيهات، وأصبح مرشدا وموجها وراعيا لهم. ولا يعني ذلك أن بقية الطلاب من غيرهم لم يكونوا على وفاق واتفاق معه؛ غير أن الشيوعيين خاصة، قد جاهروا بمعاداته، واعتزلوه، ونشروا الإشاعات حوله، انسجاماً مع الحملة الصحفية التي شنها عبدالله باذيب، أحد أبرز مؤسسي التيار الماركسي في اليمن.
 

البحث عن مرجعية قيادية فكرية
كان من أهم العوائق التي تؤخر عملية نقل الفكرة المجردة إلى واقع تنظيمي، غياب المرجعية القيادية التي تحظى بالانقياد والالتزام والطاعة، إذْ أن معظم هؤلاء الطلاب المتحمسين كانوا أنداداً، وليس بينهم تفاوت كبير في السن، وإنْ كان عبد المجيد الزنداني قد برز منذ منتصف الخمسينات بالنشاط الكشفي والحضور في معظم الفعاليات الطلابية، وكان له دور في سلخ أعداد من زملائه الطلاب من جسد حركة القوميين العرب، وأسهم في تعبئتهم للابتعاد عنها بناء على خلافات ذات طبيعية أيديولوجية أكثر منها سياسية. لذلك تلفت الطلاب يميناً وشمالاً لعلهم يجدون القائد الذي يحظى بإجماعهم ويتحلى بمزايا كاريزمية (زعامية) فإذا بهم أمام رمز وطني ذي ثقل كبير في الساحتين اليمنية والعربية وخاصة المصرية، وكان هذا الرمز قد بدأ يبوح عما يختلج في مكنونات نفسه من معاناة قاسية يتعرض لها من أولئك الطلاب الذين جاهروا بعدائهم له ولنهجه السياسي والفكري، وآثروا أحزابهم الجديدة على رموزهم الوطنية. كان ذلك الرمز هو محمد محمود الزبيري، رئيس الاتحاد اليمني، صاحب الرصيد النضالي في مضمار القضية اليمنية منذ ثلاثينيات القرن العشرين.
لم يكن الزبيري غريباً عن مدرسة الإخوان المسلمين، فالرجل ارتبط روحياً وفكرياً وعضوياً بها منذ لقائه الأول بالشهيد البنا، وظل يحتفظ بمشاعر ود وتقدير وإكبار لرموزها وقادتها، إذ أنها الهيئة الوطنية العربية الوحيدة التي اهتمت بالقضية اليمنية وأولتها مكانة متقدمة في جدول أعمالها السياسية والفكرية من خلال مركز الاتصال، وبواسطة وسائلها الإعلامية المطبوعة، وتكاد تكون أخبار اليمن شمالاً وجنوبا حاضرة في معظم أعدادها. وعندما تشرد الزبيري في منافي الأرض باحثاً عن مأوى يلجأ إليه بعيداً عن مطاردة أذناب العهد الإمامي عقب فشل حركة 1948 الدستورية، ما وجد في أي قطر عربي استجابة لمطلبه كلاجئ سياسي، فهو في نظر الأنظمة العربية يومها رمز معاد لعروشها وكراسي حكمها المتواطئة مع الاستعمار القديم، وتقاذفت به أمواج البحار، ولفظته موانئ الأقطار، حتى ألقى به التشرد إلى أرض الهند ثم إلى دولة الباكستان التي كانت، يومئذ، في طور الإعلان عن ميلادها. وكان لوجود الشاعر الإسلامي والدبلوماسي السوري والمفكر الإخواني عمر بهاء الدين الأميري – رحمه الله- كسفير لبلاده في إسلام أباد، أثر كبير في تسوية أوضاع الزبيري، وإقناع الحكومة الباكستانية بتأمين مأوى له، وتوفير الحد الأدنى من وسائل المعيشة، ونشأت علاقة أخوية متميزة بينهما، وجمعتهما اهتمامات الأدب والشعر والفكر الإسلامي والطموح لإحداث تغيير جذري في حياة العرب بعد نكبة فلسطين. كما أن ثمة جوامع مشتركة لعل من بينها الخلفية الفكرية الإخوانية لكلا الرجلين. ولما قامت ثورة يوليو 1952 في مصر سارعت جماعة الإخوان المسلمين للتوسط بشأنه لدى قادة “تنظيم الضباط الأحرار” الذين كان معظمهم مرتبطا تنظيمياً بالجماعة.
 يروي المؤرخ علي محمد عبده في كتابه “لمحات من حركة الأحرار اليمنيين” بقوله: “بعد تأسيس الاتحاد اليمني بأحد عشر يوماً قامت ثورة 23 يوليو 1952 وقضت على النظام الملكي وأقامت النظام الجمهوري، وتسلم رجالها السلطة، وكان كثير منهم على علاقة حسنة بحركة الإخوان المسلمين أو متعاطفين معها، فعمل الإخوان المسلمون لدى رجال الثورة على رفع الحظر المفروض على الفضيل الورتلاني من دخول مصر والذي فرضه النظام الملكي المصري عليه عقب فشل ثورة 1948 الدستورية في اليمن. وما إن وصل الفضيل الورتلاني إلى القاهرة حتى سعى مع قادة الإخوان المسلمين لدى رجال الثورة المصرية إلى رفع الحظر المفروض أيضاً على زميله الأستاذ محمد محمود الزبيري من دخول مصر لنفس الأسبابـ”.
هكذا كان الزبيري رمزاً وطنياً عملاقاً نذر روحه لخدمة دينه ووطنه. غير أنه مع تصاعد موضة الانتماءات الحزبية القومية واليسارية في أوساط الشباب منذ النصف الثاني من الخمسينيات، وما أحدثته حركة انقلاب مجموعة من العسكريين بقيادة الشهيد أحمد الثلايا في آذار(مارس) 1955 من ملابسات واختلافات، وارتفاع أصوات ماركسية تنتقد الزبيري والنعمان وحركة الأحرار وتشكيلاتهما المختلفة (الاتحاد اليمني)، وترى في خطه ونهجه السياسي موضة قديمة بالية عفا عليها الزمن، ومن مخلفات الماضي، إلى غير ذلك من الاتهامات والشبهات.
آلم الزبيري عقوق كثيرين من أبنائه الطلاب لحركتهم الوطنية الأصيلة. وراح ينشد من يتوسم فيه الالتزام الإسلامي والإيمان بالغيب ليكون الامتداد الطبيعي والتجديدي لحركته وخطه السياسي المتجاوز دوائر الجدل الفلسفي والتنظيري، البعيد عن الواقع اليمني بتعقيداته ومشاكله الخاصة والفريدة إلى حد بعيد عن مثيلاته في بقية الأقطار العربية.
لم يكن مستغرباً، إذن، أن يرتبط به طلاب “مجموعة الحياد” فكرياً وروحياً وتنظيمياً إذا جاز هذا التعبير في حدوده المبسطة. بمعنى: انحصار الرابط التنظيمي في دائرة التناصح وإسداء التوجيهات بحكم خبرته وتجربته الغنية والمتنوعة.
وجد الزبيري بغيته في هؤلاء الطلاب الإسلاميين ورأى فيهم المستقبل الأبهى لوطن ظل يحلم برؤيته متجسداً على هذه الأرض. ليس ذلك فحسب؛ بل إن فكرة تكوين مجموعة الحياد ترجمة عملية لما كان يؤمن به الشهيد الزبيري إزاء تفكك جبهة الطلاب وانقسامها وتشرذمها نتيجة الصراعات الحزبية والاستقطابات الإقليمية التي نشبت في أوساطهم انعكاساً لانقسام الدول العربية بين معسكري عبد الناصر وعبد الكريم قاسم نهاية الخمسينات، ثم بين معسكري ناصر والملك فيصل طوال عقد الستينات.
بكلمة كانت عملية تكتيل مجموعة طلاب يمنيين (على رأسهم عبد المجيد الزنداني) هي تجسيد للفكرة التي آمن بها الزبيري كمخرج سليم للفتنة الطلابية التي أطلت بقرنها عليهم جراء التنازع والتخاصم الحزبي؛ “فلقد دأب على ضم طلاب العلم القادمين من اليمن إلى لوائه. وكان ينزعج من تعدد الثقافة لأنه يريد ضرب الجهل والطغيان في بلاده بعصا غليظة واحدة ويد قوية واحدة. وكان يكره من ينجر منهم إلى الشيوعية أو الإلحاد أو البعثية، وكان يقول: هذه الاتجاهات لا يقبلها الشعب اليمني إنه لا يقبل إلا فكرة الإسلام والعروبة في الإسلام”.
