خارج السجن.. داخل الجسد(1-3) – منصور راجح*

خارج السجن.. داخل الجسد(1-3) – منصور راجح*

1

وأخيراً، هاأنت تغادر سجنك، تنتفض فيتطاير غبار القمع العالق فيك، تجفل وتنسى أنك تغادر السجن. لم تعد تتذكر كم قبعت فيه، كم أُهنتَ، كم تألمت، كم تشككت بأن ثمة فرحة، ثمة ما يسر في وطن اتسع لكل شيء وضاق حول عنقك حتى كاد أن ينتحر فيك أو ينحرك.
 تسأل نفسك: أوطن هذا أم حبل مشنقة؟ ولا تريد أن تعكر لحظة إطلاق سراحك بالإجابة على السؤال. توزع ما فاض من أطمارك على من سيبقى وكلك إصغاء إلى صوت وشيك الانبعاث من الميكرفون يناديك للتوجه إلى ال….. منفى، من أين؟ من أين؟ من بوابة السجن الكبيرة تترامى في مثل هكذا لحظة حتى تصير بطول الأمل وعرض الوجع المتوثب فيك في لحظة كهذه. هاهو كيانك كله يختزل إلى رجاء مستحيل أن تقودك الخطى إلى استراحة بين يدي وجه وضَّاء كوجه أمك لولا أن السيف قد سبق العذل والمنفى قد سبق الوطن.
وأخيراً ها أنت تشد الرحال إلى ما ظننته في كثير من الأوقات الماضية مستحيلا خارج أحلام اليقظة أو أوجاع مغريات السقوط. ثمة مكان آمن يلوّح لك الآن، غض كصلصال بين كفيك لتشكله كما تشتهي لكنه يرفض إلا أن يكون كما هو، حقيقة، لو غادرت اللحظة، لحظة الحلم، التي تتمسك بها ولا تريد مغادرتها في حين يطلب منك المنادي أن تتوجه سريعا إلى البوابة، إلى ما كاد أن يتحول في وعيك إلى فيض شعر فحسب. كأن عودتك قد حانت ولم يبق سوى خطوة وتلامس قدماك ألف ميل كانت قبل هذه الخطوة محض جملة في دماغك، وها قد حان وقت تصريف آخر لحظة من لحظات سجنك الطويل إيذانا بميلاد لحظة أخرى عليك في أتونها لم شعثك للخروج بعيداً من الوطن ومن الألف ميل ومن هذه الشهقة التي تعلن باستحياء ميلاد “حريتكـ”.
لن يمر وقت طويل قبل أن تجد نفسك مضطرا للتساؤل:
أثمة حرية؟
 

