ليس من السلطة وحدها يصرخ الصحفيون.. محاولة لنقاش هادئ حول مهنة محتقرة – نبيل الصوفي

ليس من السلطة وحدها يصرخ الصحفيون.. محاولة لنقاش هادئ حول مهنة محتقرة – نبيل الصوفي

حين وقعت على رؤوس ثلاث صحف مطرقة التطرف فأغلقتها، باعتبار أن إسلام هيئات تحريرها غير قادر على حماية دينها من تهم الكفر، هكذا الكفر مباشرة ومع جهود للتخفيف يتحول إلى (قلة الأدب مع رسول الله) مع أن صاحب ربع عقل يمكنه أن يحكم بزيادة العصبية وإن على أسس مختلفة، كدافع لما نشرته الرأي العام والحرية والأوبزرفر.
حين ذاك تلقينا صفعا قاسياً من شخصيات لطالما اعتبرناها مساندة للحريات والحقوق، وبخاصة الصحفية.. ويمكن لولا جسارة الأستاذين محمد ناجي علاو وخالد الآنسي، لما قدرنا كصحفيين حتى على التأوه.
اليوم تعود شكاوى الصحفيين للتصاعد، وعلى نبرة افتتاحية هذه الصحيفة العدد الفائت.
ومن نافل القول، إن شاكياً منا لن يعدم حوادث في كشف طويل من الانتهاكات تتعرض لها الصحافة والصحفيون في هذه البلاد، أقلها تلك التي تصير مفردات في الرأي العام.
ومما لاشك فيه أن الماضي لا يزال قادراً على تقوية نبرة هذه الشكوى.. فلم نشهد إغلاقاً لأي ملف من الملفات التي أوجعت قلوب الصحفيين طيلة أيامهم السيئة الممتدة من 2004م وحتى منتصف 2006م.
قضية خطف الأستاذ سعيد ثابت، وكيل أول نقابة الصحفيين، وحبس عبد الكريم الخيواني، رئيس تحرير الشورى، الصحيفة المفترضة نظرياً والمنهوبة مادياً، وجمال عامر، رئيس تحرير الوسط، والاعتداء على قائد الطيري، والسفاهات التي نالت العزيزين حافظ البكاري ورحمة حجيرة، وممتلكات عابد المهذري، وكل.. كل الانتهاكات التي تعرض لها الصحفيون دونما قرار ختامي سواء يعتذر، أو يوضح، أو يحكم، أو حتى يعفو.. باستثناء حكم وحيد صدر الأسبوع الماضي في الضالع لصالح مراسل صحيفة الوحدوي.
وهنا لا مناص من التأكيد على ما تقوله مراراً اللجنة الدولية لحماية الصحفيين ونقابة الصحفيين بأن نهايات هذه المآسي “المفتوحة”، هي دعوة “مفتوحة كذلكـ” لقادمات سواء أقل أو أكثر سوءاً.
غير أني أعتقد أن تطور الحال يقتضي تطويرا للشكوى. وهو يقتضي –من ثم- مراجعات دائمة للأداءات في مهنة أقل مايقال عنها إنها محتقرة. ليس في اليمن وحسب بل في غالب البلدان العربية، تبعا لاحتقار الخلاف في الرأي، أو الرغبة في “حماية” المساوئ من العيون، لأن الناس هم من يخاف منهم وليس النتائج الطبيعية للأخطاء والمفاسد. (استطرادا هنا يمكن التذكير أن رد الحكومة العراقية على نشر الانتهاكات التي تعرض لها الرئيس العراقي السابق صدام حسين في آخر لحظات حياته، كان: سنحاسب من نشر، وهنا في اليمن الجميع في السلطة والشارع العام، وكلٌ حسب علاقته بالمنشور يكرر ذات الموقف ضد ما يرونه تعدياً على ترسانة من التقاليد، لذا لا أحد يقول سنستفيد مماينشر، وسنصحح الأخطاء، أو إنه مجرد اختلاف في الرأي والتقدير، فتلك الترسانة معبئة بألفاظ التخوين والترهيب وباسم قيم عدة).
