صعدة: جيوش برانية من جهاديين ورجال قبائل – جلال الشرعبي

صعدة: جيوش برانية من جهاديين ورجال قبائل – جلال الشرعبي

السلفيون.. جيوش برانية في صعدة
 
تقدم السلطة دعماً سخياً هذه الأيام مصحوباً بحرية في الحركة.. لكن اللافت أن هذه الجماعة أضحت الآن تعد في معسكرات خاصة رسمياً لإشراكها في حرب صعدة..
وحسب مصادر خاصة فإن معسكراً خاصاً بالسلفيين الجهاديين تم تجهيزه في محافظة لحج ويتلقون التدريب اللازم تمهيداً للمشاركة لمساندة القوات الحكومية في مواجهة التمرد الذي يقوده عبدالملك الحوثي في العديد من مديريات صعدة.
غير هذا يجد السلفيون أنفسهم الآن يحظون برعاية رسمية واضحة. وقد جاءت استقبال الرئيس علي عبدالله صالح لجمعية الحكمة اليمانية مؤخراً بهذا الجانب، حيث أثنى عليهم باعتبارهم «زاهدين عن السلطة».
وفي ميدان المعركة بصعدة لا يبدو خافياً إنتشار العديد من السلفيين في «دماج» من أتباع رجل الدين الراحل الشيخ مقبل الوادعي مثلما تبدو الآن عمليات التعبئة الدائرة في محافظة «أبين» تأتي في الإطار ذاته اتساقاً مع توجه عام يستهدف جمع السلفيين في المناطق المختلفة.
جانب من الرعاية الرسمية يمكن قراءته في الاهتمام الإعلامي الرسمي بالسلفيين مؤخراً، وإبراز شخصيات سلفية في الصحافة، والإذاعة، والتلفزيون الرسمي، للقيام بمهمات دعوية خلاصتها إدانة جماعة التمرد في محافظة صعدة وهي مهمة لا تبدو صعبة عليهم إذ تتسق في أغلبها مع قناعاتهم الفكرية.
والحاصل أن ما يجري من اهتمام بالسلفيين بشقيهم: الدعوي والجهادي، ليس جديداً على السلطة التي تجد نفسها الآن أمام معركة وتبرر لنفسها استخدام كل الوسائل المناسبة وغير المناسبة لتحقيق نصر في صعدة.
لكن هذه الاجراءات تخلف وراءها العديد من المخاوف والتبعات الضارة:
أولها أن السلفيين الذين إٌنحصر نشاطهم في الجانب الفقهي والفكري عموماً وظل مسالماً طوال سنوات ماضية، يجد نفسه الآن قد انتقل إلى مربع جديد يتمثل في أنه اصبح يملك السلاح ويخوض معارك في جبال صعدة.
وثانياً: فإن اشتراك السلفيين في المعارك يخلق عداوات مذهبية ليس اليمن بحاجة إليها، وتخلق احتقانات يصعب في المستقبل رتقها..
وثالثاً: إعطاء المواجهات بين ابناء اليمن الواحد صفة التقرب إلى الله كبعد ديني تنطلق منه الحرب يضر المجتمع بأسره مثلما يزعزع ثبات الدولة.. لتصبح الأجواء مهيأة لاستحضار الحديث الفقهي كزاد ينطلق منه المحارب عن قناعة.
