خالد سلمان يطلب من أصدقائه الكف عن تهنئته بحق الإقامة في لندن.. ويقول: أنا حزين

خالد سلمان يطلب من أصدقائه الكف عن تهنئته بحق الإقامة في لندن.. ويقول: أنا حزين

بين «الانترفيو» المقابلة واتخاذ القرار سبعة أيام فقط. بعدها مُنحت أسرع قرار اللجوء السياسي في تاريخ بريطانيا.
< هل أنا سعيد؟
 قطعاً لا.
< هل أحتفيت؟
اللعنة إن فعلت.
لديَّ جرح زئبقي التكوين غير قابل للإختلاط والذوبان في معادن الفرح.. فمن أين لي ان احتفي.. ولي وطن تركته في الخلف. ينزف قطرة قطرة حتى آخر قطرة دم في الوريد.
من أين لعودي طراوة وليونة الحقن بمركبات السعادة.. وأنا الذي عشت و(ما برحت).. جراح و سخط وآلام كل الاصدقاء!
تساميهم وهم يُسقطون الهراوات.. وقرارات الوأد الحقيرة.
هناك كوكبة تتراص… تتشابك أصابعها.. وتصنع في وجه القمع الممنهج جدار صد.. وحجر زاوية تغيير.. هم اصدقائي، الذين تركتهم في معمعة الإعصار وأتون الجحيم.. اللعنة ثانية ان كنت سعيداً. مالم يحركنا ذات وقت الغضب لأعود واقذف الطغيان بحجر حنظلة ناجي العلي. ولا أعود بعدها بحاجة مرة أخرى لسقف أمان شخصي وخيمة حماية.
<< مشاعر مختلطة تفترسك..
وأنت تتلقى التهاني باللجوء وكأن هناك من يذبحك.
< مبروك لم يعد لك وطن؟
فقط حين يغدو الوطن كابوس قهر.. لا شرف انتماء.. حينها تتموضع المسميات بإعادة اختيار دلالاتها:
يصبح الوطن زنزانة عظمى (حد تعبير الجميل الغباري).. والخلاص باللجوء من قيوده الراسبة في الذاكرة.. وهيموجلوبين الدم.. انتصاراً وإجتراح معجزة.
لا اعرف تحديداً.. سبباً يحول دون الإحتفاء بحرية الخلاص.. داخل الوطن.. ولِمَ علينا أن نكون وأن نفعل ذلك خارجه؟!!
لِمَ علينا أن نقايض.. أن ندفع الثمن.. نخوض بمفاصله لإنجاز الصفقة:
– الحرية مقابل ترك الوطن.
– الوطن مقابل التوقيع على صك تنازل عن حريتك.
– جنون.. ومحض عسف.. وذروة استبداد مجنون.. ماجن.. ان تُفرض عليك مثل هكذا مساومة.. ان يُعاد توصيف قيم ومعاني الشجاعة الخارقة والهزيمة الفادحة.. أي عليك ان تكون رجلاً ميتاً كي يحمل في كفنه ربطة عنق شجاعة.. وشاهدة قبر ترابية محفور عليها بحروف مهترئة لا تُرى: كان بطلاً لم يساوم قط.. ولكنه الآن ميت محشو الفم بحفنة تراب وصمت ابدي.. نعم كان بطلاً، وهو الآن اسم تقشَّر في جص ذاكرة الأصدقاء.
– الحرية بحفنة رصاص.. لم تعد في عصر الحياة شيئاً نافعاً لرجل ميت.. ما معنى أن تكون حراً وأنت مسجى؟!!
– معادلة مبتذلة: أن تموت أو أن تُنبذ.
إما أن تكون بطلاً أغريقياً، يحمل في سيماء ميلاده خاتمته المأساوية، أو عليك أن تحتفي صامتاً وبوجع اخرس بمراسيم منحك حرية تمنيتها في وطنك وله، فذهب الوطن عميقاً إلى الوراء.. ونلت انت في البعيد, بلا وطن حرية القول المشروخ..
بعيداً عن دفء وجمر أنين مفارز الأصدقاء.. المقاومة..
مُنحتُ.. ومُنعتُ في آن معاً.
مُنحت حق «الآدمية».. ومُنعتُ من غبطة الإحساس بمذاق الفرح.. ولي أحبة في الأسر ما برحوا يدفعون الثمن؟
مشاعر مختلطة
أليست كذلك؟
أن تكون مشروع قتيل في قائمة إحصاء النفوس.. المملوكة حصرياً لأجهزة أمن السلطة.. والذين هم (إفتراضاً سخيفاً مستفزا).. من ابناء جلدتك.
أو أن تُمنح شهادة ميلاد جديدة في بلد ليس بلدك، ومن أناس ليسوا من بني جلدتك؟ حاربتهم يوماً من اجل نشيد وعلم ودولة مستقلة.. فكانوا -يا لهول المفارقة!- ملاذك الأخير.
… ولكن:
هل الأمر يستحق عناء التهنئة.. والإحتفاء؟ وطن ينفيك.. ومنفى يمنحك وطناً.. هل أنا سعيد؟
صدقاً لا أعرف.. ما أعرفه جيداً أني لم أكن يوماً اشد حزناً مما أنا عليه الآن.
أشكركم أصدقائي الضحايا ان كففتم عن التهنئة واسقطتم عن روحي المثخنة عبارة:
مبروك لم يعد لك وطن؟!!!؟?