من هنا فحتى لايصبح الصحفي كالجندي الذي يبيع سلاحه تحت ضغط الجوع، ثم يواصل سيره صوب لحظة ومكان سيحتاج فيها لذلك السلاح، نقول إن الشكوى لاتكفي، فارتفاع الأصوات ليس في كل مرة يثمر، إذ الثمرة مرهونة بعوامل عدة وإلا خسرنا القضية العادلة، وهي كوننا مقياساً لاحترام القانون والدفاع عن حرية الرأي، والشفافية العامة.
 
 التحلل من الالتزام للجملة العائمة
منذ 2005م، ونحن نناضل ضد “قمع حرية الصحافة”، وكجمل المعصرة، نكاد نعود لذات الجملة اليوم.
باعتقادي إننا بحاجة لتغييرها. ليس استسخافا بها، بل أولا تقديرا للجهود التي بذلت. وثانيا لأن المعركة لاتنتهي بمجرد الحديث عن “توجه رسمي لقمع حرية الصحافة”.
لقد أدركت الأطراف المختلفة –أتحدث هنا عن الماسكة بزمام القرار في السلطة- أن مثل هذا التوجه ليس فقط مستحيلاً مع الادعاءات اليمنية المرافقة للعمل السياسي في الداخل، والعلاقات الدولية تجاه الخارج، بل هو أزيد مما تحتاجه سلطة في دولة كاليمن لا تزال تعاني من عجز في توفير غطاء سياسي لمواجهة حاملي سلاح في محافظة تحد أكثر دول المنطقة حساسية من السلاح ومن الصحافة على حد سواء..
قد يحاول البعض “منهم” استحضار قوة السلطة في دول ما، لكنه سرعان مايكتشف أن مثل هذه المهمة في اليمن مستحيلة، إذ حتى ماتسمى مؤسسات الحكم الضعيفة لا يمكن أن يطلق عليها اسم مؤسسات بالمعنى المهني. لا تزال اليمن بعيدة جداً عن مسمى (دولة قمعية). إنها لا تزال عاجزة بالأساس عن احتكار أدوات القوة والقمع، سواء السلاح أو حتى السجون، والمال؛ لذا أفرج عن سعيد ثابت، وعبدالكريم الخيواني، وارتبك مع خطف جمال عامر الذي كتب هو بيده يدين سلطة تداهن! من تعرف أنهم يرتكبون الحماقات.
هل تتذكرون عبدالرحيم محسن. لقد كاد سجانه ينساه بعد ساعات من إيصاله مُخبَّأً في شواله، ثم فجأة أوصله للسجن العام تحت سمع وبصر النيابة، وأفرج عنه رغم كل ماقيل عن خرقه للقانون والوحدة الوطنية.
وفي المقابل لانزال عاجزين عن الإفراج عن زميل لنا سجنه زميل آخر (هل تتذكرون الأستاذ عبدالهادي ناجي علي وقضيته مع واحدة من أكبر الصحف التي نعتز بها في هذه البلاد “الأيام”)، ولايزال عابد المهذري تحت وطء الخوف ليس من حكم محكمة بسجنه، بل من عنف خارج المحكمة، من شخص لا يقدر أي تأثير لا للجنة الصحفيين ولا لصندوق الألفية، ولا للأمم المتحدة، بسبب أنه ليس صاحب سلطة يمكن أن يشعر بالحرج من ذلك.
ليس هذا تعويما للقضايا، ولا تقليلا من مسؤوليات السلطة وأجهزتها؛ وعلى رأسها جرجرة الصحفيين والصحف للمحاكم كلما شعر مسؤول بصداع من صحفي. وتقف النيابة دوما في صف المسؤول لكأنها لاتعترف بالقانون الذي يساوي بين اليمنيين مع أفضلية لمن قلت قدرته في الدفاع المادي عن نفسه.
لكني أسعى للدفع بالجدل خارج عنق الزجاجة المعتاد، لكي لانجد أنفسنا فعلا كجمال المعصرة.
 
التوجه الرسمي، والفعل الرسمي
تجاه السلطة، المشكلة الحقيقية التي تقتضي الإدراك –حسب رأيي- هي أن التوجه الرسمي والذي يحظى بالقبول لدى كل من رئيس الجمهورية ورئيس حكومته وهو دعم الصحافة، لما تتشكل قوائمه على أرض الواقع. أرجو ملاحظة الفقرة بدقة.