لهذا تصبح حتى الحلول السياسية إذا ما تمت بين الدولة وأنصار «الحوثي» وحتى الوصول إلى حلول غير مقنعة لهم باعتبار ما يقاتلون تحت رايته ليس ذا صلة بهذا الجانب.
ورابعاً: ستكون هذه الحرب فرصة لبروز قادة جدد من السلفيين لهم امكانات قتالية وسلاح وحصلوا على التدريب والتأهيل الذي يؤهلهم لخوض حرب عصابات، الأمر الذي يجعلهم خطراً جديد أمام الدولة في المستقبل مثلما سيكون أمامها الفرصة للحصول على المال اللازم ومصالح ستكون من نتائج الحرب ومن الصعب التنازل عنها في المستقبل.
وخامساً: يصبح استخدام هذه الجماعات من قبل السلطة فيما بعد وارداً، ضد تيارات سياسية ومدنية أخرى تعمل طبقاً للقانون وتمارس النشاط تحت مظلة الدستور، إذا استدعت الحاجة لذلك.
وسيكون عليها لزاماً تنفيذ الأوامر ما دامت تريد استمرار مصالحها.
وسادساً: يجد السلفيون أنفسهم الآن، تحت مظلة الرضى الرسمية، أمام فرصة ذهبية لإنشاء وتكوين المدارس الدينية الخاصة، وإزالة التحديات أمام منهجهم التعليمي ومؤسساتهم التعليمية المختلفة التي كانت قد بدأت تواجه التهديدات الرسمية بالإلغاء، خاصة وأن تصريحات إعلامية سابقة جاءت بمثابة شروط من قبل يحيى الحوثي لإيقاف الحرب كانت تشير إلى أحقيتهم بإنشاء الجامعات والمدارس التعليمية الخاصة، بالتوازي مع ما هو متاح للسلفيين.
وهذا يعني جعل المنهج التربوي الرسمي خاصاً بفئة في المجتمع، وتصبح الوظيفة العامة خاضعة لإعتبارات وتوازنات تترهل معها العملية التعليمية برمتها، وتنهي سنوات من العمل في جانب توحيد التعليم.
والراجح أن السلفيين الذين يمارسون الخطابة في المساجد بحرية الآن، ويلقون الإدلال الرسمي الزائد حالياً، ويتجمعون للتدريب لمساندة الجيش النظامي الرسمي، ستعلو نبرة خطابهم وسيجدون أنفسهم الآن أمام فرصة لاستحضار الأحاديث النبوية القريبة إلى مقاصدهم كجزء من زاد المعركة خصوصاً أن استنفارهم جاهز على الدوام وقد وجدوا فرصة سانحة للحصول على مكاسب لترتيب أوضاعهم وإزالة مشاكل عالقة ظلت تواجههم، بالتوازي مع رغبة في مواجهة عدو قديم جديد الإشارة الرسمية اليوم خضراء للقضاء عليه.
والنتيجة أننا نزرع ألغاماً جديدة في طريق المستقبل والمجتمع المدني الذي يجد نفسه يوماً بعد آخر تضيق مساحة حركته مقابل اتساع حركة الاجنحة المسلحة بأشكالها المذهبية والقبلية.