2

مع كل ابتسامة تقابلك تتحسس محتواك، ثمة جرح قديم جديد زرعته في داخلك أياد صلدة، لم تعد تتذكر كيف ومنذ متى او بطول كم من السنين. وكأن الجرح أصبح عزيزا عليك، تتأمله كأنك تتأمل في حياتك. يأخذك التأمل فيه بعيدا بعيدا. ثمة ما ينتزعك من الاستغراق فيه. عيون تحدق فيك، ببلاهة. هاهم يبتسمون وكأن شيئا لم يكن. تمتم فيما بينك وبين نفسك مع اكتمال الدائرة من حولك. كأنهم ينتزعونك من باطنك. كأنهم ينتشلونك من بئر الذاكرة وجرحك. تتأمل في ابتساماتهم و تتذكر ابتسامة محمد رجاحي، كنت تقول عنها: ابتسامة من النوع الرفيع حتى لو ارتسمت على وجهه بدون مناسبة، كان لا يطول به المقام عادة في أي مكان ومع أي كان قبل أن يستأذن في الانصراف إلى حيث عليه أن يتدبر أموره، هكذا كان يردد دائما قبل الانصراف: “على أن أتدبر أموري”. تدبر الأمر أولى المهام التي حددها لنفسه. كنت لا تراه الا مندهشا من “جريان الأمور على هذا النحو” لا يحدد البتة هذا “النحو”. كأنك به يردد “علي أن أتدبر أمري” وهو يموت.
ثمة جرائد ومجلات وأوراق كثيرة معلقة وصور في كل مكان تجري فيه السيارة. السيارات، عنوان عريض، صورة كبيرة تشد انتباهك.
أريد أن أبول
 ينزلونك من السيارة. ثمة كشك مغطى بالجرائد والصور. العنوان العريض نفسه في واجهاتها، الصورة نفسُها. تقترب. جميعها متشابهه، تحمل العنوان نفسَه، الصورة نفسَها. تقترب من إحداها مكتشفا دون كثير من الجهد كيف أن ضعفا كبيرا قد أصاب نظرك. عليك أن تقترب كثيرا لتقرأ أو لترى…، يغشاك الدوار وتتذكر كيف أنك أمضيت فترة طويلة لا تقرأ – بل – ولا ترى، وتتذكر بأنك جائع، لم تقو على تناول فطورك مؤجلا ذلك إلى وقت لا تدري متى يحل. توشك على السقوط لولا أن أيادي صلدة تحملك عائدة بك إلى السيارة قبل أن تتهالك على مقعدها الخلفي. بنادق على جانبيك، غشاوة سوداء تكاد أن تطيح “بالعالم” بين يديك. تحس بأنفاسك تعود إليك وقد تكومت على مقعد السيارة الخلفي، و تحس بحاجة ملحة لتناول قنينة كوكا كولا. تمتد يد احدهم بقنينة كوكا كولا، كأنهم يقرأون ما يدور في خلدك، تمسح الندى عن الزجاجة وتشكرهم في سرك، ثمة طيبة ما تزال حتى لو كانوا عسكرا، تسري في جسدك رعشة هي مزيج من الانتعاش والحاجة الماسة إلي مغادرة السيارة. تضع القنينة الفارغة على ارض السيارة منتبها إلى أن اشياء كثيرة مرمية على الارض على الرغم من ضرورة عدم تركها كذلك. عيون تحدق فيك يحيط بها السواد. تقفل عائدا إلي ذاكرتك، إلي حيث تعودت أن تنام طوال الفترة الماضية. المكان مشبع برائحة النوم والرطوبة. تجهز نفسك لإغلاق الأبواب قبل أن تنسل تحت الفراش. تتمدد فينهض فضولك، تمتد يداك تلقائيا إلي حيث تزيح الغطاء قليلا عن رأسك. تجيل النظر فيما حولك، تعيد الغطاء وتعيد إغلاق نفسك متذكرا أن عليك أن تحافظ على طاقتك في انتظار اليوم الموعود. تنتفض كمن لسعه قارص من النوع الذي يكثر وجوده في الأماكن الرطبة كهذه السيارة العفنة التي تتكوم في مقعدها الخلفي. تحيط بك البنادق. ستعرف في وقت لا حق أنها السيارة المخصصة لنقل المسجونين إلي ساحة الاعدام. تستيقظ عائدا بسرعة من بئر ذاكرتك كمن يبحث عن شيء افتقده. تتحسس محتواك وسني العذاب وكيف أن عليك أن تبقى حيا. نعم عليك أولا وقبل كل شيء أن تبقى حيا. تفسح الطريق لذاتك لتتجول بخيلاء رثة في سوق العيون التي تحدق فيك. تنتبه مجددا إلى أن ثمة من يحدق فيك، عيون تحس بها كالمخارز تتوجه نحو وجهك. تتذكر عبد الملك، عندما قابلته آخر مرة، لم تعد تتذكر متى. سلم عليك بسرعة وهو يتلفت قبل أن يغادرك بغير استئذان مسرعا بوجل، مرتجفا كهارب من مستشفى كهذا الذي عليك أن تبات ليلتك فيه، وحيدا معزولا وكأن كل وحشة الماضي تتكثف في غرفته الباردة التي عليك أن تغادرها غداً، وتغادر الوطن.

