سقوط الدولة – مروان الغفوري*

سقوط الدولة – مروان الغفوري*

يبدو أن النظام العربي العام لم يعِ بعد أننا أصبحنا نعيش في مرحلة ما بعد الدولة، وأن الدولة، كهيئات وظيفية، تفقد قدرتها وسيادتها لمصلحة لاعب جديد اسمه الشركة. وإذا كانت السخرية لوحدها تدفعنا إلى العودة إلى الجذور اللغوية لمصطلح الدولة، كونه يعني عربيّاً ” التحوّل ” فيما يشير واقع الدولة، عربيّاً أيضاً، إلى الثابت المُتوارَث.. فإن السخرية نفسها ستجبرنا على التسامح مع إمكانات القطيعة الواقعية مع دلالات اللغة القديمة، وتجاوزها لتكوين سيمانيكيات جديدة للغّة، حين نتحسس معنى المصطلح في بعض لغات العالم الأول، كما في الإنجليزية( state) والفرنسيّة (Etat) وهما تسميتان للدولة تعنيان، إيتمولوجيّاً: الثبات والاستقرار، في مفارقة جليّة للواقع.
وبعيداً عن الدال اللغوي لمصطلح الدولة،وعن مدلولاته كذلك.. فثمّ مقاربة أخرى، هي فكرة هذه الموضوعة، للدولة من جهة الوظيفيّة، إذا ما اتفقنا مبدئيّاً على اعتبار الدولة هيئات وظيفيّة لها مستهدف ثابت ونهائي: المجتمع.. سيدخل ضمن هذا التعريف ما قدّمه الفرنسي بودون في أوائل القرن السادس عشر عن الدولة باعتبارها إقليما وسيادة وشعباً. كما سينضم للخانة نفسها طرح جان لوك، في بداية القرن الثامن عشر، وروسّو أيضاً في منتصف القرن نفسه. بمعنى: حضور المجتمع، كمقصود من نشوء فكرة الدولة “تلك التي تنشأ حين تكون المتناقضات الداخلية عصية على الحل، كما خمّنَ ماركس”.
المجتمع، بمشاكله المنشئة للدولة، هو نفسه الذي يقف الآن مفرِزاً لأشكال جديدة من أشكال الترابطات السياسية العُليا(الدولة) تتواءم مع خبراته الجديدة ومشاكله المتغيّرة. ومن جهة وظيفيّة هذا الجهاز السياسي الأعلى (الدولة)، يمكننا القول بأن وظيفته تنقّلت من حماية الحدود وتوفير الأمن، كما تحدّث بودون وحتى مكيافيللي نفسه في ” الأمير” منذ خمسة قرون.. إلى سقوط سيادة الدولة أمام سيادة المجتمع ” الأمّة”، أو الشرعية، مع مفهوم الدولة الحديثة، تلك التي أعقبت الثورة الفرنسية، وامتلأت بها تنظيرات روسّو ومونتسكيو. وبعد قرنين وربع القرن من الثورة الفرنسيّة، نقفُ من جديد أمام بنية الدولة،وظيفيّاً، التي تركتها لنا هذه الثورة، لنجدها تسقط بصورة دراماتيكيّة أمام طرف ثالث لم يكُن بحسبان أحد، إلى ما قبل ميلتون فريدمان وفريدريش حايك، أعني: السوق الحر والفردانيّة الماليّة.
في العام 1993 وقف جاك شيراك خلف عدد كبير من المايكروفونات ليمارس لوناً جديداً، وياللغرابة!! من أنشطة دولة ما بعد ” فريدمان، واليمين الجديد”.. لقد قال شيراك للصحفيين يومئذٍ: “السوق هو إيدز العالم الحديث”. ومثل هذه التوصيفات الجديدة للمشكل البشري الجديد لا يمكن أن نفهم من خلالها إلا أن سلطة الدولة تترنّح الآن، وأنها آيلة للانهيار أمام سلطة السوق، سلطة الدولار، سلطة السلعة، ولم يعُد بمقدورِها أن تفعل شيئاً جوهريّاً لمصلحة منشئ الدولة الأوّل ومكوّنها الثابت: المجتمع. إنه يقف الآن، أعني المجتمع، بمفرده أمام الغول العالمي الكبير” السوق” في حين تحاول الدولة، كآخر ما يمكن أن تقوم به، أن تلطّف من هذه الحدّة بإفساح مجال جديد للسوق مقابل أن يكون رأس المال أكثر رأفة بالمجتمع، مؤقّتاً. فالدولة تفسح الآن، كما يمكن أن ندلل ببساطة متناهية، كرسيّاً جديداً في عربة السياسة ليجثو عليه السوق، كما فعل مع كل شيء تقريباً، بما في ذلك الدين. حتى أصبح السوقُ كنيسةً جديدة، لا محالة، تحكم العالم، لكن ليس نيابة عن الله، هذه المرّة، بل نيابة عن خُمسٍ من البشر يملكون كل امتيازات النفوذ والثروة.