 
***
 
 
جغرافيا معقدة لمعركة بلا ميدان


تزداد صعوبة المعارك في صعدة بسبب الجغرافيا المعقدة.. ويزداد عدد القتلى في ميدان مساحته أكثر من عشرة آلاف كيلو متر مربع.
وحسب آخر المعلومات الواردة من صعدة فإن القتال تجدد في مركز مدينة ضحيان أمس وما زال مستمراً في استماتة واضحة من قبل الحوثيين.. في الوقت الذي يتم الدفع بالآلاف من الجيش والمتطوعين من القبائل للمساندة والمشاركة في هذه الحرب.
واللافت ان السلفيين الجهاديين بدأوا الحرب، حسب المصادر نفسها، إلى جانب الحكومة ضد المتمردين في صعدة بقيادة عبدالملك الحوثي.
وفي هذه الأثناء بدأت عمليات النزوح من المدينة لمئات من السكان هروباً من المواجهات في الوقت الذي بلغت تعزيزات قوات الجيش الرسمي قرابة ثلاثين ألف جندي ومئات المتطوعين من رجال القبائل من محافظتي عمران وأبين وجماعة السلفيين.
وحسب المصادر ذاتها فإن انتقال المعركة إلى وسط المدينة من قبل الحوثيين جاء كإثبات على استمرارهم وصلابتهم وقدرتهم على المواجهة في استبسال واضح تغذيه مرجعية دينية تعتبر الموت طريقاً إلى جنة الخلد.
وهو مايعني بوضوح أن استخدام الدين كمرجعية بات هو الآخر ما يعتمد عليه السلفيون لمواجهة هذه المعتقدات والقتال تحت راية الجهاد الشرعي.
لا يمكن تحديد ميدان المعركة في الحرب الدائرة في صعدة الآن بدقة متناهية لكن الواضح أنه من أصل (15) مديرية في محافظة صعدة كانت المعارك تدور  بين فترة وأخرى في (13) مديرية. وأن هذا القتال في جغرافيا معقدة قد اسفر عن سقوط المزيد من القتلى والجرحى خصوصاً من الجانب الحكومي والمساندين له من المتطوعين.
وحسب مصادر مطلعة فإن اكثر من (700) من الجيش قد لقوا حتفهم خلال الحرب الثالثة، فيما تحصد أعداداً من المتطوعين بشكل يومي بمتوسط (10-20) في اليوم الواحد.
وفي الجانب الآخر تقول المصادر الرسمية إن قرابة (300) من المتمردين قد لقوا حتفهم في المواجهات التي تدور في مديريات متفرقة.
واستخدم الجيش الرسمي في حربه أسلحة جديدة ومتطورة في الحرب الثالثة ودخلت طائرات ميج (29) ا لمعركة إلى جانب مقاتلات سيخوي الروسية.
في الوقت نفسه بدأت عمليات التزود وشراء الأسلحة من الجانب الرسمي حيث غادرت وفود أمنية إلى «روسيا» لاقتناء أسلحة محددة خاصة بالحروب في الكهوف والجبال.