3

تستيقظ باكراً , السابعة والنصف صباحا تقريباً , على غير العادة. الثامن من فبراير 1998م، ما يزال الوقت باكراً على معرفة الإجابة عن السؤال الذي يلح على خاطرك، لا تكشف عنه! صامتاً وبطيئا تتحرك إلى الحمام، تغسل وجهك، تنظف أسنانك بالفرشاة والمعجون، تنتفض مبللا شعرك بيديك – حسب العادة – تمشطه. انه المستشفى وصنعاء مجدداً. تحاول عبثاً أن تأكل دون جدوى. لا تدري أهو جفاف اللقمة أم امتناع حلقك عن بلعها. تحس بتعب ممض. كأنك تخرج للتو من كهف غائر. إنه يومك الأول “خارج” السجن، أو أن هذا ما ينبغي أن يكون. الآن فقط تحس بان السنوات الخمسة عشرة التي قضيتا في السجن ليست قليلة، في كل الأحوال.
كأس شاي ويجيئون ثانية. هاهم قد جاؤوا، مبتسمين لا تدري لأي سبب. وجوه نمطية هذه المرة ببدلات رسمية “كأنهم سفراء” كأنك بالساعة قد بلغت التاسعة، والسيل لم يبلغ بعد الزبى. لكن الطقس يبدو رائعا في الخارج. هذا ما تحس به وهم يأخذونك. ها هي السيارة تتهادى ببطء وسلاسة عكس سيارة الأمس، ومثل الغد كما ستلاحظ، مثلما تلاحظ الآن حجم التناقض بين الطقس والشارع. يبدو الشارع مرعباً. آلاف الناس يجرون مسرعين، كيفما اتفق، على غير هدى. آلاف المركبات من جميع الأنواع والماركات. كأنها ما يتم إنتاجها إلا لكي تتناطح لولا “الحرافة” الملحوظة التي يتميز بها سائقو هذه المدينة، بمن فيهم عبدالعزيز. ها هو ذا يسوق السيارة كأنه يلعب بالصولجان بمثل ما تلعب بك الهواجس، وأنت لا تعرف بالضبط إلى أين تتجه بك السيارة. ثمة بيت أنت فيه على موعد مع “البدلة”. هناك حيث تقابل للمرة الاولى أعزاء عليك داخل بيت منذ اكثر من خمسة عشر سنة. الساعة التاسعة، بعد حوالي الساعة تصل السيارة الى بيت. أخيرا ها أنت تقابل زوجتك داخل منزل. الساعة الحادية عشرة، يجيء إخوتك، وعمك الذي قضى معك ثمان سنوات في نفس المشنقة. ثمة آخرون يجيئون. ما تزال محاطا بالعسكر. ما تزال أسيرا. ساعتان أو أكثر قليلا ويجيء السفراء. يأخذونك على عجل إلى المطار، فالطائرة التي سوف تحملك إلى هناك…