لجأ الطلاب المؤمنون بفكرة الحياد إلى الزبيري يتلقون منه النصائح والتوجيهات، وأصبح مرشدا وموجها وراعيا لهم. ولا يعني ذلك أن بقية الطلاب من غيرهم لم يكونوا على وفاق واتفاق معه؛ غير أن الشيوعيين خاصة، قد جاهروا بمعاداته، واعتزلوه، ونشروا الإشاعات حوله، انسجاماً مع الحملة الصحفية التي شنها عبدالله باذيب، أحد أبرز مؤسسي التيار الماركسي في اليمن، في صحيفة “الطليعة” بمدينة تعز عامي 1959م – 1960م.
توطدت العلاقة الروحية بين شباب مجموعة الحياد وبين الشهيد محمد محمود الزبيري. وامتد نشاط المجموعة في أوساط الطلاب، سيما الطلاب اليمنيين الدارسين في الأزهر الذين كان لديهم سكن طلابي خاص بهم في مدينة البعوث الإسلامية.
في هذه الأثناء برز الشهيد عبده محمد المخلافي كناشط إسلامي فاعل ومؤثر بين أقرانه وزملائه في المدينة السكنية. وتوالت اللقاءات بين الطلاب الإسلاميين في جامعة القاهرة ومعاهدها من جهة، وبين الطلاب الإسلاميين في مدينة البعوث التابعة لمعاهد وجامعة الأزهر. وكانت النقطة التي يلتقون عندها هي إجماعهم على الشهيد الزبيري وروحيته الوطنية، وشخصيته المبهرة، وفكره الإسلامي المتحرر من إسار التخلف أو الارتهان. كانوا يلتقون به، ويتحاورون حول قضايا اليمن وهمومها، والدور الإسلامي في معالجتها، ويعرضون عليه مشاكلهم مع بقية الطلاب ذوي الانتماءات السياسية والفكرية المخالفة، ويفند لهم الاتهامات والشبهات التي يتعرضون لها في ظل حملة مركزة تستهدف أي حضور أو وجود للحركة الإسلامية في مصر. وكان الزبيري – بحسب شهادة طلاب المجموعة- يشجعهم ولا يبخل بتقديم كل مساعدة أو نصيحة تصب في خدمة توجههم الإسلامي.
لم تتوقف أسئلة الطلاب اليمنيين وخاصة الملتزمين حزبياً منهم حول طبيعة هوية “مجموعة الحياد”، ومبررات وجودها في أوساطهم. وأصبحت هذه الأسئلة -كما قلنا في موضع آخر- تشكل ضغطاً قوياً متزايداً بمرور الأيام على رموز المجموعة، وخاصة مع حلول الموعد الانتخابي للجنة التنفيذية الطلابية في التاسع عشر من أيلول (سبتمبر) 1961 عندما قرر أفراد المجموعة المشاركة فيها لأول مرة تحت واجهة “مجموعة الحياد بين الأحزابـ” بواسطة عدد من ممثلي المجموعة، وتعد من أهم الدورات الانتخابية الطلابية اليمنية خلال تلك المرحلة، من ناحية أنها نقلت الحركة الطلابية في القاهرة نقلة نوعية بتأسيس رابطة طلبة اليمن الطبيعية. وشارك الطلاب اليساريون والقوميون بكثافة لما يتمتعون به من حضور واسع بسبب ظروف تلك المرحلة التاريخية المفعمة بالشعارات والصراعات و الاستقطابات بين التيارين القومي والماركسي في معظم الأقطار العربية، وانفرادهما بتحريك الشارع العربي في ظل تواري الإسلاميين عن الساحة مرغمين نتيجة انتشار ظاهرة القمع والمطاردة، وحملات التشويه الإعلامي والسياسي ضدهم، ليس في مصر فحسب، إنما في ساحات عربية أخرى كانت تعيش حالة تماه مع الزعامة العربية الجديدة في القاهرة: صانعة الانتصارات على العدوان الثلاثي، ومحققة أحلام الأمة في الوحدة بين سوريا ومصر، وداعية التحرر العربي من الاستعمار في شمال أفريقيا.
 
الانخراط المبكر في العمل الديمقراطي
 شارك الطلاب الإسلاميون اليمنيون، في ظل تلك الأجواء الملبدة والخانقة لأي صوت إسلامي حركي، في أول انتخابات طلابية توطئة لتأسيس رابطة طلاب اليمن الطبيعية، وهم يدركون محدودية وجودهم وضعف بنائهم التنظيمي، إذ أنهم في ذات الفترة هذه بدأوا العمل على تأسيس النواة الحركية الإسلامية من داخل مجموعة الحياد، وباشروا عملية الاستقطاب والتكوين والإعداد، من خلال مناشط حركية بسيطة وساذجة بالنسبة لطلاب لا يمتلكون رصيداً وافراً من الخبرة التنظيمية الحزبية، ولا يستطيعون مراكمتها، أو الاستعانة بعناصر إسلامية حركية من ذات القطر، لأن هؤلاء كانوا يعيشون مرحلة ابتلاءات، ومحن السجن والمطاردة والقمع والإعدام. وأزعم أن مشاركة الطلاب الإسلاميين تحت واجهة “مجموعة الحياد بين الأحزابـ” في الانتخابات الطلابية المؤسسة لأول رابطة طلابية لليمن الموحد يعد مؤشراً مبكراً لطبيعة تفكير النخبة الأولى لمرحلة ما قبل تأسيس الحركة الإسلامية اليمنية تجاه موقفهم من مناهج التغيير السياسي والاجتماعي، وإيمانهم بأهمية الانغماس في الحياة العامة بكل مرافقها وتجلياتها، وعدم الانعزال أو التقوقع في دائرة الذات شعوراً بالتطهر السلبي والمفاصلة المادية. وعلى الرغم من وضعهم الهش، آنذاك، وعدم استكمالهم لعملية تأسيس وتكوين النواة الصلبة الأولى للحركة الإسلامية اليمنية ومعرفتهم المسبقة بطبيعة منافسيهم وحجمهم وإمكاناتهم وقدراتهم التنظيمية، ورعاية أجهزة عربية رسمية وحزبية لهم، وتمتعهم بوجاهات وعلاقات واسعة مع تنظيماتهم المناظرة في مصر وسويا والسودان والعراق ولبنان؛ على الرغم من ذلك كله، فإنهم خاضوا الانتخابات الطلابية.
صحيح أن ذلك لم يكن انتصاراً للمجموعة الطلابية الإسلامية بمقاييس تلك الفترة، إذ حقق البعثيون والماركسيون والقوميون العرب من الطلاب اليمنيين تمثيلاً كبيراً مقارنة بهم، وهي نتيجة طبيعية للملابسات التي استعرضنا بعضاً من ملامحها؛ بيد أنه يمكن اعتباره انتصاراً لهم من ناحية نجاحهم النسبي في إثبات وجودهم كقوة طلابية مقابلة للتيارات الحزبية الناشطة، وإعلان حضورهم في الساحة الطلابية كمجموعة متميزة لها نهج وخط مغاير تماماً لما هو سائد ومشهور بين الطلاب اليمنيين.
تعززت قناعة النخبة الأولى المؤسسة لمرحلة ميلاد الفكرة الإسلامية الحركية بأهمية تسريع إيجاد النواة الحركية من خلال انتقاء العناصر الطلابية الصلبة القادرة على حمل رسالة بناء حركة إسلامية شاملة لها امتدادات في كل الفئات الشعبية وعلى كامل التراب اليمني، شمالاً وجنوبا تحقق، من خلالها عبوديتها لله في مناحي الحياة بالتبشير بأصالة الإسلام عقيدة وشريعة ومنهاج حياة، وقدرته المطلقة على معالجة أمراض المجتمع، وانتشال أفراده من وهدة التخلف والانحطاط، وتجاوز حالة الانبهار المرضي للحضارة الغربية الاستعمارية إلى مرحلة التعامل النقدي الواعي لها، والاستفادة من إيجابياتها، ومحاربة سلبياتها.