في ذات الأثناء الذي كانت اتهامات رسمية توجه إلى تجار سلاح بتزويد المتمردين بالسلاح ومساندة مشائخ قبائل لهم سراً؛ الأمر الذي أثار الرئيس علي عبدالله صالح ليوجه لهم الإتهامات واللوم على هذه المواقف.
وحتى الآن ما زالت آثار حروب صعدة (1و2) السالفة لم يتم ترميمها بعد وما زالت الجروح تتقيح لدى متضرريين كانت التعويضات قد مرت بجانبهم دون ان تصل إليهم وجاءت هذه الحرب لتزيد من رقعة هذه الجروح وحجم الألم الذي تركته سواء في باعتبارها جاءت على حساب مشاريع التنمية التي توقفت في المحافظة.. أو في الاجراء الرسمي الذي أحال الدعم المخصص للتنمية في المحافظة لتغطية نفقات المجهود الحربي.
والواضح أن تكاليف باهضة ستدفعها السلطة في حرب صعدة، فعلاوة على تغطية نفقات المجهود الحربي في الحرب الثالثة التي دخلت شهرها الثاني فهناك حجم الطلبات التي يقدمها قادة عسكريون وشيوخ قبائل مقابل اشتراكهم في هذه الحرب.
وحسب مصادر إقتصادية فإن ما حققته اليمن من مدخلات مالية من المانحين في المؤتمر الأخير والذي بلغت قرابة خمسة مليارات دولار، سيكون الجزء الكبير الذي سيسلم للحكومة لتغطية نفات هذه الحرب على حساب المشاريع التنموية ليس في صعدة فقط بل في المحافظات عموماً. هذا بالإضافة إلى أخذ مبالغ ضخمة من عائدات وفوارق الانتاج النفطي.
وكشفت هذه الحرب عن وجود قائمة طويلة من المستفيدين الذين يعتبرون استمرارها يدر عليهم الكثير من العائدات المالية الضخمة.
إلى ذلك قالت مصادر مطلعة ان تحقيقات تجري مع قادة عسكريين وبعض الوسطاء المحليين في محافظة صعدة بسبب تسرب كميات من الأسلحة الىالحوثي.. كشفت التحقيقات بأنها كانت تابعة للجيش الرسمي حسب تسلسل الأرقام المكتوبة عليها.
واضافت المصادر أنه تم بيع العديد من الأسلحة والذخائر خصوصاً أثناء الدعاية الانتخابية لرئاسة الجمهورية حيث كان الوقت في تلك الاثناء مناسباً. وتم استغلال الهدنة بين جماعة الحوثي والجانب الرسمي بأن قام المتمردون بحفر الخنادق والتزود بالسلاح وتأمين استمرار معركة كانوا على يقين من بدئها بعد الإنتخابات مباشرة.
والراجح أن الحرب ستستمر لفترة طويلة قادمة وأن مسألة الحسم تحتاج إلى و قت اضافي في الوقت الذي تزداد فيه المخاوف من تعميق الثارات القبلية وتدويل القضية.
إنها حرب معقدة في حسابات التاريخ والجغرافيا وفي حسابات النتائج والمخاوف التي لا تكف من إطلالها علينا من شرفات جبال صعدة.