فمع أن رئيس الجمهورية، الذي لطالما ساند الصحافة –في محاولة بالطبع لترويضها كأداة مؤثره في بلد خلق من قلق خاصة ماقبل 2003 ومابعد مايو2005، ورئيس الحكومة الذي لانشك أبدا في أنه لايفضل الحلول القمعية لمثل هكذا وسائل لاتزال رطبة العود في بلد مراكز قواه أكثر من مصالحه-، مع أن كليهما يتبنيان نظريا موقفا إيجابيا من الصحافة والصحفيين، فإنهما لم يهتما بإخراج الرؤية القاتمة التي تحكم أداء أجهزة الحكم المختلفة تجاه الصحافة.
ومع ماتكون من “تعبئة” خاصة بسبب خطابات رئيس الجمهورية المتتالية خلال العامين 2004 و2005م، ضد الصحافة، تحت تأثير أزمة ناشبة تصدت الصحافة خلالها لمناقشة القضايا الحيوية، وبحسب قدرتها بالطبع، فإن ماسماه المحرر السياسي لهذه الصحيفة العدد الماضي من “ربيع الصحافة” لم ينجز فيه الطرفين أي آليات تمنع عودة الأزمة.
وأعني بالأزمة هي خروج ما على القانون من الصحفيين، يقابل بخروج أكثر سواء من أجهزة السلطة المختلفة.
وليس الاختلاف في الرأي، أو محاولات منع الصحافة خفض سقف حريتها المسئولة، أو التغاضي عن سوء استخدام للسلطة هنا أو هناك. فمثل هذه الأزمة لايمكن الوصول لحل بشأنها، فهي لاتزال فاعلة حتى في أعرق المجتمعات ديمقراطية كبريطانيا وأميركا. بل من المؤسف أن عادت صورا سيئة من الانتهاكات التي تسيء أولا للسلطة اليمنية، التي ستجد نفسها مطالبة بإجابات للداخل قبل الخارج. كإغلاق موقع الشورى نت، وشتم أعراض الصحفيين من قبل حراسات محكمة الاستئناف، وملاحقة محمد المقالح بعد نشر مصادر رسمية لبيانات تذكره مع آخرين بالإسم وتهددهم بالقصاص كما فعلت قبائل آل عوض الأسبوع قبل الماضي عقب مقتل أحد أبنائها في خلاف مع قبيلة أخرى.
 
الآليات المهدورة
ويمكن الاستغراب من أن النيابة التي تشكو مثلا من عدم استجابة بعض الصحفيين لدعواتها –ومعها كل الحق في ذلك باعتبارهم مواطنين يتوجب عليهم تلبية الدعوات للنيابات والمحاكم، وإلا خضعوا للقبض القهري- لم تبادر ولا مرة في إغلاق ملف دعوى ما من جهة حكومية، ويعطي هذا صورة لاتحتمل التشويش أن الوظيفة العامة في اليمن هي ضد الصحافة بالمطلق، ومن ثم فواجب نيابة الصحافة هي التنكيل بالصحفي مهما كانت مبررات خصمه واهية “قالت الأسبوع الماضي إن وثائق صحف النداء والوسط ضد مسئول في وزارة الأوقاف ليست نسخا أصلية”!!
ومع أن ثقافة حراسات كثير من الشخصيات الطبيعية والاعتبارية، ثقافة غير قانونية لأنها بالأساس ثقافتنا جميعا، ولا أتفق مطلقا مع الزملاء سواء محمد الغباري أو سامي غالب الذي اعتبروا ماسمعوه من شتائم للصحفيين “ضمن سياسة ممنهجة” تجاه الصحفيين.
غير أن النيابة العامة وغالب المؤسسات الرسمية، مقابل الصحفيين، يعيشون حالات من انعدام الثقة، ليس فقط بسبب الوضع العام للعمل المؤسسي والقانوني المهدور، ولكن لأسباب إضافية لها علاقة بمايقوله الصحفيون من “تحريض” ضد الرأي العام، والإعلام كأهم وسيلة له.
