حوار في حقل ألغام – سامي غالب

حوار في حقل ألغام – سامي غالب

الملكة التي يفتقر إليها السياسي اليمني هي الحس بالزمن.
قبل ساعات من الجلسة الأولى للحوار المفترض بين السلطة والمعارضة (الأحد الماضي) كانت لجنة الأحزاب تقرِّر إعدام حزب الحق: العضو في تكتل اللقاء المشترك لأحزاب المعارضة.
تأجلت الجلسة الأولى. وبعد التئامها ظهر الإثنين لأغراض محض إجرائية، كان مصدر مسؤول في المؤتمر الشعبي العام يتهم المعارضة بتوفير غطاء سياسي للحوثيين.
وليس على الحوثيين إلا أن يستثمروا هذه الفرصة «الجائزة» التي يهديها لهم عدوٌ فائق الذكاء!
القطيعة الممتدة منذ الانتخابات الرئاسية بين السلطة والمعارضة، فعلت ما فعلت بحواس قادة الأحزاب اليمنية: أفقدتهم الحس السليم بالتوقيت، والحساسية المطلوبة حيال مواقف وتصريحات من شأنها تعكير مزاج الطرف الآخر.
يحتاج الحوار إلى مقدمات ومبادرات وأجواء تساعد على تجسير فجوة الثقة بين أطرافه، وترميم الصدع في مصداقية خطاب كل طرف.
لكن مقدمات الجلسة الأولى وتوابعها أدت وظائف نقيضة تحكم سلفاً بإجهاض أية إمكانية لتطبيع العلاقات بين الشركاء المزعومين في مسيرة الديمقراطية اليمنية.
ليس متصوراً أن تتغير أجواء الحوار في ظل اشتداد القتال في صعدة، وارتفاع منسوب التوتر في أواني المتحاورين إلى أعلى المستويات منذ حرب 1994.
ليس من الإنصاف توزيع المسؤوليات بالتساوي بين الحكم والمعارضة. فالثابت أن الحكم يتحمل النصيب الأوفر من المسؤولية، لأنه الطرف الذي يقرِّر منفرداً في مسائل متصلة بمصائر بلد. وهو إذ يحتكر أسباب القوة ومقدرات الدولة، يوزع بسخاء وعدالة تهم التآمر والإرهاب على الأطراف التي يتحاور معها!
تحتفي الأحزاب اليمنية في الحكم والمعارضة بالاستحقاقات الانتخابية، باعتبارها مصدر تجديد الشرعية أو مدخل التغيير السلمي.
وواقع الأمر ان الانتخابات صارت، في إطار الخصوصية اليمنية، أكبر منتج للأزمات الوطنية. لا الطرف المنتصر فيها يتصرف بروحية مشبعة بجدارة النصر، ولا المهزوم يسلِّم بمترتبات هزيمته.
الانتخابات اليمنية منذ 1993 لا تجدد شرعية ولا تنتزع اعترافاً. آية ذلك أن الحملات الدعائية للانتخابات الرئاسية الأخيرة، ما زالت مستمرة رغم مضي نصف عام على انتهاء أمدها القانوني.
يمكن للأحزاب المتحاورة أن تزخرف جدول أعمالها بالعديد من القضايا الملحة والهامشية. ومن المرجح أن تتواصل جلسات الحوار اليوم، وغداً، لكن الأكيد أن الحوار الممتد بين أطرف يعدمون حساً سليماً بالوقت، سيكون حوار طرشان: طرشان بمحض إرادتهم أو بدوي الانفجارات في صعدة، وربما تحت أقدامهم.