 
***
 

الإعلام.. الرؤية غير واضحة
 

خطاب الإعلام بشأن ما يجري في صعدة ما زالت طريقه غير واضحة.. والتعتيم على ما يجري يبدو الأكثر رؤية فمتى تتوقف الأخطاء؟
بدأ الإعلام الرسمي، تحديداً، تعامله مع ما يجري في صعدة بإندماج كبير في بداية المعركة.. لكنه يوماً بعد آخر راح يطلق تصريحات الحسم قبل موعدها.. مثلما راح يقدم الأوصاف والتسميات بطريقة غير مدروسة.
كانت اللغة المستخدمة في بداية المواجهات قتال ضد «الحوثيين» ثم ما لبثت أن وصلت إلى الإماميين و«أعداء الثورة والظلامية» ثم «عصابة التمرد» وهي الآن مدمجة بين قوسين (عصابة التمرد والإرهاب) والتي تشعل حرباً ضد الجيش الرسمي.
وكانت الإجراءات الرسمية، في جانب الإعلام، فتح إذاعة في محافظة «صعدة»، والقيام بإلقاء منشورات من الطائرات.
لكن الواضح أن التعامل الإعلامي مع ما يجري في صعدة كان يخضع في مجمله لمزاج خاص ببعض مراكز السلطة.
والشاهد أن صحيفة «أخبار اليوم» التي كانت وما زالت حتى الآن، توزع لها طبعة خاصة لمحافظة صعدة.
وفي الجانب الآخر: مورس تعتيم شديد على الصحافة الأهلية والحزبية والمستقلة مثلما ظلت الصحافة الرسمية حذرة في التناول وسط تضارب اكثر من طرف يقوم بتقديم التعليمات وإسداء التوجيهات إليها بشأن تعاملها مع ما يجري من أحداث في صعدة.
وفي جانب متسق أسدت الجهات الرسمية مهمة الظهور الإعلامي وتمثيلها أمام القنوات والفضائيات وحتى الإعلام الرسمي، المرئي والمسموع والمقروء، لشخصيات منتقاة بدون تخطيط، وكانت تقوم باجتهادات شخصية، الأمر الذي دفع إلى توجيه التوبيخ واللوم الرسمي على نفس الوسائل التي نزلت فيها خطاباتهم.
واللافت في الحرب الثالثة بصعدة أن ضيق السلطة من الاعلام تجاوز الجغرافيا اليمنية، وتوجيه الانتقادات و الشتائم ضد صحف محلية فقط؛ إذ تم مهاجمة قنوات فضائية ووكالات أجنبية لاستضافتها وبثها برامج حوارية وأخبارية عمَّا يجري في صعدة ومنها قناة «العربية» التي استضافت ممثلاً للحكومة، مقابل استضافتها يحيى الحوثي المتواجد حالياً في الخارج.. والأمر نفسه إن لم يكن أشد قساوة لقناة «الحوار» الفضائية التي تبث من «لندن».
والجديد في التعامل مع الإعلام هذه المرة هو نشر الصحافة تنبيهاً رسمياً اعتبر أي قناة أو صحيفة أو وكالة أنباء أو موقع الكتروني يستضيف أو ينشر تصريحات لأحد القادة الحوثيين أو المساندين لهم في حربهم ضد الدولة، عملاً مسانداً للإرهاب والإرهابيين وستعد أي وسيلة تقوم بهذا الفعل معادية لليمن.
والحاصل أن الإعلام كان له كبوات عديدة في التعامل مع حرب صعدة.. الأمر الذي جعله بالأخير يوقف أي عملية نشر في الإعلام الرسمي وجعل طلقات الرصاص هي من تكتب ما يجري في حرب صعدة.. مع إبقائه على بعض لقطات في الصفحات الأخيرة ضد احزاب وشخصيات، وفي بعض الأحيان ضد مشائخ قبائل وبعض مراكز قوى في السلطة التشريعية والتنفيذية القريبة منها والتي يعتبرها البعض من أبرز مؤيديها.
وفي نفس الاتجاه يتم استخدام الإعلام من قبل بعض مراكز النفوذ بعيداً عن جهات الإختصاص بطريقة عجيبة.. إذ أنه يتم استخدام الفتاوى الدينية والدراسات والأفكار المعادية لـ«الأثنا عشرية» وجماعات دينية و مذهبية أخرى وأحياناً أحزاب والتحريض ضدها، وتوزيع المقالات ووجهات النظر المعادية لها.. دون اكتراث بما يمكن أن تخلق من مشكلات في البنية المجتمعية اليمنية.
والنتيجة أن من يتحدث من الجانب الرسمي في صعدة تجد له كلاماً مختلفاً عن من يتحدث في العاصمة صنعاء؛ في تضارب واضح يظهر غياب واستراتيجية واضحة للإعلام عموماً.
وحتى الآن لا يظهر أن أي قنوات فضائية عربية أو أجنبية أو أياً من المراسلين للوسائل الإعلامية أو الصحفيين في الصحافة المحلية عموماً يستطيع النزول إلى صعدة ونقل ما يجري هناك.. إذ تتعامل السلطة بتعتيم كبير حول ما يجري مكتفية بمواصلة الأمر في الميدان.
كذلك فإن ما ينشر في الصحافة التي يمكن تسميتها بالمقربة من السلطة أو الناطقة باسمها من معلومات عن المناطق والمدن التي تجري فيها الحرب يعطي انطباعات غير واضحة عن الحرب، ويصعب معها تخيل ميدان المعركة لتعدد مناطق المواجهات؛ لهذا تبقى مفردة «الحسم» ومفردات الإعلام عموماً قابلة للإشتعال بحرائق جديدة في طريق لم تتضح معالمه بعد في صعدة.
 