كانت الأشهر الثلاثة الأخيرة من عام 1961 حافلة بالتحركات والمشاورات واللقاءات والاجتماعات بين أقطاب المجموعة الطلابية الإسلامية الأولى (مجموعة الحياد بين الأحزاب) لتأسيس كتلة إسلامية حركية طلابية من بين مجموعة الحياد. وتكاملت إرادة عبده محمد المخلافي وعبدالمجيد الزنداني باعتبارهما أبرز عناصر المجموعة. ولوضوح فكرة التأسيس في ذهنيهما، عملا على بلورة الهدف المتمثل بتكوين النواة المؤسّسة الصلبة (الكتلة الطلابية)؛ إذ كانت الفكرة قد راودت ذهن عبد المجيد الزنداني منذ مطلع الستينات وحاول كسب عدد من إخوانه ممن بدأوا العمل باسم مجموعة الحياد، سيما أولئك الذين انتزعهم من فك حركة القوميين العرب، ومن أبرزهم: عبدالسلام العنسي، وأحمد الويسي، وعبد الرحمن المؤيد، ومحمد قاسم عون، وعبدالرحمن المجاهد، وعبد اللطيف الشيباني، وطه الشيباني، وعبدالواحد الزنداني، وعبد الواحد سعد الخياط، وأحمد شجاع الدين. غير أن هذه المجموعة ظلت تراوح مكانها، ولم تصل إلى مستوى أن تصبح النواة الحركية الإسلامية المنظمة إلى ما بعد الانتخابات الطلابية في الثلث الأخير من عام 1961 وتلاقي إرادة الطلاب الإسلاميين في مدينة البعوث بالأزهر على رأسهم عبده محمد المخلافي، مع إرادة طلاب جامعة القاهرة وعين شمس وطلاب المعاهد المتوسطة المصرية. وتشكلت قيادة النواة الطلابية الإسلامية(الكتلة) أواخر كانون أول (ديسمبر) 1961م من ستة طلاب، أبرزهم: عبده محمد المخلافي، وعبدالمجيد الزنداني.
 هذه المجموعة التقت في إحدى الشقق السكنية في حي “الهرم”، في ظل أجواء سرية وتعاهد أفرادها على العمل لتكوين تنظيم إسلامي يمني فاعل يؤدي واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويبشر بعدالة الإسلام وأهليته الكاملة لقيادة الأمة وتحقيق التقدم والعزة والحرية والوحدة لليمن شمالاً وجنوباً.
 لم تستطع هذه النخبة المختارة أن تتفق على تسمية لها، أو تقوم بوضع نظام داخلي يحدد مهام واختصاصات عناصرها. واكتفت بأن تكون بمثابة قيادة جماعية للنشاط الطلابي الإسلامي المتمثل بمجموعة الحياد، وإنْ كان للزنداني والمخلافي الحضور البارز، والصوت الأعلى فيها. ثم راحت تكسب للنواة أو التنظيم الإسلامي في طوره الطفولي (الكتلة) عدداً من الطلاب الذين كان لهم دور بارز في بلورة الفكرة وتسريع عملية انتقالها إلى واقع حركي في إطار تكتل بسيط.
وكان الطلاب الستة الذين التقوا في الشقة السكنية في حي “الهرم” في مصر، يدركون جيداً أنهم بصدد إخراج فكرة تأسيس النواة الحركية إلى حيز الواقع الطلابي، فقد أعدوا لأنفسهم “قسم العملـ” وتعاهدوا على الالتزام بنصه.
بيد أننا من خلال إمعان القراءة في نص القسم نكتشف أن النخبة الأولى لم تصل بعد إلى مرحلة تكوين التنظيم الحركي الإسلامي بمفهومه العلمي.، فليس ثمة قضايا محددة يلتزم بها أصحاب القسم عدا العمل للإسلام وبذل المال والدم في سبيله، وهي قضايا عامة، ولم يرد ذكر اسم التنظيم أو توزيع المهام والاختصاصات فيما بينهم. وعلى الرغم من أن المحامي عبد اللطيف الشيباني يشير إلى أنهم اختاروا عبدالمجيد الزنداني ليرأس لقاءاتهم فإنهم لم يكوّنوا هيئات أو لجاناً تسهم في بلورة التنظيم المنشود، وظلوا يتحركون في الساحة الطلابية بمصر وفق ما توصلوا إليه من آلية كانت بمثابة مرحلة انتقالية طبيعية إلى تشكيل الحركة الإسلامية بمفهومها المبسط والأقرب إلى ما هو سائد للتنظيمات الحركية أثناء تطورها نحو النضج التنظيمي المتمثل بإيجاد هياكل ونظم وقوانين ومؤسسات وخطط عمل واستراتيجيات، إلى غير ذلك.
لقد جرى جدل ونقاش بين هؤلاء الطلاب حول التسمية المقترحة للتنظيم الوليد. كان من ضمن الأسماء “الإخوان المسلمين”. لكن المقترح رُفض سداً لباب فناء التنظيم ذاته (قبل ميلاده) على يد الأجهزة الاستخباراتية المصرية التي كانت تعادي الإخوان المسلمين وكل من يرتبط بهم أو يتبنى أيديولوجيتهم معاداة شديدة. وحرصاً على مستقبلهم العلمي، واستفادتهم من تجربة الطلاب اليمنيين الماركسيين الذين جرى ترحيلهم عن مصر، قبل استكمال دراستهم في أيار(مايو) 1959، أوصلتهم لقاءاتهم و نقاشاتهم حول التسمية إلى الاتفاق على إبقاء الاسم كما هو”كتلة العمل الطلابي اليمني” دون الإعلان عنه أو التعريف به بين جميع الطلاب.
 وتكشف حالة الجدل والتردد والحذر التي سادت نقاشات النخبة الأولى لبحث التسمية، واقع الحال في المجتمع الطلابي العربي في مصر، وسيطرة الهاجس الأمني على تفكيرهم، وشل أي إبداع لإنجاز مشروع عمل حركي منظم يقوم بدور في تسريع وتيرة النهضة والصحوة للأمة، سيما أن المعنيين هنا هم الطلاب الذين سيصبحون فيما بعد رموزاً اجتماعية وسياسية وفكرية في بلدانهم، بمعنى أنهم سيكونون قادة ومفكرين وعلماء وسياسيين في أقطارهم ومن بينها اليمن التي ستشهد حركة استقلال وتحرر من الاستعمار في العقد ذاته الذي كانوا يزمعون إنشاء منظمات وأحزاب سواء كانت إسلامية أم قومية أم يسارية. إذ أن التيار القومي (البعث، الناصريين..) والتيار اليساري (الماركسيين) لم يتوصلوا إلى تأسيس أو بناء أحزاب كاملة الهياكل والأطر إلا في ستينيات القرن العشرين؛ فالبعثيون سعوا لتأسيس إطار لتكتيل عناصرهم عام 1956م بمدينة عدن لكنهم لم يصلوا إلى مرحلة بناء حزب البعث العربي الاشتراكي إلا مطلع الستينات عندما أوفدت القيادة القومية في دمشق المحامي صالح الحبشي ليقيم هياكل الحزب نتيجة تفاوت الوضع التنظيمي بين شمال اليمن وجنوبه ففي الشطر الأول بدأ التأسيس كشعبة نهاية 1958م ولم يصل إلى الطور التنظيمي (قُطْر) إلا أواخر الستينات.
كذلك الحال بالنسبة للماركسيين الذين أسسوا حزبهم في تشرين الأول (أكتوبر) 1961 باسم “اتحاد الشعب الديمقراطي” بمدينة عدن، لكنهم لم يكملوا البناء التنظيمي إلا بداية النصف الثاني من الستينيات عندما تكونت نواة حزبية في شمال اليمن بالاسم نفسه (اتحاد الشعب الديمقراطي) نهاية النصف الأول من الستينات. أما الناصريون فإنهم لم ينظّموا أنفسهم في إطار حزبي إلا في النصف الثاني من الستينات، وبعد أن كوّن رجالات الاتحاد الاشتراكي (التنظيم السياسي لنظام الرئيس المصري جمال عبد الناصر) بواسطة استقطاب عدد من الطلاب اليمنيين رابطة طلابية ناصرية ترتبط بعدد من الشخصيات المصرية كان على رأسها كمال رفعت، وفتحي الديب.
