المهاتمامعك؟ – فكري قاسم

المهاتمامعك؟ – فكري قاسم

العمارة التعيسة التي سكنت فيها قبل أعوام.. أطلق عليها أهالي الحارة اسم “عمارة أعوذ بالله؟!” ليس لأنها مسكونة بالجن كما قد يتصور البعض، بل لأن مالكها -صاحب العقار- جني من حق الجن؟! ويعمل بنظام المقايضة السريعة. يعني: ما فيش معك إيجار هذا الشهر؟ خلاص يا مواطن، هات ما معك, أي شيء معك: سرير.. أسطوانات غاز.. موكيت.. مسجلة.. تلفزيون.. أي حاجة، المهم ألا يعود خالي الوفاض.
وربما لهذا السبب لم يجد السكان الغلابا وسيلة للتسلية والضحك غير أن يسموا صاحب العمارة بالشيخ “هتمامعكـ”..
بالمناسبة.. يقول كثير من السكان ان الشيخ (هات مامعك) يشبه الحكومة في كثير من الأشياء.
فهو حد قولهم يرفع سعر الإيجار،وقيمة الاستهلاك بمزاجه.
ويقطع على السكان الماء والكهرباء بمزاجه أيضاً؟! واما قدرة الله سبحانه تعالى فيما يخص انه يخلق من الشبه أربعين, تتجلى بوضوح عندما يقوم صاحبنا “المهتما معكـ” بَزياراته التفقدية لسكان العمارة أواخر كل شهر، يرافقه في تلك الزيارة السعيدة عسكري (adidas) صنع خصيصاً لملاحقة وإهانة المستأجرين الذين دخل عليهم الشهر الجديد، وهم -بلا نقود- طفارى “غُبر دُبر” يصفقون لبرنامج الإصلاحات الاقتصادية، ولعسكري الشيخ الذي يتحول لحظتها إلى “جرانديزر” بجد. يزبط (يركل) هذا، ويسحب ذاك, ويرمي بعفش آخر من النافذة؟! وهو ينشد بحماس:
بَرَّع يا طفران.. بَرَّه؟!
من بيت الإيجار.. بره؟!
برع وإلا الليلة يقع لك سحبال؟!
بَرَّة..
على فكرة..غير مرة طلبني لأمر قال انه مهم جدا, وخير اللهم أجعله خير، ذهبت إليه بسرعة الريح، ولما وصلت وجدته في إحدى زوايا ديوانه الكبير، يجلس، منتشيا يلوك عجينة قات بجهتي فمه.
بدا وجهه منتفخا بالصلاة على النبي: الجهة الشمال منفوخة قات.. واليمين مثلها.. وبينهما رأس صغير,أول ما رأيته للأمانة. كنت أظنه شعار الفضائية اليمنية الجديد (يمن).
المهم.. صاحبنا يومها كان “مُكيف واخر انبساط.. وناداني لكي يكشف لي سراً خطيراً.. خطيراً جداً؟!
 ومن دون مقدمات، ولا مؤخرات.. مبروك عليكم يا شباب.. صاحب العمارة طلع واحد من الثوار (؟!) هكذا أخبرني.. واضاف إنه موش بسيط ابدا.. فهو حد قوله كان أول من أشعل شرارة ثورة 26سبتمبر المجيدة من داخل فرن “الكُدم” وهو –ايضا- الذي عجن الثورة، وخبزها, والجبناء,حسبما تنهد امامي يومها: أااح.. أح.. أكلوها لوحدهم (؟!).
شخصيا لا اعرف من يقصد بالجبناء, ولكنهم- للأمانة- أضاعوه, وأي مُخزِّنٍ أضاعوا؟!
تفاعلت مع ما طرحه من هدار,مش عارف ليش؟
قلت له: انا فخور بك يا شيخ. اظنه ابتسم, او..ربما فتح فمه بصعوبة ليحشيه ببضعة من اوراق القات.
انا متأكد جيدا انه ابتسم.فعلا,هو ابتسم.
ومن الآن وصاعداً.. إذا كان الهنود مثلاً يكابرون بشخصية الثائر الهندي العظيم “المهاتما غاندي” فمن حق سكان عمارة (اعوذ بالله) أن يكابروا بشخصية صاحبها الثائر العظيم (المهاتمامعك) وما فيش حد أحسن من حد.
المهاتما غاندي طرد المستعمر من بلاده.. وصاحبنا “المهاتما معكـ” طرد المُستأجرمن بيته؟! واستولى على عفشه ولعب أطفاله، وأخذ عليه المذياع الذي كان يخبر سكان العمارة ليل نهار، أن الأمن والاستقرار يسودان المنطقة؟!قه,قه,قه.
“مسكينة هذه الثورة.. كل من قرح معه القات(انتشى بفعل القات) أو مشى من جوار المتحف, قال أنا من الثوار؟! وما أكثر “المُطششين” في بلادي,أنا واحد منهم طبعا,ذلك لأن القات قرح معي يومها، ورحت أنفخ صاحب العمارة مثل البالون -فقط- لعلي أحصل منه على تخفيض من مبلغ الإيجار الذي دفعه ظلما وعدواناً أواخر كل شهر؟!
ومثل كل الذين يحلفون يميناً دستورياً, من بعد الثورة العربية إلى الآن, رحت أنا الآخر أحلف للشيخ يمين “دسنتاري” بأنني لم أختر السكن في هذه العمارة “المباركة!” إلا لكي أكون قريباً من الثورة ومن رجالها الاوفياء. طامعا -والحديث موجه بحميمية اليه- ان أحقق لنفسي من الشهرة والنجومية مثل تلك التي حققوها لأنفسهم،الموسيقارمحمد عبدالوهاب، وعبد الحليم حافظ وام كلثوم وهيكل, حينما جاورا الثورة في مصر وعاشوا طيلة حياتهم والكلام هنا- وبتركيز تام -موجه اليه– عاشوا ياشيخنا في بيوت وفلل بلا ما”يدفعوا” إيجار,الا لما يفتح الله عليهم.