 
***
 

الخوف من تغذية ثارات محتقنة
 
 
تتجه السلطه نحو حشد تأييد قبلي مسلح لمساندتها في حربها الدائرة في صعدة.. وهنا تبرز المخاوف من تغذية ثارات قبلية وتخزين أسلحة جديدة تغدو في الستقبل خطراً على الدولة والمجتمع..
فالحرب التي بدأت قبل اكثر من شهر عكست مقدماتها حاجة الى ضم ميليشات قبلية مسلحة لمؤازرة الجيش النظامي الرسمي وقد بدأت عمليات التعبئة من حاشد لتتواصل بوتيرة عالية في قبائل أبين..
ولعل المخاوف التي تتوالد جرَّاء هذه الخطوات غير المحسوبة تبدأ من أنها تبدو كقرصنة سانحة لتصفية خصومات قبلية بين المتحاربين أولاً، وثانياً فإن هذه القبائل التي تملك ترسانة سلاح بالأساس تجد الآن أمامها مخزناً رسمياً ضخماً مفتوحاً على مصراعيه تستطيع منه تسليح نفسها واكتساب خبرات قتالية في الميدان وعلى أنوع جديدة ومتطورة من السلاح، ويصبح وقت الحاجة، هذا السلاح مصدراً لقوتها وشأنها…
والحاصل أن إشتراك القبائل في الحرب الدائرة في صعدة يعطي مؤشرات متعددة، لعل أولها ارتفاع عدد الضحايا من مسلحي القبائل المتطوعين؛ كون دخولهم جعل الحرب غير مرتبة وتخضع لجهات آمرة عديدة..
وثانياً: فإن إشتراكهم يعطى دليلاً على ضعف الجيش الرسمي للدولة وفقدانه للجاهزية والتأهيل والتدريب وبالتالي يصبح لدى هذه القبائل ثقة بأنها صاحبة الدور الاول في المعركة…
وثالثاً: فإن دخول هذة المجاميع القبلية من أبين وعمران وحجة ومحافظات أخرى يحيل هذه المواجهات الي حرب غير مرتبة يصعب معها رؤية القائد الحقيقى مثلما يصعب ترتيب مسلسل الضحية..
ورابعاً: تكون من نتائج الاشتراك القبلي المسلح تصدع في البنية الاجتماعية اليمنية وتوسع رقعة الأطراف القبلية مقابل ضيق أفق القانون وانكماش انسان المجتمع المدني.
وخامساً: تصبح مطالب النصر مكلفة بالنسبة للدولة في المستقبل خصوصاً من أطراف ووجاهات قبلية كبيرة الآن تعمل على تجييش المتطوعين والدخول في حرب عشوائية.
وسادساً: فإن هذه القبائل التي هي الآن شريك في الحرب مع الدولة ضد المتمردين في صعدة ستجد نفسها الآن أمام فرصة سانحة لجمع أكبر قدر من السلاح بيدها، وبالتالي تغدو في المستقبل خطراً على الدولة والمجتمع.
وسابعاً: فإن الحروب غير المرتبة التي تكون مقدماتها ميليشيات تقدم نتائج غير مرتبة، فتعمل على تعميق الثآرات والخلافات والتصريحات في المجتمع، وتجعل احتمالات نشوب الخلافات واردة.
والحاصل أن الدولة التي بذلت جهوداً طوال سنوات من أجل وضع لبنة أساس للمؤسسية، تجد نفسها اليوم تعطب بيدها ما أنجزته في السابق.
بالمقابل فإن إستعانة السلطة بالمسلحين من القبائل سيكلفها أعباء مالية كبيرة ليست بالطبع لتمويل محاربين بملابس تقليدية قدر أنها إشتراطات ومطالب لشيوخ قبائل نظير قيامهم بالمساندة.
والراجح أن مثل هذا العمل لا يغيب عنه كذلك أن الجيش الرسمي سيصاب وسط هذا الجو الغريب بالإحباط وسيجد نفسه فاقداً للكثير من معنوياته والإعتداد بوظيفته.
والحاصل أن الثآرات بدأت الآن تظهر من جديد في أكثر من محافظة في اليمن، بعضها لقضايا كانت مدفونة لعشرات السنوات.. وأن هذه الحرب ستعمق من تفاعلات هذه المشكلات وستكون سبباً لتنامي الثآرات القبلية. والشاهد أن محافظة الجوف تشهد الآن ثارات كانت محتقنة منذ سنوات في إطار فخوذ قبائل “ذو محمد” و”ذو حسين” مثلما الحاصل في محافظة “ابين” و”شبوة”.
والنتيجة أن مشاركة القبيلة بسلاح الدولة في حرب صعدة يعني قبيلة تملك السلاح في النهاية مقابل مجتمع مدني يغدو أمامها كضحية مثلما تصبح المؤسسية والقانون مهددين بسلاح سيكون في يد القبيلة كمكافأة للإشتراك في الحرب.
والتساؤل: هل ستعود المجاميع القبلية إلى أماكنها لاحقاً؟ أم ستجد في هذه الحرب فرصة سانحة للعمل بجهد كبير كي لا تنتهي الحرب مطلقاً ما دام في ذلك جلب مصلحة هي في أمس الحاجة لبقائها ما دامت تجد الآن أن جميع طلباتها تلقى القبول من الدولة على وجه السرعة؟
 