كذلك فإن الإسلاميين لم يكونوا خارج سياق ميلاد الحركة التنظيمية الحزبية اليمنية برغم أن اليمن، شمالاً وجنوباً، عرفت رجالاً ارتبطوا فكرياً بمدرسة الإخوان المسلمين منذ وقت مبكر، ولعل عمر سالم طرموم كان من هؤلاء الذين أتاحت لهم مدينة عدن ثم هجرته إلى الحبشة، فرصة متابعة الأحداث ومطالعة المؤلفات والصحف والمجلات السارية في حقبة ما قبل الستينات. وهو تعرف إلى فكر مدرسة الإخوان المسلمين وتواصل مع الشهيد حسن البنا بواسطة الرسائل- بحسب إفادة مقربين منه؛ لكنه لم يتجاوز هذه الخطوة إلى مربع تكوين حركة إسلامية إلا لاحقاً، عند اكتمال الشروط وتوافر الظروف المواتية لإيجاد حركة أو حزب أو تنظيم معين.
ثمة كثيرون من الناس يعتقدون أن عملية خلق أو تأسيس تنظيم أو حزب أو حركة أو جماعة تحمل عقيدة أو أيديولوجية حضارية تجيب على مجمل مشكلات الواقع من السهولة بحيث يستطيع أفراد معدودون الإضطلاع بها.
كلا…
 إن عملية تكوين الأطر التنظيمية ذات الهياكل والمؤسسات والقوانين والأيديولوجيات والخطط تتطلب شروطاً وظروفاً ومناخاً لإنجاح العملية. ومن البديهي أن إيجاد حركة إسلامية، أو غيرها، تحتاج لجملة من الشروط السابقة لعملية الإيجاد، من أهمها: وجود فكرة وهدف وقائد أو قادة (نخبة)، ثم أشخاص مؤمنين بالفكرة والهدف، ووضوح في رؤية العمل، وبيئة ملائمة لتطبيق الفكرة، تستثير روح التحدي لدى النخبة القيادية من أجل تغيير واقعها.
إثر اتفاق النخبة الطلابية الإسلامية الأولى على العمل الإسلامي في إطار”كتلة العمل الطلابي”، وتحت غطاء “الحياد بين الأحزابـ” ارتفعت أصوات حزبية كانت هامسة، تتهمها بمعاداة النظام المصري، وتطلق على أفرادها عبارات تشهيرية وتحريضية مثل “الرجعيون” و”الإخوان المسلمين”. وتنامت مشاعر القلق لدى بقية القطاعات الطلابية الحزبية جراء تزايد عدد الطلاب الرافعين للافتة الحياد بين الأحزاب إلى نحو 30 طالباً. وبلغ مسامع الشهيد محمد محمود الزبيري من بعض الطلاب البعثيين الذين تقربوا منه كثيراً، تلك الصفات والنعوت على من كان يجد فيهم ذاته وآماله وأحلامه، ويتعامل معهم كأب شفيق حنون حريص عليهم. فأرسل إلى عبد المجيد الزنداني بواسطة أحد الطلاب رسالة شفوية مفادها: “قولوا لعبد المجيد لماذا قطع زيارتنا!”.
 يقول عبد المجيد الزنداني: “عندما وصلتني رسالة الشيخ الزبيري قلت: سبحان الله. وعلمت أن الأستاذ يريد شيئاً هاماً فعرضت أمر هذه الرسالة على زملائي وأخوتي الذين أجمعوا على أن القاضي الزبيري رجل صالح، ولكن نتيجة ذلك الجو المسموم كان يراودهم نوع بسيط من الخوف على الدعوة فأرادوا الثقة والتأكد من حقيقة ثبات القاضي الزبيري على مبادئه وأهدافه التي عرفوه بها في السابق بعد كل الزوابع السياسية التي عصفت بالكثيرين. لقد أرادوا التأكد، هل مازال على منهجه، أم أنه قد انسلخ، أو حدث له مكروه في منهجه؟ اتفقت المجموعة على انتدابي والمخلافي لزيارة الزبيري واختاروا أن تتم الزيارة وقت صلاة المغرب حيلة منهم للتثبت من تمسك القاضي بالصلاة، وكانت تلك فكرة عبده محمد المخلافي. ولما قابلناه وجدناه في حالة تهيؤ لأداء الصلاة، وقد اشترطت المجموعة علينا أننا إذا وجدناه كذلك فلنجلس معه، وإذا لم نجده كذلك فلنحاول مناقشته وإعادته إلى طريق الإسلام وإقناعه بحركة الخير هذه”.
ويضيف الزنداني في شهادته: “أثناء الحديث مع القاضي الزبيري ما كنت آتي له بدليل من الذي أعتقده حتى يأتيني بعشرة أدلة من الكتاب والسنة، وما كنت أفتح له موضوعاً حتى يستكمله بما كنت أريد قوله، وما كنت أفتح له باباً من أبواب الخير حتى يبادر إلى فتح عدة أبواب من أبواب الخير، فعدت أقول لإخواني وزملائي: لقد وجدنا الشيخ والزعيم المناسب لأن يكون قائداً لنا ولشعبنا اليمني، في مسيرة الخير والإصلاح”. ثم التقى خمسة طلاب من المنتمين إلى كتلة العمل الإسلامي، النواة العاملة داخل مجموعة الحياد، بينهم عبدالمجيد الزنداني، وعبده محمد المخلافي، والشهيد الزبيري فبادرهم بالقول: “لقد بذلنا كل ما نملك من جهد وعمر ومال من نحو 25 عاماً لنؤسس تنظيماً يقوم بمهمة تغيير أوضاعنا في اليمن إلى حال سليم وفاضل، وتقلبنا من مكان إلى آخر، فأسسنا جمعية الأمر بالمعروف ثم حزب الأحرار فالجمعية اليمنية الكبرى ثم الاتحاد اليمني، وها أنتم ترون ما صار إليه حال الاتحاد اليمني من انقسام وتنازع وصراع بعد أن تمكن الظالمون والمستبدون في اليمن وخارجها من غزوه والتغلغل فيه بزرع عناصر تعمل لصالح الإمام، وتقوم بتخريب كل جهد للمخلصين فيه بنشر الإشاعات ونسج الاتهامات ضدهم، وآمنت أن استئناف العمل للتغيير يبدأ من الصفر، وها أنا سأبدأ الآن من الصفر”.
كثف الزبيري لقاءاته بالطلاب اليمنيين بمختلف مشاربهم الفكرية والسياسية. ويروي بعض هؤلاء الطلاب من أعضاء كتلة العمل الطلابي في مجموعة الحياد أن جدلاً ونقاشاً واسعا جرى في أوساطهم حول الموقف من الزبيري والعرض عليه ليكون قائداً لمجموعتهم ومشرفاً عاماً لأنشطتهم. وكانوا يرصدون تحركات واسعة لعناصر طلابية بعثية لكسب الزبيري إلى صفوفهم واتخاذه واجهة لنشاطهم. وتحمس عبدالمجيد الزنداني، وعبده محمد المخلافي، وآخرون لفكرة مكاشفة الشهيد الزبيري بأمر نشاطهم السري، ودعوته لأن يكون قائداً للمجموعة. وعارض الفكرة عبد اللطيف الشيباني لأسباب كثيرة من بينها أن الرجل واجهة اجتماعية معروفة، وتحركاته مرصودة، وله علاقات واسعة مع أركان النظام المصري المعادي لأي توجه حركي إسلامي وخاصة ذي التوجه الإخواني، غير أن رأي الطلاب الإسلاميين استقر على ضرورة إنفاذ الفكرة والاجتماع بالزبيري وعرض أمرهم عليه.
