العتبة إذ تزيح الهامش إلى الحافة.. الصحافة اليمنية في حالة حصار

العتبة إذ تزيح الهامش إلى الحافة.. الصحافة اليمنية في حالة حصار

– المحرر السياسي
احتفى الزميل خالد سلمان -رئيس التحرير السابق لصحيفة «الثوري»- بقرار الحكومة البريطانية منحه حق الإقامة الدائمة، فيما الحصار يشتد على زملائه في اليمن، والاعتداءات تتوالى آخذة أشكالاً جديدة من التنكيل المعنوي والمادي.
مساء الأحد الماضي كان الزميل علي السقاف رئيس تحرير صحيفة «الوحدوي» المعارضة، عُرضة لاعتداء جديد، إذ دهم رجال أمن مقر الصحيفة باحثين عنه وعن معاذ المقطري المحرر في الصحيفة، حاملين معهم أمر قبض قهري صادر من نيابة الصحافة والمطبوعات.
أقتيد المقطري من داخل مكتب الصحيفة، وانتظر رجال الأمن السقاف عند مدخل المبنى. عندما بلغ السقاف المبنى وقف له رجال الأمن بالمرصاد، ثم اقتادوه، هو والمقطري، بطريقة مهينة إلى قسم شرطة النصر.
استطاع السقاف إبلاغ قيادة نقابة الصحفيين بالواقعة عبر اتصال من هاتفه السيار، الذي تم مصادرته فور إنهائه الاتصال. تدخل الزميل نصر طه مصطفى نقيب الصحفيين لدى الجهات المختصة، وبخاصة وزير الداخلية والنائب العام، ساعياً إلى تدارك أي أذى إضافي يلحق بالزميلين. وأثمرت جهوده توجيهاً صادراً من الوزير والنائب العام يقضي بالإفراج عن الزميلين مقابل ضمانة حضورية من الزميل مروان دماج أمين عام النقابة الذي كان ينتظر، رفقة عضوي مجلس النقابة سامي غالب وحمدي البكاري، عند بوابة قسم النصر في حدة.
جهود نقيب الصحفيين أفسدت مخطط التنكيل بالسقاف وزميله المقطري، ما وتَّر أعصاب المنفذين، الذين اضطروا إلى نقلهما إلى النيابة المناوبة توطئةً لاستكمال إجراءات إطلاق سراحهما.
هناك كان الصحفيون على موعد مع انتهاك صارخ ومشين. فبينما عضو النيابة المناوبة يستكمل اجراءات الإفراج عن السقاف والمقطري، كان أحد رجال الأمن يوجه أحط البذاءات ضد عضوي المجلس سامي غالب والبكاري، وزميلهما نجيب اليافعي رئيس تحرير موقع «ناس برس». كان رجل الأمن يطلق السباب من لسانه كأنه يقوم بشيء اعتيادي. طرد الزملاء الثلاثة من أمام باب مكتب النيابة المناوبة (في مقر محكمة استئناف العاصمة)، ثم من حوش المبنى، وهو يهم بالاعتداء عليهم ويدفعهم بيديه إلى خارج المبنى.
صرخ رجل الأمن دون وجل: ما هو الصحفي!؟ الصحفي جزمة! قبل أن يواصل هياجه ضد الصحافة بقذف أمهات الصحفيين عبر صيغ متنوعة تعبرِّ عن جاهزية عالية.
غادر الزملاء الثلاثة الحوش إلى الشارع دون اعتراض، لكن رجل الأمن رفقة سبعة آخرين كانوا داخل المبنى، لحقوا بهم إلى الشارع، للاعتداء عليهم.
كان أغلبهم يحمل أسلحة، وشرع بعضهم بفتح بنادقهم واشهارها في وجه الصحفيين. كانوا عازمين على سحل الصحفيين الثلاثة، لكنهم سمعوا أحد طرائدهم يهاتف سكرتير وزير الداخلية، ويبلغه عن الانتهاك الخطير الذي يمارسه رجال أمن ضد صحفيين يقومون بواجبهم في نصرة زميلين داخل مكتب النيابة. تراجع رجال الأمن وبينهم أشخاص بالزي التقليدي جراء محض صدفة فقط، هي اتصال بسكرتير الوزير في اللحظة الحرجة.
نقابة الصحفيين أدانت الاعتداء الآثم وطالبت بتحقيق فوري لمحاسبة المعتدين. وفي بيان لها اعتبرت النقابة الاعتداء ضد السقاف والزملاء الآخرين نتيجة منطقية لعدم مبادرة الجهات المختصة الى اتخاذ اجراءات ومعالجات بخصوص اعتداءات سابقة طالت زملاء عديدين، بينهم الزميل محمد الغباري مراسل «البيان» الإماراتية، الذي تعرض الشهر الماضي لاعتداء مماثل من قبل حراسة رئاسة الوزراء.
ينعم الزميل خالد سلمان بالأمان في منفاه الاختياري الذي بات وطنه الجديد، هو الذي عاش ملاحقاً بدعاوى الجهات الرسمية، والتهديدات المباشرة والمشفرة بالاعتداء عليه. ومن لندن صرح اول من أمس (أي غداة منحه حق الإقامة الدائمة) بأنه يشعر بالجميل حيال الملكة اليزابيث التي مكنته من الحصول على أسرع قرار بحق الإقامة، هو الصحفي الذي انسل من الوفد الإعلامي المرافق للرئيس علي عبدالله صالح لغرض تغطية مؤتمر المانحين في نوفمبر الماضي، قبل أن يعلن طلب اللجوء من حكومة البلد الذي خاض حزب «خالد» الكفاح المسلح لطرده من جنوب اليمن.