4

إلى الجهاز ثانية، أو أن هذا ما يخيَّلُ إليك. كأن العالم كله قد غدا مجرد “جهاز” في انتظارك. يبدو أنهم سيعيدون التحقيق معك في نفس التهم التي ما انزل الله بها من سلطان، و سيضربونك ضربا مبرحا لا ينجيك من الموت الا اعتقادهم بأنك تحمل أسرارا لا بد أن تأتي يوم تبوح لهم بها، بما في ذلك سر نحولك “المفرط”. سيقولون لك: “نحول مفرط يا بن ال…”، كأنهم لم يلقوا القبض عليك إلا بسبب نحولك المفرط. عارض داء الورق الذي أصابك منذ أن ابتليت بمرض “الكلام” غير ممكن علاجه الا على البارد، وهو مكان أشبه عندك بجنة لم تترك شيئا من الثرثرة، مما يسد الطريق إليها، إلا وقلته، فلم يكن شيء أشد مضاضة عليك من نحافتك إلا نسبة هذه النحافة إلى مؤثرات خارجية تتجلى في الحاكم والضابط والسياسي المعارض وابن قريتك المتطفل على نوايا الناس وأشيائهم “خدودا ومؤخرات”، وحين يتعلق الأمر بك، صفعا ينهمر على خدودك كتحقيق في تهم ما أنزل الله بها من سلطان، ولا يخفف من شدة وقعه إلا كون أشده بسبب خلو جيوبك مما يسر ضباطاً لا ينسون وهم يركلونك بعيدا عن “البلد” أن ينهوا إليك ضرورة أن تكف عن توزيع نحولك المفرط بالتسكع “أينما هب ودبـ”، وكأن عليك فوق النحول والمرض أن تقبع في البيت فلا تبحث عن عمل، وكأن عليك (وهذا البحث عن عمل يوشك أن يتحول إلى عمل تستدين خلاله ما يقيم أودك) أن تتنحى إلى “مجاري” جيش البطالة الجرار في العالم، مثله مثل كل الجرارين: رخيص وسافل اذا قبل من هو مثلك: نحول مفرط أصبح مصدر خجل بعد أن كان مصدر خوف وحساب عسير، لأنه يفضح ما ينهش كيانك من الداخل من احتقانات من قبيل ما تنسبه السلطات إلى مؤثرات أجنبية تستحق عليها وبسببها أن ترمى بمختلف التهم، وتُزَج في مختلف السجون، بغية إلغائك نهائيا من “قوائم الأحياء” وصولا إلى هذا العبء القديم الجديد الذي يجتاحك وأنت تغادر مدفوعا بآثار ركلات التعذيب. تساؤل مفزع عن معنى انكشاف إصابتك بمرض “الهُدار” المرعب لكل الدول الجاهزة دوما لاتهامك بالوقوع تحت تأثير واحدة منها – لا تعرف حتى الآن سر عداء هذه الدول للنحول المفرط إلا أن يكون دليلا كافيا لتوجيه تهم متناسلة، جديدة دائماً، طريفة وجديرة بجبروت السلطة، تهماً تعيد من خلالها بناء ما تريد إعادة بنائه داخلك وما يزيد لترميم ما قد بنته من سجون غير مرئية تلتهم حياة أمثالك من الكلمة “يأخذها الريح” حتى قَرص بعوضة في زنزانة سرية من تلك التي في كل مرة تحال منها إلي المباحث، جسر العبور إلي النيابة والمحكمة، لا يحول بينك وبين أحكامها التي تمشي على قدمين مسلحة بالقباقيب إلا عدم وجود وجه أو “قفا” لرفع “الدعوى الجزائية”، وهذا ما يكلفك عادة شطحة تنهال على رأسك من وكيل النيابة في آخر جلسة تندفع بقوتها مرة أخرى إلى جيش العاطلين عن العمل. تنوء بأورام التعذيب ومرض الكلام الذي لا يزيده السجن والجرجرة كل مرة إلا استفحالاً يجعل فرصة حصولك على عمل –أيا كان مستواه– تتضاءل حتى الصفر، مثل حال الجيوب واليدين، ولا يجدي “شخص” مثلك البحث عما لا يمكن الحصول عليه الا بـ”حق بن هادي(1)”، عدا كونه بحثا عما لا طائل من ورائه. فحتى لو وجدت عملاً فهل يكفيك؟ هل يوفر ما يكفي للمأكل والمشرب والمواصلات والسكن والملبس…، هل يكفي للشاي والقهوة، والصحة و… هب أنك وجدت عملا: هل يكفي لكل ذلك وما خفي أعظم؟ تسأل نفسك!، والحل إذن؟ أن لا تعمل؟ واللاعمل هذا في ذاته عمل؟ ما أحلى التسكع. تتسكع، تجوع، تحس بالظمأ، من اين لك، أتعود إلى قريتك البسيط المتوارية؟ وكم سوف سيواصل هؤلاء المساكين الصرف عليك؟ مشكلة ما أصعب منها إلا العثور على عمل. عمل، بلا عمل، أُف لهذه الأحرف الثلاثة، كم أصبحت مقلقة، إن طلبتها جاءتك ومعها ما لاحصرله من الأمور والمطالب ليس بوسعك رفضها. فهل تجيء إليك أم تذهب إليها. وإن ذهبت فأين تلاقيها وقد سدت جميع منافذ التسلل والتزويغ إلى مخدعها بكل هذا الركام من الباحثين عنها، لا هم لهم الا: عمل، عمل، يارب ياكريم يا الله، عمل. وكأنهم ما وجدوا مناسبة أو فرصة للبحث عن عمل إلا عندما أصبحت أنت بلا عمل. ولنفترض أنك وجدت عملا، فهل سيكفي المخبرين “هات وإلا “، والضباط “هات وإلا” والمشايخ “هات وإلا”، صاحب المطعم، إيجار السكن، المكوجي، حتى هذا المكوجي لا هم له الا “ادفع وإلا”، وإلا ما ذا؟ ها هو قد اعتمر بعمامتك، واتزر بإزارك. ومع ذلك “ادفع وإلا لن يعيد ثيابكـ”. “طز فيه ابن…” أيعتقد بأنك ستمشي عريانا؟ ستلوي طمرا حول عورتك وتمشي، وليقل الناس ما يقولون، المهم أن لا تدفع له، هو الوحيد الذي تستطيع أن تتعارك معه، بل سبه، وهو الوحيد الذي تستطيع الكتابة عنه وقول ما تريد بكل اطمئنان. أنت معه حر، أما من عداه فاحذر أن تنفعل وتغلظ لهم القول. الغ “من عداه” من مخيلتك. ليست الدنيا مش “سايبة” مثلك، لا تستطيع الحصول على عمل. وحتى المكوجي اذا لم تخف، منه على الأقل احترمه، يغسل ثيابك دينا إلى أن تجد عملا، ويقدم لك نفسه لتكتب عنه ما تشاء دون خوف ودون أن تعرض نفسك للسجن والتعذيب. ألا يكفيك هذا منه! “اكنس غلبك عليه”، اكتب علّك تجد من ينشر لك غسيله، لم يعد في البلد غيرهم “الغسّالين” من يمكن نبش غسيلهم الوسخ أو النظيف، كله غسيل، المهم اكتب، فرّج عن كربك. لا تهتم به، اطمئن. المهم أن لا تكتب عن غيره، فغيره قادر على الفتك بك، ثم…. ” ثم تقول لنفسك: وهل الكتابة عمل!”. الكتابة ليست عملا. انهض. قم للبحث عن عمل. خير لك من هذه الثرثرة، ومن أن يقول الناس عنك “بائع لجعه”. الهرولة بحثاً عن عمل والاقتراض للسداد منه حتى وهو ما يزال في علم الغيب أشرف لك.