 التقت نخبة من طلاب “كتلة العمل الطلابي”، من بينهم: عبدالمجيد الزنداني، وعبده محمد المخلافي، وعبد اللطيف الشيباني، وآخرون، في منزل أحمد الويسي مطلع عام 1962 وحضر الشهيد الزبيري اللقاء، وفاتحوه بأمرهم وعرضوا عليه قيادة نشاطهم. وجرى حوار طويل حول العمل الطلابي الإسلامي في أوساط اليمنيين في مصر وأهدافه وطبيعته ووسائله. وقد كان الطلاب يعرضون عليه أفكاراً وتصورات غير مكتوبة، واكتفوا بتأكيد جملة تصورات تتركز في أن نشاطهم ينحصر في الحفاظ على الهوية الإسلامية لدى الطالب اليمني القادم إلى مصر الذي يتعرض لموجة شبهات يقذفها الماركسيون تستهدف زعزعة يقينه وإيمانه بصلاحية الإسلام كعقيدة وشريعة في مواجهة تحديات العصر، وحماية الطالب من مؤثرات الشهوات التي تستهدف تدمير المنظومة الأخلاقية لديه، وتدفعه إلى الانحلال من الالتزام تجاه واجباته الشرعية مثل الصلاة والصيام، والتحلي بمكارم الأخلاق، والابتعاد عن شللية رفاق السوء، وجلسات الخمر والمراقص وغيرها من الأماكن التي تروج للرذيلة، وغرس وتنمية الانتماء الوطني وفق التصور الإسلامي، وتعبئة الطلاب لمقاومة الاستبداد في شمال الوطن والاستعمار في جنوبه، واجتثاثهما، بعد تحقيق قانون: “إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”، ومن خلال إيجاد قاعدة طلابية عريضة وواعية لمخاطر التحدي الذي يواجه شعبها، ومدركة أهمية تحقيق حصانة عقائدية تمنعها من الانزلاق في مهاوي إغراءات اتباع وأنصار الإمام، أو عملاء الاستعمار، وتعصمها من الانبهار بالثقافة الشعاراتية المضللة التي تروجها تيارات أخرى في الساحة الطلابية مرتبطة في معظمها بأجهزة استخباراتية لدول عربية أو أجنبية.
 لم يكن الطلاب يمتلكون بعد كل أدوات البناء التنظيمي والحزبي، عدا حماسهم للإسلام وغيرتهم على عقيدتهم التي تدفعهم لأن يؤكدوا في طرحهم على البعد العقائدي الإيماني والأخلاقي، وتجنب الخوض في القضايا السياسية والاجتماعية لحساسية الأوضاع الأمنية في مصر.
 أيد الزبيري، دون تردد، نشاطهم. وعبّر عن مباركته لجهودهم واستعداده لأن يكون واحداً منهم؛ فما عرضوه عليه من أفكار وتصورات حول نشاطهم وطبيعته. وأهدافه، ليس غريبا عن مرجعيته الفكرية وهو الرجل المجاهد على مدى ثلاثة عقود من أجل تحقيق الأهداف ذاتها، وتحمل في سبيلها العنت والأذى من النظام الاستبدادي، ومن التيارات الطلابية اليسارية في القاهرة، واتهامها له بالرجعية والمحافظة والجمود.
 كان عدد الطلاب المجتمعين في بيت أحمد الويسي (17) طالباً، هم كل المنضوين في كتلة العمل الإسلامي الطلابي. بينما كان عدد طلاب مجموعة الحياد بين الأحزاب قد بلغ ثلاثين طالباً عام 1962. وانتهى اللقاء التاريخي إلى إعلان الزبيري اقتناعه بأهدافهم ونشاطهم، ونصحهم بالكتمان والسرية في عملهم ومراعاة الحيطة والحذر في تحركاتهم ريثما تنفرج الأوضاع الأمنية في مصر. ولما أجمع ال17 طالباً على اختياره أميرا لهم، طلب منهم أن لا يخرج ذلك عن نطاق الموجودين في تلك الغرفة.
كرر الزبيري على مسامع الطلاب في ذلك اللقاء خلاصة تجربته في العمل الوطني وما أفضى إليه وضع الاتحاد اليمني وخطورة الارتباط بالسلطات والأنظمة القائمة. وتحدث إليهم عن مستجدات الأوضاع وتداعيات الصراع السياسي بين نظام القاهرة مع الإمام أحمد. صارحهم برفضه إدارة الاتحاد اليمني بريموت كنترول من النظام في مصر؛ فكلما كانت العلاقة بين الأخير وبين الإمام جيدة يجمد نشاط الاتحاد ويشل فاعليته، وكلما ساءت هذه العلاقة تعاد إليه الحياة، وتضخ إلى هياكله الإمكانات والمساعدات. لكنه لم يخف رؤية سياسية ثاقبة من كل هذه التداعيات، واعتبر أنهم أصحاب قضية، وهم في حالة اضطرار وضرورة يتوجب عليهم الاستفادة من كل الظروف لخدمة قضيتهم، من دون التفريط باستقلاليتهم وسيادة قرارهم الوطني، وعدم السماح لأي جهة غير يمنية بتحديد ورسم مستقبلهم.
وبالفعل أصبح الشهيد الزبيري منذ ذلك الوقت حريصا على إرسال أي طالب جديد يتصل به إلى شباب الكتلة الطلابية.
لقد رأى في المجموعة جدارة في التصدي لمشكلات مجتمعهم سواء في “صنعاء” أم في “عدن”، على اعتبار أنهم جمعوا خصائص تمنحهم مساحة واسعة للتحرك بحرية، لعل من أهمها أنهم يحملون تصوراً إسلامياً أصيلاً ينبثق من الهوية الحضارية لشعبهم، كما أنهم مسكونون بالهم الوطني الواحد، وفي إطار دائرة قومية عروبية لا تنفك عن الأفق الوطني أو تتصادم مع منطلقاته.
 

 
***
 
 
 
 
3 – الطليعة العربية
 
 
 
– عملية البناء والتكوين للنواة الإسلامية داخل مجموعة الحياد التي بادر عبد المجيد الزنداني إلى طرحها على إخوانه بعد انسحابه من حركة القوميين العرب نهاية 1958 اتسمت بالتجريبية، وارتكزت الجهود في البناء على النزعة الاجتهادية لدى النخبة الأولى وخاصة عبد المجيد الزنداني، وعبده محمد المخلافي
 
– يبدو أن الأجهزة المصرية كانت قد توصلت إلى قناعة راسخة بعدم اعتمادها على الزبيري لتاريخه الحركي الإسلامي، ولعاطفته تجاه أي توجه إسلامي يمتّ إلى حركة الإخوان المسلمين بصلة، ولشعوره بأهمية إيجاد عناصر خالصة الولاء لأجهزتها تضع فيها ثقتها الكاملة لتنفيذ سياساتها الإقليمية في المنطقة لاسيما أن الوطن العربي كان يشهد إبان تلك الفترة انقساماً حاداً بين معسكري القاهرة والرياض.
 

“يمن – عروبة – إسلام ” شعار يتجاوز أزمة
دار نقاش طويل بينهم حول الشعار الأنسب للعمل الإسلامي بين الطلاب، ورأى الشهيد الزبيري أن يرفعوا شعاراً لا يحمل أيديولوجية تستفز بقية التيارات الحزبية ولا تحرض عليهم الأجهزة الاستخبارية المصرية، وأن تكون عناصره أو مكوناته قطب تجميع للطلاب الذين تزايدت أعدادهم، و أن تكون مفردات الشعار قريبة من اهتمامهم وأفهامهم إضافة إلى تميزه عن بقية الشعارات المطروحة في الساحة الطلابية والمستجلبة من خارج الوسط الطلابي اليمني، واعتبر الشهيد الزبيري أن رفع شعار “يمن، عروبة، إسلام” سيمكنهم من اجتذاب معظم الطلاب إليهم، ويسمح لهم بالانطلاق لعمل إسلامي وطني أرحب مستقبلاً.اقتنع الطلاب الإسلاميون بالشعار “يمن، عروبة، إسلام” ليعبر عن طبيعة تجمعهم، ويجسد حقيقة تحركهم ضمن دائرتين جغرافيتين، ودائرة عقائدية أكبر تستوعبهما، ذلك أن جزئية “يمن” في الشعار الثلاثي يعبر عن البعد الوطني للتجمع الطلابي، ويتجاوز في الوقت ذاته إشكالية “جنوب وشمالـ” المطروحة في الساحة اليمنية -آنذاك- وانعكست على الوسط الطلابي في القاهرة سلبا منذ تأسيس الحركة الطلابية فيها عام 1956م، وتعالت أصوات تدعو إلى وضع حواجز بين الشطرين على اعتبار أن ثمة يمنين موجودين على أرض الواقع، لا بد من مراعاتهما، والتعامل معهما كحقيقة!!