كما أن ثمة علاقة لذلك بالعدائية الدائمة من المؤسسات الرسمية ضد التعديدية الحزبية، ومايستتبع ذلك من ربط للصحافة بالأحزاب “الأعداء”، مقابل اعتبار الصحافة نفسها خصم لازم لكل سلطة، كل ذلك يثمر جوا مشحونا تقود فيه الصحافة –كضحية- خسارة البلد بشكل عام بسلطته ومواطنيه، جهدا وسمعة وحقوقاً. يعزز من ذلك الخصومات الشخصية، وعدم وضوح مبدأ الاستقلال المهني، في بلد تحرص فيه وظائف ومراكز مختلفة على الاحتماء بالسلطة حتى حين إيذائها لمصالح ذات السلطة.
ومقابل ماقلت آنفا إنه انشغال رسمي عن صناعة توجه إيجابي تجاه الصحافة، أو على الأقل إيقاف التوجه السيئ الذي أفرزته سباقات المؤسسات الرسمية للصحفيين في ارتكاب الأخطاء، فإن الصحفيين في المقابل لم يقدموا أي جهد يذكر، وركنوا لأنهم الأقدر على التعبير عن الشكوى.
 
جذور الانتهاكات
إن الفروق بين أدعياء الحرية في اليمن ضئيل للغاية، وكلما ابتعد شخص أو مركز ما عن الاختبار كان في حقيقته أكثر سواء من الذي يملك القدرة حالياً على الإيذاء.
ليس الأمر مجرد تطور في الوعي، بل هو إدراك للتأثيرات السلبية لمثل قمع الحرية، وهو ما لا يدركه سوى مهجوس ببلاد يصبح أقل قدرة على صناعة منغصات الحكم.
إن الأطر النظرية ومن ضمنها ما سميت بمصفوفة الحكومة لتنفيذ البرنامج الانتخابي لرئيس الجمهورية تحسم وبشكل قاطع موضوع الحرية الإعلامية وليس فقط حرية الصحافة. بل نتحدث عن تشريع التعددية في الإذاعة والتلفزة.
سيقول قائل: هذه مجرد (حبر على ورق) وإلا فالقوانين في بلادنا من أحسن ما يكون.
ومع تحفظي على التنازل هذا الذي يشهد للقوانين بكمال ليست هي حقيقته، فإن الصحفيين مطالبون بالاتفاق الواعي أولا.. هل مشكلتنا هي المرجعيات التشريعية أم مخالفة الحكومة أو، بالأصح، النافذون من الحكومة ومن خارجها لهذه المرجعيات.
فإذا كان الجواب هو المرجعيات، فإن الوسط الصحفي وبخاصة نقابته هي آخر من يتحدث عن ذلك.. فهاهي الحكومة تتخذ خطوة مهمة تستحق الاحترام، عبر إيقاف تخبطها لإصدار قانون جديد عن الصحافة، كنا نقول إنها تسعى به لشرعنة وأد حرية التعبير، وتقول، ومنذ مايو الماضي، أنها ستنتظر نقاشاً صحفياً يحدد حاجات الصحفيين وتصوراتهم لقانون جديد، ومنذ ذلك الحين لم يحدث شيء.
ولست هنا مع الذين يقولون إن على النقابة أن تكلف محامياً لهيكلة “قانون”.. بل مع أن يقدم الصحفيون أول تجربة رائدة ليس في اليمن وحسب، بل وفي المنطقة العربية لكيفية صياغة قانون عصري يكتفي بالتصدي لحاجات الحاضر، وليس حسم خلافات نظرية في الماضي أو المستقبل.
المعنى أن يخوض الصحفيون نقاشاَ ولو لمدة عام كامل حول احتياجاتهم الحقيقية كمهتمين وواجباتهم بالتأكيد، ومن ثم تأتي مهمة الخبراء في إعداد القوانين لتلخيص كل ذلك النقاش في قانون واقعي يكون قاصراً عن التصدي للمستقبل، الذي يترك للتجربة العملية فيه، ويكتفي بالحاضر وبما يريده الصحفي، وما يخاف منه، مع عدم إغفال المجتمع الذي هو في الحقيقة أكثر قلقاً من الصحافة من السلطة الرسمية التي تعرف أن بيدها مفاتيح مرنة للتعاطي مع مشكلات الصحافة.
 
ومخالفات خارج القانون
أما المخالفات التي تضرب بالقانون عرض الحائط أصلا، فإني أعتقد أن واجبنا تجاه مهنتنا يفرض علينا شيئا أكثر من التضامن العام، الذي يعبر عنه بإصدار بيان واتهام “السلطة” القامعة والسلام. لقد حقق هذا إنجازات حقيقية تجاه الأحداث التي فعلا سببته هذه السلطة سواء تحت غرور القوة، أو بحكم الخبرة الاجتماعية التي تتقاسمها معنا تجاه الحريات وأولها حرية التعبير.
