دور الصدفة في تطوير منتدى الجاوي – نبيل قاسم

دور الصدفة في تطوير منتدى الجاوي – نبيل قاسم

في يوم الأربعاء، 14 مارس 2007، أقام منتدى الجاوي ندوة، محورها العلاقات الإيرانية العربية، وكان يفترض أن تتوزع الندوة على ثلاثة محاور، هي: «الإسلام والغرب» و«إيران والعرب» و«الإعتدال والتطرف»، ولكن وبسبب اعتذار اثنين من مقدمي الندوة، والذي لم يُحدث أي خلل في سير الندوة، فقد تمكن الاستاذ قادري أحمد حيدر من عرض موضوعه بطريقة تلافى فيها الغوص بمسائل ذات طابع تاريخي، والتي حقيقة لا تثير اسئلة حية. فكانت محاضرته منطلقة من ثلاث مفردات هي: الجزر، وحرب الخليج، والإعتدال، وهي مفردات تغطي المفردات الثلاث التي كان يفترض ان تتناولها الندوة. وبشكل طوعي ساهم الاستاذ سلطان المهداوي ممثل الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين بصنعاء بالحديث عن بعض تناقضات الحركات الاسلامية وذلك عبر التفاعل مع نتائج الحرب الباردة التي كانت بين الاتحاد السوفيتي وبين الدول الرأسمالية، وتوفق أيضاً في الاندماج والترابط مع المحاضر. ثم جاءت مجموعة من المداخلات أثناء النقاش، تراوحت بين العلاقة بين الديني وبين القومي، وكذلك أزمة الديمقراطية وأثرها في إفراز الكثير من النتائج على الصراعات السياسية في المنطقة، وكذلك علاقة اليسار الفرنسي بالثورة الإيرانية، ومروراً بحرب لبنان، وفلسطين، والكثير من القضايا التي تصب في نفس الموضوع.
وحقيقة لست هنا وفي هذه المقالة بصدد ماجاء في الندوة، إلا أن حاجتي، والمتعلقة بشكل لصيق بالأسئلة التي تحيرني، كقول المحاضر، وأعني قادري: «وجدت نفسي أغوص بمسائل ذات طابع تاريخي لا تثير اسئلة حية» أعجبتني هذه الجملة لأني كنت أخاف وما زلت من أولئك الذين يقحمون المسائل التاريخية لتبرير الحاضر، أي اقحام الأحداث التاريخية بالأحداث الحالية دون مراعاة تغير السياقات، وهذا الإبتذال تجده محبذاً من قبل اجهزة الإعلام أو ممن يستمدون ثقافتهم من أجهزة الإعلام فقط، فلو كان جهاز الإعلام في اليمن مع إيران لتحدث بالضرورة عن دور الفرس في دحر الأحباش ضمن الصراع بين الحضارة الرومانية والحضارة الفارسية، أو عن دور الحضارة الفارسية في التأثير وبالتأثر بالحضارة الإسلامية. وفي مثل هذه المواقف على جهاز الإعلام في اليمن أن يخرس ولا يتحدث عن بطله التاريخي سيف بن ذي يزن أو يؤجل الموضوع حتى مناسبة أخرى.
حديث المحاضر أيضاً عن عدم و جود تعريف للإرهاب، وكذلك محو الجانب الفلسفي والطبيعة الأخلاقية لمفهوم الإعتدال. وفيما يتعلق بهذه النقطة قال أحد المشاركين: «تحيرني جداً هذه التحولات السريعة المشكوك فيها كتحول بعض الدول من دول موصوفة بالدكتاتورية إلى دول موصوفة بأنها معتدلة كدول الخليج ومصر والأردن… إلخ. وفيما يتعلق بهذه النقطة، بإمكاني أن أضيف تدخل أحد المشاركين الذي قال: «المبرر غير موجود لا عند المقاومين ولا عند الخاضعين، فلست مجبراً على مساندة نموذج لا أعتبره مثَلي الأعلى». حتى أن أحد المشاركين قال: «لا أحس بالحاجة لإتخاذ موقف، ولماذا نحن محاصرون دوماً بالسياسي؟ ولماذا نحاول أن نمنع الأشياء من الحدوث بعملنا كحرَّاس؟ وإن لم يكن كذلك لماذا لا يعطونا فرصة لمراجعة أنفسنا وأخذ مزيد من الوقت عن التعرض إلى إشكاليات معقدة يتداخل فيها السياسي بالتاريخي بالثقافي؟!».