وتشير اختيار وضع “يمن” في أول الشعار الثلاثي إلى ما كان يشغل بال رواد العمل الطلابي الإسلامي من مواءمة البعد الوطني مع البعد القومي في ظروف سياسية أعلت من شأن البعد الثاني، ورأت فيمن يقدمه على البعد الوطني ملتزما بهوية الصراع مع الأعداء التاريخيين للأمة، ورافضا للنزعات القطرية التفتيتية، ومن ثم فهو من المعسكر المعادي للاستعمار والرجعية، ورأينا كيف كانت ثنائية “اليمن أم العروبة” من أسباب انسحاب الزنداني من حركة القوميين العرب إلى جانب أسباب عقائدية لها ارتباط بالالتزام الإسلامي بالنسبة لأعضاء الحركة.
واعتماد عبارة “يمن” في الشعار الثلاثي، بصيغة النكرة غير المعرفة، دائرة أولى لتحرك مجموعة الحياد بين الأحزاب وكتلة العمل الطلابي الإسلامي داخلها، ربما للدلالة على استغراقها للبقعة الجغرافية التي كان يطلق عليها بـ”اليمن” وهي شمال اليمن المحكومة بالنظام الإمامي إضافة إلى البقعة الجغرافية الأخرى الرازحة تحت حكم الاستعمار البريطاني، وتعاني من تشرذمها بين عدن المستعمرة، والمحميات الشرقية والمحميات الغربية والسلطنات والمشيخات التي سعى الاحتلال نهاية الخمسينيات لتجميعها في إطار اتحاد الجنوب العربي، وهي صيغة أطلقها عليها طمساً للهوية اليمنية للجنوب المحتل، وتهرباً من استحقاقات ما بعد الاستقلال والمتمثلة أساساً في إعادة اللُّحمة اليمنية وإقامة الدولة الواحدة على أرض اليمن الطبيعية.كانت المفردتان “اليمن” و”الجنوب العربي” تثيران جدلاً واختلافاً كبيرين في أوساط القوى والأحزاب والحركات الطلابية والعمالية داخل الوطن وخارجه، بيد أن طلاب العمل الإسلامي – منذ البداية- حسموا المسألة بتجاوزهم لها من خلال اعتبارهم الأرض اليمنية الطبيعية تلك التي تضم الجنوب والشمال وهي الدائرة الوطنية الأولى لمجال تحركهم وقاعدة لنشاطهم.
 أما “عروبة” فهي دائرة أوسع من الأولى، وتشير إلى الأفق القومي لدى الطلاب الإسلاميين الطامحين لتأسيس حركة إسلامية تخرج من عنق زجاجة الصراع العروبي الإسلامي المفتعل في تلك المرحلة من التاريخ على خلفية الغلو العلماني للفكرة القومية وسلخها من هويتها الحضارية الإسلامية.
لم يعرف الطلاب الإسلاميون في تلك الفترة الخصومة بين العروبة والإسلام، فمنذ البدء التزموا العروبة كإطار جغرافي انطلقت منه العقيدة الإسلامية رسالة سامية تجوب الآفاق، وتنشر خيرها على البشرية جمعاء، اعتمدت “اللغة العربية” أداة تواصل حضاري، وناقل دلالي رمزي لمنظومة القيم والأفكار الإسلامية التي بشر بها الصحابة والتابعون منذ البعثة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام وحتى اليوم.
ويرى الزبيري أن “فكرة العروبة لم يعتنقها أحرار اليمن، وهو على رأسهم، عن طريق التقليد، ولم تلهمهم إياها عوامل طارئة، إنما هي فكرة استوحوها من فطرة الشعب اليمني الذي يحس إحساساً فطرياً وراثياً أصيلاً بأنه جزء من الأمة العربية، وهذا لأن الثقافة الغربية لم تكن قد سممت روحه وبذرت فيه الشعور بالإقليمية الضيقة، وإننا لنجد الفرد اليمني العادي يشعر بالاشمئزاز حينما يواجه لأول مرة الحواجز التي تحجزه عن البلاد العربية أو تجعله يعامل معاملة الأجنبي في أي بلد عربي”.
أما المكون الثالث للشعار “إسلام” فيشير إلى الدائرة الأرحب التي تضم المكونين السابقين ويستوعب الجغرافيا، والثقافة، ويضيف إليه العقيدة، ويحدد منذ البدء الهوية الفكرية، للكتلة الطلابية داخل مجموعة الحياد، ويقطع بصورة حاسمة الموقف تجاه كل الدعوات والأيديولوجيات التي تقدم نفسها كبديل للإسلام الدين الخاتم، والتبشير به عقيدة وشريعة ومنهاج حياة.
والتأكيد هنا على هذا العنصر/ المكون للشعار في غاية الأهمية من ناحية اعتماد التكتلات والتجمعات اليسارية والقومية السائدة في تلك المرحلة من التاريخ قي شعاراتها مفردات خلت تماماً من البعد العقائدي الإسلامي، بل ذهب بعض رموز تلك التيارات والتوجهات بعيداً بزعمهم أن الإسلام ليس عنصر توحيد للأمة العربية، إن لم يكن مصدر تفريق وتشتيت!!! وهو زعم يردد أطروحات حركات الإحياء في أوروبا المتمردة على رجعية الكنيسة، واستبداد البابوات وإرهاب الأكليروس.
قطعت الكتلة الطلابية الإسلامية داخل مجموعة الحياد بين الأحزاب شوطاً متقدماً باتجاه بلورة حركة إسلامية طلابية خارج الوطن لكنها مدت ببصرها إلى داخل اليمن، شمالاً وجنوباً، وتواضعت في شعاراتها بعدم تجاهلها للمسألة الوطنية، بما فيها من تعقيدات ومشكلات مركبة، كما لم تعلُ من شأن البُعد القومي وتضعه في أولى أوليات شعارها العملي، بل رأت أن حركة الواقع الوطني اليمني لا تسير في اتجاه مغاير أو مضاد أو منفرد عن الخط العام لحركة الأمة العربية، وراعت خصوصية واقعها الوطني اليمني، الذي يسير في مرحلة متخلفة عن الخط القومي، ولربما مرت شعوب الأمة العربية كلها أو بعضها بمثل هذه المرحلة وجاهدت لاجتيازها وتحت الظروف نفسها أو ظروف مشابهة مستخدمة الأسلوب نفسه وربما لم تمر.
 والتركيز على أولوية المسألة الوطنية اليمنية في شعار الكتلة الطلابية، وهي النواة الأولى للحركة الإسلامية الطلابية، ومن ثم الحركة الإسلامية تنبيهاً لبقية عناصر التيارات الطلابية الأخرى التي وقعت ضحية شطحات وتهويمات منظري تياراتهم من أقطار عربية أخرى ممن فلسفوا وحللوا المشكلات اليمنية وفق منظور تجاوز الواقع اليمني، وحلّق بعيداً عنه.
كان الزبيري، وهو يرشد أبناءه الطلاب في الكتلة الإسلامية داخل مجموعة الحياد بين الأحزاب إلى اعتماد شعار “يمن، عروبة، إسلام” يدرك “أن دراسة الواقع اليمني، ومحاولة وضع الحلول لمشاكله، والتصحيح لأخطائه، والعمل على اجتثاث مفاسده، وعلاج أمراضه، والتغيير للعادات والجوانب السلبية السيئة فيه، والتطوير للعادات والجوانب الإيجابية لديه، هذا كله يجب أن ينبثق من الواقع اليمني انبثاقاٍ طبيعياً، وأن ينتزع من الواقع نفسه، بتفكير وفهم ثوري، وبتحليل ودراسة ثورية، وبتشخيص ووصف للعلاج ثوريين، وبغير هذا لن نكون إلا كالقابضين على الهباء، والكاتبين على صفحة الماء، ولذلك كان يشدد على إنقاذ هؤلاء الرواد من أسر النظرة (الاستعلائية) التي تطل على المجتمع من علٍ، فلا ترى إلا كما لا تفهم كيفيته، وكلاً لا تتعرف على جزئياته، وكياناً عاماً لا تعلم مواده ولبناته، وأن تتحرر أيضاً من هيمنة النظرة (المستوحاة) التي لا تضع في اعتبارها من طبيعة الواقع اليمني إلا القسمات الرئيسية لشخصيته الكلية وارتباطاته التاريخية العامة، فلا تتجاوز هذه النظرة سطح الواقع الظاهر إلى أعماقه البعيدة، فتكون غريبة إلى حد ما عن هذا الواقع، وتجنح إلى الشطحات السطحية التي تتجاوز هذا الواقع، وترتفع أو تترفع عنه، وتتجنب أيضاً النظرة (الموحاة) التي تمر أولاً من خلال منظار لم يُصنع من ذرات الواقع ولا اشتق من مادته نفسها، وهيولاه، بل هو هو منظار إجباري نتيجة للإلزام أو الالتزام مما يؤدي إلى ارتداد النظر عن الواقع، والتحليق بعيداً في متاهات وعموميات غائمة، إضافة إلى أن ثمة نظرة أخرى تقيد حركة النخبة اليمنية.