 
***
 
 
معتقلون على ذمة حرب صعدة
 
 
مئات المعتقلين على ذمة حرب صعدة يواصلون ترديد شعارهم: «الموت لامريكا، الموت لإسرائيل». وآخرون أودعوا السجن وعادوا لحمل السلاح في وجه الدولة في حرب جديدة.
بدأت عمليات الإعتقالات لمجموعة الشباب المؤمن وأنصار بدر الدين الحوثي في الجامع الكبير بصنعاء بعد قيام العديد منهم بترديد شعار «الموت لأمريكا.. الموت لإسرائيل»، عقب صلاة الجمعة التي كانت الفضائية اليمنية تقوم بنقلها على الهواء مباشرةً، الأمر الذي أثار حفيظة السلطات مما اضطرها بعد رفضهم الإقلاع عن ترديد الشعار إلى إيقاف عمليات النقل للجمعة من الجامع الكبير والقيام بعمليات إعتقال شملت العشرات منهم.
وحسب المصادر المطلعة فإن عدد المعتقلين مع استمرار الإعتقالات يربو على الآلاف لتبدأ مرحلة المواجهة المسلحة مع الدولة وتكون احد المطالب التي يطرحها بدر الدين الحوثي وأبوه من بعده والآن شقيقه الأصغر عبدالملك الحوثي (27عاماً).
وكانت لجان قد شكلت رسمياً للحوار مع المعتقلين برئاسة القاضي حمود الهتار ووزير الأوقاف حمود عباد أسفرت فيما بعد عن إطلاق (800) معتقل، والبدء بمرحلة هدنة أعلنت مع بدء الحملة الانتخابية الرئاسية واستباق الهدنة بالإعلان عن عفو عام.
يحيى الحوثي الذي يتنقل حالياً بين دول أوروبية وعربية وتم سحب حصانته البرلمانية وتواصل السلطات الرسمية اليمنية ملاحقته وطلبه عبر الانتربول الدولي، قال إن المئات من اتباعهم ما زالوا معتقلين في جهاز الأمن السياسي، وأن العديد ممن كان قد تم الإفراج عنهم عادت السلطات للقبض عليهم من جديد مؤخراً.
ورغم أن العديد من المعتقلين من الجامع الكبير رفضوا لحظة الإفراج عنهم كتابة تعهدات خطية أو القيام بتقديم التزامات بعدم تكرار ترديد شعار «الموت لأمريكا.. الموت لإسرائيل»، إلا أن السلطات الرسمية توصلت بعد الحوار والرغبة في إغلاق هذا الملف للدخول في الانتخابات الرئاسية واكتفت بأخذ التزامات وضمانات من قبل شيوخ القبائل التي ينتمي إليها المعتقلون. وكان قد أفرج عن اكثر من 800 معتقل من أصل (1100) معتقل حسب ما قالت المصادر. وحتى الآن ما زالت عمليات الإعتقالات تطال سياسيين اعضاء في الحزب الاشتراكي اليمني وحزب الحق وإتحاد القوى الشعبية. والإتهام الرسمي لهم كان بوجود علاقة لهم بدعم المتمردين في صعدة بقيادة عبدالملك الحوثي.
وقال لـ«النداء» أحد المفرج عنهم قبل بدء الحرب الثالثة نهاية يناير الماضي، إنه تعرض لتعذيب شديد في جهاز الأمن السياسي وأن العديد من المضايقات كانوا يتعرضون لها حيث لم يكن مسموحاً لهم الخروج إلى الحمام -على سبيل المثال- سوى ثلاث مرات في اليوم ورفضت إدارة السجن إسعاف العديد منهم تعرضوا لنوبات قلبية حسب ما أشار بيان للمنظمة اليمنية للدفاع عن الحقوق والحريات.
وأشار أحد المعتقلين الذين افرج عنهم في حديثه لـ«النداء»، إلى أن العديد من المعتلقين، الذين كان يتم تعذيبهم بتهمة «الحوثية» لم يكن لهم علاقة بذلك وتم اجبار العديد منهم قول ما يطلب منه من قبل المحققين في جهاز الأمن السياسي خوفاً من التعذيب الذي سبب لبعض المعتقلين الشلل وكسرت سيقان وسواعد بعضهم.
وأشار المصدر إلى أن الوجبة الغذائية اليومية عبارة عن رز ومشكل يتم إعداده بطريقة رديئة. وأن بعض المعتقلين الذين كان أهاليهم يقدمون لهم وجبات وفواكه كان يتم القرصنة عليها من قبل بعض الضباط ولا تصل إليهم في غالب الأحيان وعندما تصل تكون قد اخذ منها بعبثية.
وتابع المصدر أنه كان من غير المسموح تغيير الملابس وان سجناء ظلوا ما يزيد عن ستة اشهر من فترة اعتقالهم -دون علم أهاليهم بمكانهم- بالملابس التي دخلوا بها المعتقل، وان دخول «الحمام» كان محدداً بثلاث مرات في اليوم الواحد وبمعدل (5) دقائق في كل مرة، وان العديد من المعتقلين تضاعفت لديهم الأمراض (خصوصاً الكلى).
ومع دخول الحرب الثالثة شهرها الثالث يدخل معتقلون جدد السجون.
 