ومن جهة وظيفيّة جهاز الدولة، أيضاً، سنعودُ لنجد المشكل الجديد الذي تحاول الدولة أن تصدّره للمجتمع كتبرير لوجودها، هو البطالة.وحتى هذا المشكل فإن الدولة تفشل يوميّاً في إيجاد حلول حقيقيّة له. وسيكون مخيفاً أن نعيد قراءة ما حدث في عام 1993 في ولاية ألاباما الأمريكيّة، كمثال مستحسن هُنا. لقد قرّرت الحكومة الأمريكية أن تسيطر على أصوات الناخبين في هذه الولاية البطيئة التنمية. وعليه فإن أقرب الطريق إلى قلوب سكّان هذه المنطقة كان هو الطريق الأخير الممكن للدولة أن تمارس خدعتها النهائية فيه: البطالة. لكن الدولة كانت قد تخلّت تماماً عن دورها في الاقتصاد، منذ وصول ريجان إلى السلطة سنة 1980، واكتفت بتوفير بيئة السوق فقط.ولم يُكن، إذن، من بُد أمام الدولة ساعتئذٍ إلا أن تتفاوض مع شركة مرسيديس لبناء مصنع في الولاية نفسها بمقدوره أن يوفّر فرصة عمل لعشرة آلاف عامل. ولأن الدولة، كهيئة وظيفية، أصبحت هشّة تماماً أمام الشركة، فقد كان متوقّعاً أن تنفذ المطلب الغريب جدّاً لشركة مرسيدس، وتدفع 50% من تكلفة المصنع المملوك بنسبة 100% للشركة! لقد دفعت الحكومة الأمريكية 500 مليون دولار من خزينة الأجيال القادِمة، للشركة، كما ذكر هانس بيتر مارتين، المحرر في صحيفة دير شبيجل، ألمانيا. فقط لتضلل الحكومةُ المجتمع الأمريكي في ألاباما بأنها مازالت قادرة على البقاء المفِيد،وأنها تستحق المساندة الانتخابية، فهي ما زالت تسهرُ على الرفاه العام.
إنها ورطة مخيفة أن يعيش الكائن البشري في السوق، يصعد ويهبط كمؤشرات داو جونز تماما.تتجسد الورطة بشكل أكبر حين يعود المواطن العالمي إلى جيبه ليجد بطاقته الانتخابية عديمة الجدوى في بياتها المعتاد. ويتساءل: وماذا عساها أن تفعل التصويتاتُ الاحتجاجيّة ضد جهاز الدولة الراهِن؟ فالدولة فقدت قدرتها كبنية as a structure وليس كبرنامج نخب سياسيّة. تنسحب هذه التحولات الجديدة، بشكل حاد، على الجمهور العالمي الواقع خارج الخمس الثري، كما على الخمس الثري نفسه، لتفرِز ألواناً جديدة من القِيم والسلوك، السلعية في بعدها النهائي. كما لن يكون بمقدور خدعة المصّاصة العالمية titty-tainment الاستمرار في تنويم المجتمع العالمي، حتى وإن دعمت الشركات الكُبرى فكرةَ إقامة مونديال لكأس العالم كل سنة. وما ظهور موجة اليسار الجديد في أمريكا الجنوبية إلا تحقيقاً لتنبوءات الأموات الثلاثة (فيبر، ماركس،وإنجلز) وبالأخص: كارل ماركس في أحاديثِه عن الصراع حول القيمة الفائضة، أي تلك التي يوقِّرها السوق لصاحب السلعة وتبقى في منأى عن منتجها الحقيقي ” العاملـ” المستهلَك في الإنتاج. الأمر الذي يدفع بالعامل إلى البحث عن وسيلة يعاقب من خلالها السيّد المالك( الجدلية المادية لماركس). ومع هذه الصورة الجديدة لورطة الدولة أمام كابوس الشركة، أو الحيوان الأسطوري الهائل، البهيموث، كما تقول نورينا هيرتس، يعيش العالم الثالث تحت وطأة دولة قديمة بهيئات خشبيّة لا تفهم شيئاً مما يجري في العالم.
فبرغم أن الدولة في العالم الحديث قد فقدت سيادتها وفي طريقها إلى أن تصبح جهاز تشريفات لا أكثر، على عكس دولة العالم الثالث التي ما زالت متماسكة وقويّة على الصعيد الداخلي، بسبب بطء تحوّلها إلى نظام السوق الحر.. إلا أن مشكلة جوهرية تقف أمامها ( أعني: دولة العالم الثالث ) وتضع خياراتها أمام مفترق طرق. فمشكلة دولة العالم الثالث تنحصر في توفير الحد الأدنى من فرصة المعيشة ( التعليم والصحّة ولقمة العِيش). وهو ما يشكّل مهمة صعبة لدولة تتحكم في مجتمع غير منتج، ومنفجر سكّانيّاً، وجغرافيا ذات شحة في الثروات الطبيعية و رِيعٍ مشارف على النفاد. وهكذا لن يكون أمام دولة العالم الثالث إلا أن تسعى إلى حتفها مرغمةً، بالاتجاه ناحية اقتصاد السوق الحر، بُغية أن يوفر للمستهدف من قبَل فكرة الدولة (أعني المجتمع) ما عجزتْ عن إنجازه على مستوى فرصة المعيشة، لتستمر الدائرة المفرغة: سيطرة السوق( الشركات- رأس المال) على المجتمع والدولة، وسقوط الدولة في الثقب الأسود الأرضي، ضمن حتمية كونية جديدة يقررها رأس المال. وربما تقود كل هذه التحوّلات الكبيرة إلى المربع صفر، أي ما قبل الثورة الفرنسية، وحياة الإقطاع الكبير. وهو ما سيتطلب ارتباطاً جديداً للدولة، في طور الفكرة، بالثورة، في مواجهة الشركة والثروة.. وسيعيد التاريخ نفسه مخرجاً لسانه لكارل ماركس، صاحب مقولة: التاريخ لا يعيد نفسه وإلا أصبح مسرحيّة مملّة، وباسِماً له مرّة أخرى لتحقق تخميناته عن سيادة الجذر الاقتصادي في أساسيّات الصراعات التاريخيّة.
[email protected]
* شاعر وكاتب يمني مقيم في القاهرة