وحرص الزبيري على تنبيه النواة الإسلامية داخل كتلة الحياد، وهي النظرة (المشدودة) على الدوام إلى الخلف، تلك النظرة الانتكاسية التي تؤدي – إذا ما هي اتخذت خطاً ملتزماً- إلى الحياة في الماضي، والانجذاب إلى واقع غير الواقع الحالي الملموس”.
ورأت الكتلة الطلابية داخل مجموعة الحياة في اعتماد (الإسلام) كمكون خاتم لشعارها الثلاثي الأبعاد إعلاناً لجميع التيارات الطلابية الحزبية اليمنية العاملة في الساحة المصرية عن هويتها العقائدية، واعتزازها بها في زمن قلّ المعتزون بالإسلام، وتواروا خلف الجدران والمعتقلات يلقون العذاب والهوان على يد الأجهزة الأمنية للأنظمة العربية المخدوعة ببريق شعارات التحديث والعصرنة والتقدمية.
شدد الزبيري على أن الإسلام هو الوحيد القادر على إعادة بلورة وتشكيل الشخصية اليمنية بعد انتكاس حضارتها، وتدهور أوضاعها، وانحراف مسارها، فالإسلام هو “الرسالة السماوية الخالدة التي أرسل الله بها محمداً صلى الله عليه وسلم لكي يخرج البشرية من الضلال إلى الهدى، ولكي ينتشل الناس بها من ظلام الباطل والظلم والبغضاء إلى نور الحق والعدل والحب، وهو العقيدة الإلهية المنزهة عن الخطأ والباطل، يمثلها من جانب كتاب الله القويم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ويمثلها من جانب آخر السنة الصحيحة لرسول الله الأمين صلى الله عليه وسلم الذي اصطفاه ربه دون العالمين، عصمه عن الخطأ والزلل، ونزهة عن الريب والضلال، كما أن الإسلام هو المبادئ الإنسانية العميقة الصادقة التي تفسر للإنسان ذاته ونفسه ووجوده وتشرح له واقعه الذي يعيش فيه، وعالمه المحيط به، بل وكونه العظيم الذي لا تمثل أرضه إلا ذرة في كيانه اللانهائي العجيب، والتي تجيب عن كل تساؤلاته المتطلعة إلى المعرفة الكاملة، وتجدد لبني البشر رسالتهم في أرضهم وعالمهم الزائل البائد، وتبين لهم مصيرهم في عالم الغد الأزلي الخالد، والإسلام دستور الحياة المقدس، وقانون الوجود الكامل، وشريعة الخير والعدل والمساواة الشاملة، فقانونها السماوي المحكم لا يدع صغيرة ولا كبيرة في حياة الناس إلا وقدّم لها الحل الأمثل، ووضع لها النظام الأفضل، وشريعتها تناولت الحياة الإنسانية من كل جوانبها، ففي الجانب السياسي تقدم نظرية كاملة ودقيقة تشرح نظام الحكم الإسلامي العادل وتحدد للشعوب حقوقها وواجباتها السياسية المشروعة، وفي الجانب الاقتصادي تقدم للناس الوضع الاقتصادي العادل الذي تتحقق فيه العدالة الاجتماعية الكاملة والذي يقضي على الفقر والحاجة وعلى الظلم والاستغلال الذي يلغي الفوارق الطبقية والتفاوت الاجتماعي بين فئات الشعب بأسلم الوسائل وخير الأساليب.
وفي الجانب الاجتماعي والأخلاقي تقيم في المجتمعات الإنسانية علاقات التكافل والتعاون الاجتماعي، وتزرع في قلوب الناس بذور الحب والتفاهم والصدق والوفاء والإخاء، وتغرس بينهم الأخلاق الإسلامية الكريمة السامية، والمثل الإلهية القويمة الفاضلة”.
ذلك محتوى شعار أول نواة إسلامية حركية يمنية تبلورت فيما بعد لتشكل الحركة الإسلامية الذي يترسم التجمع اليمني للإصلاح اليوم خطاها ويقتفي نهجها في إطار متحرك يراعي المتغيرات والمستجدات، ويستوعبها دون تنازل عن محاور الثبات في حركته.
 
ميلاد حركة الطليعة العربية الإسلامية
ظل الطلاب الإسلاميون يمارسون نشاطهم العلني تحت غطاء مجموعة “الحياد بين الأحزابـ” منذ قرارهم خوض انتخابات رابطة طلبة اليمن الطبيعية في أيلول(سبتمبر) 1961، كتعبير عن تميزهم الفكري والسياسي عن بقية التيارات الطلابية اليمنية الملتزمة بالأحزاب القومية “البعث وحركة القوميين العربـ” والأحزاب الماركسية المهيمنة على الساحة الطلابية العربية عموم واليمنية على وجه أخص مستفيدة من الظروف الإقليمية والدولية آنذاك واشتداد المنافسة بين المعسكرين (الاشتراكي والرأسمالي) في استقطاب الأقطار العربية ونخبها السياسية والفكرية.
امتلكت التيارات القومية واليسارية النشطة في الوسط الطلابي بالقاهرة، أدوات حزبية متكاملة، وإمكانات هائلة، وشخصيات تاريخية تتحرك بحرية، ومدعومة من قوى إقليمية ودولية ذات ثقل سياسي، وتأثير كبير على صناع القرار في المنطقة العربية، وفي مصر على وجه الخصوص، بينما كان الطلاب الإسلاميون الذين اختاروا واجهة (الحياد)، ودأبوا منذ نهاية عام 1961 ومطلع 1962 على بلورة نواة تؤهلها لكي تصبح قاعدة صلبة للحركة الإسلامية المنشودة.