يغبط عشرات الصحفيين المعارضين والمستقلين «خالد» بعدما كان بعضهم يلومه جراء طريقته في اللجوء التي تذكر بـ«صنع الله إبراهيم» الروائي المصري الذي أعلن من منصة تكريمه قبل 3 سنوات رفض جائزة تُمنح برعاية الحكومة المصرية، وغادر القاعة وسط انشداه الرعاة وتصفيق المدعوين. وفي مقابل غبطة زملائه تبدت الحسرة على وجوه خصومه، وبينهم نيابة الصحافة والمطبوعات التي سرَّعت من أدائها مؤخراً محيلة العديد من الصحفيين المستقلين والمعارضين إلى القضاء في دعاوى كيدية، كما حدث لصحيفتي «الوسط» و«النداء» اللتين تواجهان تهماً بالسب وإهانة وزارة الأوقاف، جراء نشرهما تحقيقات معززة بوثائق دامغة تقول النيابة إن هذه الوثائق ليست نسخاً أصلية!
وصدر الشهر الماضي حكم غيابي من محكمة ابتدائية بمحافظة صعدة بسجن الزميل عابد المهذري ناشر ورئيس تحرير صحيفة «الديار»، وحجبت وزارة الاتصالات موقع «الشورى نت»، في إجراء يعبِّر عن عزم السلطات على إحالة الزميل عبدالكريم الخيواني إلى التقاعد، علماً بأنه ليس موظفاً حكومياً، بل صحفي معارض سبق وأن سجن لمدة 7 أشهر، قبل أن يخرج بعفو رئاسي لم يمنع لاحقاً من سيطرة مجموعة مسلحة على مقر صحيفة «الشورى» المعارضة، وطرد أسرة تحريرها إلى الشارع.
في الصيف الماضي عاشت الصحافة اليمنية المستقلة والمعارضة، وكذا مراسلو وسائل الإعلام الخارجية، ما يمكن وصفه بـ«ربيع الصحافة». وقتها كان الرئيس علي عبدالله صالح يعلن برنامجه الانتخابي وفيه وعود وردية للصحافة اليمنية، تبشر بعصر زاهٍ من السلام بين الحكم والصحافة، في حال نجاحه. ويمكن القول إن هدنة مؤقتة لاسترداد الأنفاس، عاشتها الصحافة في فترة الانتخابات الرئاسية. وعدا حكم قاس صدر بحق خالد سلمان عشية الاقتراع قضى بسجنه ومنعه من إدارة أية صحيفة يمنية، أو اعتداءات اعتيادية ناجمة عن احتكاكات يومية بين صحفيين وعناصر أمنية، فإن الصحفيين نعموا بصيف هو الأقل خطراً منذ سنوات.
الشاهد أن الهدنة انتهت، وها هي الانتهاكات تتوالى، ومع الانتهاكات تتزايد الانتقادات من الداخل والخارج لسلوك الحكومة المعادي لحرية الصحافة.
في الأيام القليلة الماضية صدرت بيانات منددة بالحكومة من نقابة الصحفيين ومنظمة صحفيات بلا قيود ومنتدى الاعلاميات.
وعاودت لجنة حماية الصحفيين، وهي منظمة دولية مهمة ومؤثرة، التركيز على أوضاع حرية الصحافة في اليمن. وأصدرت اللجنة بياناً يدين التوجه الرسمي للتشهير بالصحافة اليمنية، وحثت الحكومة على سحب القضايا التي رفعتها ضد عابد المهذري وجمال عامر وعبدالكريم الخيواني. ولفتت إلى أن الخيواني صار موضع استهداف متكرر ومضايقات متواصلة من قبل الحكومة اليمنية.
ويمكن ربط الانتهاكات الأخيرة بالقرار الأمريكي بإعادة اليمن إلى عتبة صندوق تحدي الألفية مجدداً، والذي صدر الشهر الماضي. وربما توجب على الصحفيين اليمنيين الإسهام في تغطية جزء من نفقات الاحتفال الحكومي بهذا النصر التاريخي المؤزر.
ومعلوم أن اليمن طردت سابقاً من العتبة جراء سوء الأداء الحكومي وفساد القضاء، ولكن بدرجة رئيسية بسبب التراجع في مؤشرات حرية الصحافة، والاعتداءات المنهجية على الصحفيين.
عادت الحكومة إلى العتبة، وحان الوقت ليسدد الصحفي ما عليه من متأخرات. لكنه معدم إلا من قلم وحلم، أعزل إلا من كرامة يتحصن داخلها وهامش يتحرك فيه. وإذاً فإنه مطالب بالسداد من حريته وكرامته. وإلا فإن عليه أن يتزحزح بهامشه الذي يفاخر به أقرانه في الجزيرة والخليج، إلى الحافة. عليه أن يلعب، باختياره هو، دور البهلوان داخل الهامش، والإ فإنه سيضطر إلى اكتساب مهارات البهلوان ليستطيع الصمود حياً، بكل ما في الكلمة من معنى، عند حافة الخطر، إلى أن تُطرد حكومة بلاده مجدداً من العتبة.