 وبعد، حتى لو حصلت على عمل، ما الذي سوف تعمل به! نعم، ما الذي سوف تعمل به، الكتابة خير لك. فلتكتب حتى تأكل وتشرب ورق، ورق. إيه، سوف تسدد ديونك لعبده بالورق، وتركب المواصلات بالورق، وتلبس ورقا، وترسل لأمك ورقا تعيش منها. الله يكون بعون الورق، الله يكون بعونها من أجل تحمل ضجرنا كلما زاد فاض إلى الورق. لما ذا لا يفيض فوق من يمنعون عن الناس رزقهم، يحبسونهم، يجلدونهم، يمتصون دماءهم. لماذا لم يحولهم إلى ورق، ورق من نوع آخر، من ذلك الذي يقرأه الناس تاريخا ويزيحون به القلق بعيداً عن حياتهم التي حولها أرق، ورق، كل شيء قد أصبح ورقا. لم نعد ندري ما هي الحياة. “العيد عيد العافية”. قم اكتب إلى السَّرَق. قدّيم لهم طلبا ثانيا للعمل، للمرة لا تدري كم، وهات يا ورق، عمل. ورق. ورق. عمل ورق.ورق. ورق. ورق. عم. ور. ع، و، م، لنفرض أنك حصلت على عرق، أوه، ما هذا العرق، بللت ثيابك وأنت تفترض. لا الشغل جاء ولا فائدة ترجى من الورق. الدنيا خلت من اللحم، ولا يوجد سوى مرق، عرق، مرق. غاض الماء وزاد العطش، يبيعونه بالنقود… سألحس نطفة عمل، ورق، مرق، عمل ورق مرق، ع و م، سباحة، أخوض، في حوض ال…، احسن الركل واضرب بيدي في الهوا، هذا غرق، عرق، غرق، عرق، غرق، غرق، اركل برجلي، واضرب بيدي في الهوا، أركل برجلي في الفراغ، وأضرب بيدي في الهوا، يا لطيف، يالله، يا ساتر، ترتد الأرجل والأيدي تتبعها أيد وأرجل كثيرة، راكلة، آآآآآآه…، ثمة من يطوقك، يكتفك ثم يحملك إلى أمام المحقق. أمامه طن من ورق يقول إنها ملفك، ينظر في عينيك نظرة حادة قبل أن يصيح بملء صوته: هيا، ينهال عليك الملثمون بالضرب. أحدهم يضرب وهو يصيح بأعلى صوته، زعيقاً حاداً متصلاً يكاد أن يمزق طبلات الأذنين، وآخر ينشد بجلجلة: ” بلاده بلاده لك حبه وفؤاده “، وثالث يغني كأنه ينتحب، ورابع يصيح بملء فمه “الله اكبر، الله اكبر”، ولا تستطيع تمييز ما يصدر عن الآخرين من أصوات وصراخ. هوجة ما بعدها هوجة، والمحقق جالس حيث هو يضحك بهستيريا، وأنت لا تملك سوى الأنين والتوجع فقط: أي، أي، بينك وبين نفسك كي لا يسمعون صوت عذابك فتزداد شراستهم المجنونة سحقا لجسدك الذي يتحول في هذه اللحظة إلى أشبه ما يكون بالعجينة بين أقدامهم وعلى أسنة عصيهم المصقولة، واحد يسقط لثامه فيهرب ثم يعود وقد احكم اللثمة جيداً، وآخر ممسك قفاه بشدة وهو ينهال عليك ضربا، وثالث ورابع متأهبون لمنع سقوط الأقنعة. يغمى عليك. تفيق للمرة التي لا تتذكر رقمها، شيئاً من حطام او ما يشبه الحطام. ثمة صوت كأنه قادم من بئر بعيدة: “خذوه”. يحملونك على الاكتاف، يبدأ الهتاف: “بالكف والخد نفديك أبو محمد”، “بالكف والخد” نفديك أبو محمد، لا تستطيع التمييز بالضبط من هو أبو محمد، أنت أم ناجي علوش. تتذكر أن ابنك محمدا لم يولد بعد، سيولد بعد هذا التاريخ بكثير. ينتابك الغضب. تتوثب على أكتافهم. تسقط أو تستيقظ على من ينبهك إلي ضرورة ربط حزام الأمان، فالطائرة على وشك أن تضعك بعيداً عما كُنْتَهُ بمقدار خمسة عشر سنة.

* شاعر يمني – النرويج.
 

هامش:
(1) “حق ابن هادي”: مصطلح شعبي يطلق على الرشوة في اليمن.