طلاب صعدة وأهلوهم.. تفصلهم دبابة – علي الضبيبي

طلاب صعدة وأهلوهم.. تفصلهم دبابة – علي الضبيبي

* قبل سنتين أصدرت جامعة صنعاء -وسط إعتراضات عارمة- لائحة لطلابها تقضي بحرمان المتغيبين منهم فوق ال30٪. فهل يكون الطلاب المحاصرون في صعدة شريط الافتتاح؟!
ما زالوا مذعورين من دهم ليلي قضَّ مضاجعهم ليلة أمس من قبل العسكر. ففي وقت متأخر من الليل، فجع الزميل، جميل مسفر، ورفاق غرفته في السكن الجامعي بطرق عنيف على الباب، وحملة تفتيش وتحقيق أمني «يسأل فيه الجنود عن البطاقة الشخصية للتأكد من الهوية ومن أي المحافظات»، يشكو طلاب السكن الجامعي -صنعاء.
المواجهات تدور في صعدة، وأضرار الحرب لا تنحصر عند حدود القتال وجغرافية المعركة. بل تتعدى اضرارها إلى كل مكان يتواجد فيه مواطن هذه المنكوبة: صعدة فطلاب جامعة صنعاء يواجهون هذه الأيام أصنافاً متعددة من المضايقات ذات الأسلوب المستفز والغريب من قبل رجال الأمن.
«أي واحد من الطلاب يدخل من بوابة الجامعة ليلاً إلى السكن لا يسألوه عن البطاقة وإنما عن المحافظة، ومن بيت من ؟!» هكذا يشكو الطالب عبدالله فرج، كلية التجارة، وهو يكابد ألمين: الانقطاع عن الأهل والمصروف، وأساليب أسئلة الأمن الجامعي (السياسي).
ويفيد عبدالله عن زملاء له عديدين من أبناء محافظته (صعدة) طردوا من «شقق» الايجار بسبب المضايقات الامنية، ودونما تهمة سوى «أنهم من صعدة».
كان عبدالله وجميل يتحدثان إلى «النداء» وبجوارهما آخر في المعهد العالي للإرشاد يتململ قلقاً لأن خبراً جاء بالأمس أكد إحساساً لديه: «إنهم يلاحقونني ولا أدري ما هي التهمة». ويتساءل وبه حيرة مضطربة: «إذا رحنا صعدة أتهمونا بأننا حمير الدولة، وإن دخلنا صنعاء لاحقونا بتهمة الحوثية».
ليست وحدها، مضايقات أمنية ضد طلاب صعدة. هناك معاناة حقيقية يعيشها هؤلاء الشباب: نفسية، مالية، وتعليمية. فالحرب التي اندلعت شرارتها قبيل انتهاء اختبارات الترم الجامعي الأول. وأثناء فترة النقاهة بين الترمين، أبقت الحرب الكثير منهم في بيوتهم بسبب أمني، خاصة القريبين من مناطق الحرب والمواجهات، «لا الداخل يدخل ولا الخارج يخرج» كما يقولون.
وبالتالي فهم معرضون للفصل والحرمان من دخول اختبارات الترم الثاني بسبب غيابهم وفقاً للائحة شؤون الطلاب الجامعية سيما والأخيرة لا تتضمن بنودها أيَّما استثناءات.
وحدهم، وليس كلهم، طلاب مديرية رازح، ساعدهم الجو الهادئ والحدود المتاخمة لمحافظة حجة فتمكنوا من الإلتحاق بالدراسة.
لكن هؤلاء ليسوا أحسن حالاً من اولئك: يعيشون في انقطاع كلي عن الأهل دونما مصاريف، ولا أخبار مطمئنة. «صعدة خارج نطاق العالم لا اتصال ولا تواصل» كما يصفها الطالب في كلية الشريعة، سليمان الفرح الذي بدا أكثر حرقة مما يجري، وكشف أن عشرات الطلاب المقيدين في جامعة صنعاء بمختلف كلياتها«لم يحصلوا إلى الآن حتى على البطاقة الجامعية جراء انقطاعهم بسبب الأوضاع خاصة طلاب مديرية الطلح وضحيان». وبدا الفرح مستغرباً من الضرر الذي لحق بمنطقته (رازح) ومديريات أخرى وهي «تعيش في جو غاية في الهدوء والسلام»؟ يتساءل، ومحذراً من انعكاسات سلبية قد تخلفها الحرب «تستهدف التماسك الاجتماعي وتفكك البيت الواحد».
الشكوى ذاتها على لسان جميع الطلاب. نبيل المعزي- كلية اللغات، قال إنه يحضر قاعات المحاضرات جسداً ليس إلا، في حين تحلق تفاكير ذهنه على أجواء رازح حيث أطفاله الثلاثة وأمهم الخائفة. ناهيك عن أنه بدون مصاريف أيضاً.
«النداء» التقت العشرات من هؤلاء الطلاب وتلمست هموماً مشتركاً لطلاب محاصرين. كيف تعيشون هنا دونما مصاريف؟! سألت أحدهم، فأشار إلى شخص يتحلق حوله عدد منهم: «صاحب الهايلوكس هو وسيلة التواصل بيننا وأسرنا» جميل منصر عثمان سائق سيارة «غمارتين» منه يستمدون الطمأنينة وأخبار الأهل. ويبعثون عبره برسائل إلى ذويهم، «ومن يشتي سُلفة يدي له» يقول طاهر(ضاحكاً).
وعن متاعب الطريق وأجوائها الأمنية، سألت هذا السائق فأجاب وهو يشكو إليَّ مواطني محافظة حجة الذين يعاملونه كما يقول بعنصرية: «أي سيارة من صعدة هات فك هات… وإلا نزِّل الركاب! وكل هذا التعنت علشان يشلوا الركاب أو العودة». وهذا بالطبع أمر غريب تمارسه نقاط لا رقيب عليها فعندما يطلب صك العبور (فك) في منطقة لا وجود للتليفون فيها فضلاً عن الفرزات مدعاة للإستغراب والحنق.
 
 
 
اعتبرتها فرصة لأسأل «جميل» عن اجواء المحافظة وأحوال المواطنين هناك، فكان ما يبعث على القلق والحزن.
فالأسعار مرتفعة خارج حدود التصور، فضلاً عن الانقطاع المتكرر لبعض السلع الأساسية حد الإنعدام. «الأسواق مقفلة، والتلفونات معطلة والوضع مأساوي» كما ذكر لـ«النداء».
من جانبه أكد الزميل محمد القاضي -كلية الإعلام- أن حالات إنشقاق أسري داخل البيت الواحد بسبب الموقف من الحرب، وهو ما لا يستبعد حدوثه مستقبلاً إذا ما تعاملت السلطة بروح التفريق بين مواطن مسالم ويدين بالطاعة وآخر يحاربها.