أما أن نربط كل قضية بالإصلاح الوطني الشامل، وتطهير اليمن من المؤتمر الشعبي العام، وتغيير النظام السياسي، فإننا لن نحقق شيئا على أرض الواقع، وسنكون دوما نشبعهم سبا ويودون بالإبل.
إننا بحاجة للبيان والموقف، وليس هذا تقليلا منه أبدا، ولكنه لفت للانتباه أنه لايكفي لتحقيق إنجاز للصحافة كمهنة وللحرية كقيمة.
ومقابل ذلك ثمة واجبات علينا كأصحاب مهنة تجاه مهنتنا ومجتمعنا وتحولنا السياسي. نريد أن ندير حوارات آمنة حول أدائنا بحيث أن سلوك الصحفي تجاه حزبه، وصحبه هي ذاتها تجاه المؤسسات الأخرى، سواء رفضا للتقديس أو تجنبا للتدليس والإساءة.
لامبرر لأي انتهاك من أي كان، في السلطة أو في الشارع، وفي المقابل يتوجب علينا أن خوض الجدل لتصحيح أدائنا.
إن الإعلام الأحادي، الذي يبذل جهده للدفاع عن نفسه وشيطنة الآخر، لاينتمي للإعلام الذي نتمناه أن يسود، ويتوجب علينا الدفاع عنه. إن الوسيلة التي توزع التهم لمخالفيها هي الخطوة الأولى للانتهاك، وبالطيع فإن كلمة في صحيفة لايمكن مساواتها بقمع عملي تجاه الحرية أو الوظيفة. ولكن لانريد المفاضلة. فلنكن ضد القمع وضد اللامهنية.
نعم إن الظروف المأساوية التي يعيشها كثير من الصحفيين ومؤسساتهم هي واحدة من أسباب عجزهم عن العمل الطبيعي وفقاً لطموحاتهم ومطالبهم من الآخرين، غير أن ذلك لن يحل بمزيد من التخفيف من الشروط الموضوعية والحاجات الحقيقية.
هذا الواقع يجب تغييره ولا سبيل لذلك سوى عمل دؤوب لا يستسهل إدانة الآخرين للتهرب من قصور الذات. لا مناص من تذكير الصحفيين، أنه لولا أخطاء السلطة الذي يرفع رصيدنا في الشارع العام، فإن صورتنا المهنية تزداد سلبية يوما بعد يوم، صحيح أن ثمة دواعي عميقة لا يتحمل الصحفي أي مسئولية عنها، كالوعي بحق الآخر في التعبير والدفاع عن نفسه (الآخر هذا هو مدان ومقصي في الصحوة، كما هو في الميثاق، وفي الثورة كما هو في الوحدوي).
غير أن الصحفي مطالب بالضغط على خبرة هذا المجتمع التي تسكنه أيضا، فتجعله يتعامل كبديل للناس والأحزاب والمواطنين وحتى المحاكم.
إننا ومع روعة الالتفاف حول حق المتهم في الدفاع عن نفسه في قضية الأستاذ (عبد الهادي ناجي علي)، ورفض نشر الحكم الابتدائي، وضرورة استخدام اللغة الحذرة. نهدر حق العشرات ممن يسكنون وعينا باعتبارهم مخالفين للقانون. لن أسمي هنا لأني لا أرى أن أحداً سيدافع عن حريتي في التعبير والاختلاف، لو فعلت.
وكثير من الصحفيين مارسوا أسوأ أنواع الانتهاكات لحقوق الآخرين، وتزيد خطورة ذلك حين يكون مرتديا رداء القداسة الذي يجب أن لا يمس وهو (حرية التعبير).
خلاصة القول إن التضامن الصحفي طويل سلمه، ولايجب التثبيط من دوره الذي يتجاوز الصحافة إلى حماية اليمن كبلد حر وديمقراطي. ولكن يجب صقله ليكون أكثر قدرة على الدفع بالصحافة لتصبح وسيلة عميقة الحضور في الحياة اليومية ليمن بلا انتهاكات.
[email protected]