هذه المداخلات تعني في قمة التفاعل مع هذه الندوة فلم يأت أحد وكما لا حظت ولديه مواقف يمليها على الآخرين، فالذي يحتاج لأن يحدد موقفه يجد معطيات تلبي حاجته، ومن لديه موقف مسبق يجد أيضاً معطيات تلبي حاجته، ومن لا يريد أن يتخذ موقفاً يجد إيضاحاً يلبي حاجته. وهنا أجدني أيضاً في مساحة طاردة لما هو إعلامي والذي أصبح مرتبطاً بذهني بعملية الإبتذال، كأن يسألك أحد الإعلاميين عن قضية معقدة كالقضية الفلسطينية، ويقول: «معك مع دقيقتان فقد داهمنا الوقت»!! أو أثناء حديث أجهزة الإعلام عن القتل الوحشي وجعله خبراً يومياً كأحوال الطقس، وفي مثل هذه الحالات يمكن أن تستعين أجهزة الإعلام برجال دين أو بخبراء متخصصين أو برجال سياسة ممن يصلحون للإفتاء في جميع المجالات، وستجدهم يلقون بمواقفهم ويطالبونك بتبني هذه المواقف لمجرد أنها أتت منهم، وفي هذا الاتجاه تأتي تلك الندوات المتعلقة بحوار الثقافات وحوار الحضارات وحوارات الأديان، وأحياناً يتم إنتقاء مفردة حوار وأحياناً أخرى مفردة صراع، وهؤلاء هم الذين يطردون ا لديمقراطية بطردهم للسياقات التاريخية، يطردون العقلانية التي قد تطالبهم في لحظة معينة بتعريف الإرهاب، على سبيل المثال، أو بتعريف الإعتدال.
هؤلاء الذين يحملون مناديل يمسحون بها اللعاب الذي يسيل على منابع النفط، ويمسحون بنفس تلك المناديل الدماء التي تسيلها أجهزة المخابرات وبائعو الأسلحة وبائعو الغفلة، هؤلاء يهربون من مسائل مثل مراجعة أنفسهم، يهربون من الحيرة، يهربون من مواجهة المستبد، يهربون من مواجهة عملية غياب المثل الأعلى، ويهربون بشكل أساسي من الشك الضروري واللازم لاتخاذ موقف، يخافون من الدخول إلى بعض نقاط التماس، هؤلاء الذين يريدون أن يكونوا واضحين هم الذين يديرون في الوقت الحاضر الدفة، لكن هناك أماكن لا تتسع لهم، كهذه الندوة وكبعض الصحف وكبعض الأفكار، وهذا البعض النادر هو الذي يستثمر احترامه لنفسه ويزداد حضوراً.
إن غياب محاضرين، من بين ثلاثة محاضرين، ساهم في عملية الدخول في التفاصيل، وعدم الإكتفاء بالعموميات. وكما قال أحدهم: «التعميم هو الصخرة التي يستريح عليها المتعبون».
وبهذه المناسبة ودون أن أدري حقيقة أنه من حسن الحظ، أو أنه من سوء الحظ غياب هذين المحاضرين، لكن هناك فسحة للدخول في التفاصيل، فسحة تتيح لكثير من المشاركين الفرصة لأن يشاركوا، ولأن يقتربوا من وضع آرائهم في محك الواقع الأخطبوطي.
هذه فرصة لأن يعرف الجميع بأننا حائرون ومتشككون، ليس لأننا لم نعد قادرين على الفهم، ولكن ذلك راجع لسببين، هما: وسائل وأجهزة الإعلام التي تلعب دوراً هاماً في خلق مثل هذه الحالة، والسبب الثاني هو النقلة النوعية التي نحتاجها وهي الإنتقال من الحديث على مستوى العموميات إلى عملية الدخول في التفاصيل وفي نقاط التماس. وذلك قد يخلصنا من متاعب كثيرة فبإمكاني أن أتحدث عن السياسة من خلال تفاصيل الحياة الكثيرة دون حاجتي للتحدث مباشرة عن رأس هذه السلطة، وبإمكاني الحديث عن الدين دون حاجتي لعبور طبقة الأوزون، وأستطيع أن أعتبر مقالي هذا دعوة صريحة للدخول في التفاصيل.