***
 
 
النازحون إلى المخيمات
 

كانت البداية قيام المتمردين بطرد يهود «آل سالم» من ديارهم، لتستضيفهم السلطات باعتناء في المدينة السياحية، ومع الحرب كانت النتائج نزوح مواطنين هم الآن في مخيمات خارج مدينة صعدة.
وكان قرابة (150) من يهود آل سالم قد تم إخراجهم وطردهم من قبل المتمردين ليغدو الأمر ذريعة للحرب وإعلان نهاية إجبارية للهدنة.
والآن تم استضافة «اليهود» في المدينة السياحية بالعاصمة صنعاء وهناك يتم توفير الاحتياجات من قبل السلطات الرسمية.
ومع استمرار المواجهات في «ضحيان» تحديداً، طلبت السلطات الرسمية من المواطنين إخلاء المدينة تمهيداً لمهاجمتها مع تجهيز العديد من المخيمات للنازحين في ضواحي المدينة.
وحسب الاحصائيات غير الرسمية فإن ما يربو على (800) نازح من عموم صعدة قد تركوا أماكن سكنهم بسبب الحرب فيما غادر آخرون إما ضيوفاً على أقرباء لهم في العاصمة صنعاء وعمران وحجة، أو في المنازل التابعة لهم في تلك المحافظات.
واشارت مصادر محلية في محافظة صعدة إلى أن فرق من الهلال الأحمر والصليب الأحمر يباشرون أعمالهم هناك في الميدان لتقديم المساعدات العلاجية والغذائية للنازحين وسط رقابة رسمية منعتهم من الادلاء بأي معلومات أو التصريح والاكتفاء بالقيام بالمهمات الإنسانية الميدانية دونما حاجة لتدوين الملاحظات.

[email protected]