وأحياناً ياشيخنا,حرام ما كانوا يدفعوا ريال واحد.
كان يسمعني ويفرك لحيته,اظنه يفكر بطريقة تجعلني قريبا منه.وانتهى حديثنا بوداع حار, وابتسامات رضى, من طرفي انا فقط.
هو كان بوده ان يبتسم, لكنه على ما اعتقد, اجل ذلك لأسباب -وجيهة-متعلقة بعجينة القات المتكورة داخل فكيه.
 يومها طبعاً.. نام صاحب العمارة,المناضل الجسور الشيخ المهاتمامعك نوم الملوك والسلاطين..واظن انني ولو كنت بقيت إلى جواره عشر دقائق زيادة فقط.. لأخبرني بنفس الحماس, أنه هو-ايضا- الذي فجر الثورة “الفرن, سيَّه” من داخل (فرن الكدم)* أيضاً؟!
أما أنا فقد عدت -يومها- إلى شقتي مُرتاح الضمير.. ومتأكد الف في المائة أنني لن أدفع إيجاراً في هذا الشهر الذي من المقرر انتهائه بعد خمسة ايام ولا حتى بعد سنة؟!وكان التاريخ يومها قد وصل (25) من الشهر.
وكان انتهاء الشهربالنسبة لنا -جميع الساكنين- شيئا مقلقا بجد.
 لكنني يومها,ولأول مرة منذُ أن سكنت “عمارة أعوذ بالله” أنام وأنا مطمئن.
ما اروع الاحساس بأنك انهيت مشكلة اكلت –طويلا-شعررأسك.
مسترخيا كطفل وضعت رأسي على مخدة,انتبهت لأول مرة ان عليها عبارة لم تكن تعنيني من قبل, هي:احلام سعيدة.
وفي المنام, زارني المناضل الجسور (المهات مامعك) وكان -باقتدار- يقود (دبابة) كتلك التي ضربت دار البشائر في أول يوم للثورة السبتمبرية المجيدة.
 لقد خفت في أول الأمر, لكنه عندما خرج من داخلها ببزة عسكرية انيقة,وربت بإحدى يديه على كتفي بحنان,كأنني طفل صغير,ومن واجبه ان يطمئنه,وبصوت طري وجدته يخبرني:
– خلاص يا ابني هذه العمارة ملكك أنت والمستأجرين.. أسكنوا فيها على راحتكم.. وهذا الرأس لكم؟! (مندهشا,رحت أساله بصوت مبحوح):
– طيب والإيجار؟
رد بملامح مفعمة بالشهامة والكرم).
– بلا ايجار بلا كلام فاضي, نحن الثوار أجرنا عندالله يا ولدي!
– طيب وأجرة العسكري حقك,على من؟هو كل شهر يبهذل السكان يشتي اجرته.
– هذا كان قبل الثورة
قالها غاضبا,واردف بحزم واصبعه تؤشر باتجاه الدبابة:
– أما اليوم خلاص أجرة العُكفي انتهت, وهذه الدبابة تشهد.
ومضى يقودها بشموخ وهو يغني من ارشيف الثورة:
” يا شاكي السلاح.. شوف الفجر لاح
حط يدك على المدفع..زمان الذل راح..
يا سلاااااااام.. ما اجمل ان يشعر المرء بدفء وحنان الثورة.
نمت عميييييقا كالبحر.. مبتسما كلاعب سيرك محترف.
– ياغارتااااااااااااااااااااه, يادولتاااااااااااااااه, اشهدوا لي على العسكري، اخذ العفش وراح.
اشبه بدوي انفجار اتاني من بعيد,اقترب, واقترب,ثم امتلأت طبلة اذني بصراخ كما لو انه فض بكارة نومي.
استيقضت على الصراخ اعلاه,وعرفت انه صوت جارتنا ام حسن.
يا ساتر يا الله.. أيش حدث(تدليت من النافذة اسأل)
قال احدالجيران متأففا:
-صاحب العمارة أرسل حقه العسكري يطرد الناس الذي ما دفعوش الإيجار؟!
وكانت ام حسن تتحدث بغلب:
شندفع له الايجار مع المتأخرات كلها اخر الشهر,ما احد انكره, لكن عاد إحنا اليوم في 26من الشهر,من اين نعطيه؟ الناس بلا رواتب للان.
كنت كمن يحاول طمأنتها بأن الثورة قامت,وبأن الشيخ المهاتمامعك خلاص سامح,غير ان العسكري المكلف بجمع الايجار شهريا, بدا يتحدث بغرور كمن يقرأ مرسوما جمهوري طازج, ذكر فيه -وبثقة وحماس شديدين- ان الوالد المناضل صاحب العمارة فجر الثورة يوم (26سبتمبر).
وإجلالاً وتقديراً له و للثورة الجيدة فإن على جميع السكان من الآن وصاعداً أن يدفعوا الإيجار يوم (26) من كل شهر؛ ومن يتخلف عن ذلك سيكون مصيره الطرد من العمارة,تماما مثلما سبق له وأن طرد أسرة حميد الدين من البلاد بأكملها..
واختتم مرسومه الجمهوري يقول:وقد اعذر من انذر, اهه.
لحظتها فقط شعرت كم نحن موفقون كثيراً,حين لم يقل المناضل الجسور (المهاتما معك) يومها انه ايضا فجر ثورة ال14من أكتوبر المجيدة,داحرا المستعمر البريطاني من جنوب الوطن. طن,, طن,, طنننننن.
[email protected]