 كان هؤلاء لا يمتلكون رصيداً كافياً يجعلهم قادرين على تكوين تنظيم إسلامي حركي منافس أثناء تلك الفترة لاسيما أن معظمهم، إن لم يكن كلهم – وهم النواة المؤسسة فيما بعد للحركة الإسلامية اليمنية، الإخوان المسلمين- لم تتجاوز أعمارهم مطلع عام 1960 العشرينات، كما أنهم كانوا يعيشون في مصر أوضاعاً أمنية بالغة القسوة، والشخصيات الإسلامية الحركية المجربة في جماعة الإخوان المسلمين المصرية معتقلون في السجون الناصرية، وبالتالي فإن عملية البناء والتكوين للنواة الإسلامية داخل مجموعة الحياد التي بادر عبد المجيد الزنداني إلى طرحها على إخوانه بعد انسحابه من حركة القوميين العرب نهاية 1958 اتسمت بالتجريبية، وارتكزت الجهود في البناء على النزعة الاجتهادية لدى النخبة الأولى وخاصة عبد المجيد الزنداني، وعبده محمد المخلافي اللذين التقيا على هدف واحد مشترك يتمثل في إنقاذ زملائهم الطلاب من دوامة الصراع الحربي والعنف الدامي بين التيارات القومية فيما بينها من جهة، وبينها وبين قوى اليسار من جهة أخرى، وتقديم اتجاه آخر مغاير لما هو سائد في الساحة الطلابية لكنه أصيل في وجدان وفكر الطالب اليمني القادم من وطنه المجزأ بين شطر مختل وشطر آخر محتل. بكلمة؛ كانت ثمة محددات تؤثر على عملية تشكيل مجموعة الحياد بين الأحزاب أولاً،ثم بلورة كتلة نواة طلابية يتوافر فيها شروط محددة تجعلها مؤهلة لأن تصبح قاعدة لتنظيم حركي إسلامي وأهم هذه المحددات، الخبرة التنظيمية المحدودة بسبب صغر عمر المؤسسين؛ إذ لم يتجاوز أكبرهم الأربع والعشرين عاماً، ولغياب الشخصيات التاريخية في وسطهم، مع استثناء حالة متقدمة عندما بادروا بعرض مشروعهم على الشهيد محمد محمود الزبيري الذي أيدهم وشجعهم على المضي في إنجازه، ووافق، فيما بعد، أن يكون قائداً لهم دون إعلان، لكن من يعرف الزبيري ونمط تفكيره، وظروفه السياسية وموقعه في خريطة القضية اليمنية، وشخصيته الجامعة يوقن صعوبة تفريغه كل جهده للنشاط الطلابي الإسلامي في القاهرة، وإن كان من الثابت، وبحسب شهادة من عاصروا تلك المرحلة التاريخية من مؤسسي الحركة الإسلامية اليمنية، قد أعطى جزءاً مهماً من وقته ونشاطه لترشيد مسار أبنائه الناشطين الإسلاميين في إطار مجموعة الحياد بين الأحزاب منذ أواسط 1961، ثم تزايد اهتمامه بهم نهاية 1961 وبداية عام 1962، عندما انصرف النظام المصري عن التعامل مع الرموز التاريخية لحركة الأحرار الوطنية بقيادة الزبيري والنعمان ومحاولة سحب كل القوى والشخصيات المناوئة للسلطة الأمامية إلى يد أجهزته مباشرة، ريثما يجد أنسب شخصية يمنية مطواعة تتعامل مع القضية اليمنية من خلالها، وتكون واجهتها أو يدها الوحيدة التي تمسك بكل الخيوط باسمها، ووجدت الدكتور عبد الرحمن البيضاني، على ضوء تزكية أنور السادات. ويبدو أن النظام المصري اقتنع بعدم كفاءة الزبيري والنعمان للعب دور الوكيل في اليمن، رغم مطالبة الرئيس جمال عبد الناصر، إبان الحملة الصحفية المتبادلة بين القاهرة وصنعاء نهاية عام 1961 على خلفية القصيدة الشهيرة، كل الشخصيات والقوى الوطنية اليمنية لتوحيد مواقفها وتنسيق نشاطها لإسقاط نظام الإمام أحمد، واجتماع أمين هويدي ضابط الاستخبارات العامة المصرية حينها، وهمزة الوصل بين الرئيس عبد الناصر والأحرار اليمنيين المقيمين في مصر، وطلب منهم باسم الرئيس المصري العمل معاً في جبهة واحدة ضد الإمامة والاستعمار، ووعدهم بتقديم كل مساعدة ودعم لازم لإنجاح نشاطهم. بيد أن القاهرة سرعان ما تخلت عن اتفاقها ورمت بثقلها على الدكتور البيضاني لوحده، وأفسحت أمامه وسائل إعلامها، وخاصة إذاعة صوت العرب، وسعت لفرضه وصياً على الحركة الوطنية اليمنية، واختارته ليكون بمثابة جسر يصل أي جهة أو شخصية يمنية بالنظام المصري.
 وبدأت المخابرات المصرية والأجهزة الأمنية تكثف ضغوطها على الزبيري لاسيما عندما طلبت منه ومن بقية الأحرار في القاهرة إصدار بيان تأييد لتولي البدر قيادة البلاد في 19 أيلول (سبتمبر) 1962 خلفاً لوالده الإمام أحمد، وهو الطلب الذي رفضه الزبيري بقوة و حاول أن يفهم من المسؤولين المصريين لجوءهم إلى هذا الموقف الغامض، لكنهم أبلغوه أنها سياسة الحكومة، وبالتالي فهي لن تغير سياستها، عندئذ حدد الزبيري موقفه من هذا التغيير السياسي المصري المفاجئ، وقال: “كيف أؤيد من قضيت عمري في معاداة نهج حكمه؟!” ورفض الطلب ما أدى إلى اتساع الفجوة في علاقته بالنظام المصري واضطر لإبلاغهم أن لاشيء بينه وبين الحكومة المصرية يلزمه بذلك وقال: “إذا لم تقبلوني حراً في بلدكم فسأرحل فوراً”. وعزم الخروج من مصر إلى السودان.
 ويبدو أن الأجهزة المصرية كانت قد توصلت إلى قناعة راسخة بعدم اعتمادها على الزبيري لتاريخه الحركي الإسلامي، ولعاطفته تجاه أي توجه إسلامي يمتّ إلى حركة الإخوان المسلمين بصلة، ولشعوره بأهمية إيجاد عناصر خالصة الولاء لأجهزتها تضع فيها ثقتها الكاملة لتنفيذ سياساتها الإقليمية في المنطقة لاسيما أن الوطن العربي كان يشهد إبان تلك الفترة انقساماً حاداً بين معسكري القاهرة والرياض.
في ظل هذه التطورات استمر الطلاب الإسلاميون في نشاطهم التكويني والتربوي وفق اجتهاداتهم الشخصية وعلى ضوء قراءتهم للكتب التي ظهرت خلال تلك الفترة وأبرزها كتب الشهيد سيد قطب وشقيقه محمد قطب مثل في ظلال القرآن، وشبهات حول الإسلام ودراسات في النفس الإنسانية، ومؤلفات المودودي والندوي ورسائل الإمام الشهيد حسن البنا، والبهي الخولي وسيد سابق وغيرهم.
برز العمل التربوي والحركي الإسلامي بصورته المتواضعة في أوساط النواة الأولى للحركة الإسلامية اليمنية من حلال موقعين:
الأول في منطقة “المنيلـ” بالقاهرة حيث تشكلت أسرة تمهيدية مفتوحة على كل سكان “شقة المنيلـ” يقودها عبد المجيد الزنداني وتتلقى نشاطها الإيماني والثقافي من خلال إقامة العبادات الجماعية وقراءة الكتب الدينية والثقافية والرحلات.
الثاني مدينة البعوث الإسلامية، وتجلى العمل الحركي والثقافي والتربوي الإسلامي في السكن الطلابي الذي ضم مختلف الجنسيات من بينهم اليمنيون الدارسون بجامعة الأزهر ومعاهدها، وفي هذا المكان تكونت أسرة من طلاب الأزهر يقودها عبده محمد المخلافي.
 

* أثناء إعداد الصحيفة ملف عن مؤتمر التجمع اليمني للإصلاح، الشهر الفائت، ألحت أسرة «النداء» على الزميل القدير سعيد ثابت بأن يتفضل بمنح الصحيفة أجزاء من مشروع كتابه تتعلق بخلفية تأسيس تنظيم «الإخوان المسلمون» في اليمن، وذلك لغرض توفير نافذة للقارئ ليشرف على المصادر الينبوعية للتجمع اليمني للإصلاح.
 وقد تكرم سعيد ثابت بتزويد الصحيفة بمقدمة مشروع الكتاب والفصل الأول منه، ولاعتبارات محض صحفية إرتأت الصحيفة نشر الفصل الأول على 3 حلقات، غافلة المقدمة التي تعرض لصلات فكرية وتنظيمية نسجتها حركة الأخوان المسلمين في مصر، مع اليمن ومع شخصيات يمنية منذ نهاية الثلاثينات من القرن ال20. علاوة على التفاهم مع الزميل على إحداث تعديلات تحريرية على مسودة الفصل الأول لاعتبارات فنية صرفة فرضت نشر الحلقات دون الهوامش التي يحيل إليها الكاتب.
 و«النداء» إذْ تعبَّر عن امتنانها لسعيد ثابت، الذي وافق على منحها حق نشر مقتطفات من كتابه، وحق التصرف في نشرها، تستسمح القارئ العذر جراء اجتهادها في نشر المادة منقوصة دون هوامشها.
 
 
 
– يحظر إعادة نشر أو نسخ أو إقتباس أي جزء من هذه المادة إلا بإذن من الصحيفة.