حرب صعدة.. «الفتنة غير النائمة» – عبدالباري طاهر

حرب صعدة.. «الفتنة غير النائمة» – عبدالباري طاهر

مجدداً عادت حرب صعدة أشرس من انفجارها الأول عام 2004.
لا يمكن الحديث عن معالجات هذه الحرب الشائنة، بدون تشخيص الحالة العامة في اليمن، وتحديداً في صعدة. فاليمن المعاصر ابتلي بالحرب والاقتتال القبلي على مدى القرن الماضي. وإذا كانت حرب الجمهوريين و الملكين (1962-1968) وحروب التحرير والثورة المضادة في الجنوب (1963-1972)، وحربا الشمال و الجنوب (1972-1979)، و حرب 1994، وحروب متفرقة هنا وهناك، وفتن داخلية و نزاعات و ثارات قبلية تبدأ ولا تنتهي؛ فإن حرب صعدة المتكررة هي لحظة الجرح النازف الأشد إيلاماً و الأكثر خطورة. فجبال صعدة الوعرة و الشاهقة و بيئتها القبلية المحاربة على مدى عدة قرون، كانت دائما ذخيرة الإمامة الزيدية في مقارعة الوجود الخارجي أو الدولة المركزية في صنعاء. وفي كل حروب الأئمة الزيديين من آل البيت كانت صعدة و حجة و رداع وخولان، الخزان الكبير لوقود هذه الحروب. و قد استعصت هذه المناطق على الصليحيين والأيوبيين والرسوليين والأتراك، وحتى النجدة القومية المصرية (1962-1967). فصعدة (كحَجَّة) يتمازج فيها البنية القبلية المغلقة و مبدأ “الخروج” الزيدي، وهو مبدأ ثوري وظفته الإمامة و القبيلة للتمرد الدائم و المستمر ضد الدولة المركزية، وضد الأمن و السلام والاستقراروفي تبرير الدائم للاستيلاء على السلطة ونهب المدن و المناطق الزراعية. فهو مبدأ ” جهادي” بامتياز. و عندما نتحدث عن صعدة و حجة والجوف فإننا نتحدث عن القبيلتين الكبيرتين: حاشد و بكيل. و تبقى التركيبة القبلية مصدر إعاقة بناء الدولة المركزية الحديثة، وحاجزا حقيقياً إزاء الدمقرطة الحقيقية و الحداثة.
وتمتلك المدن اليمنية، خصوصا في الشمال، وتحديدا مدينة صنعاء -العاصمة التاريخية، ذاكرة مفجوعة للاجتياحات القبلية عبر تاريخ دامٍ و طويل، كان آخرها في 48. و يعود فشل الحصار لهذه المدينة عام 68، والذي استمر قرابة السبعين يوما، إلى قوة مجتمعها المديني الحديث الآتي من مختلف مناطق اليمن، ووجود جيش وأمن شبه حديثين، ومقاومة شعبية.
حرب الثماني سنوات عزلت صعدة عن محيطها اليمني و عن التطورات العامة في اليمن كلها. فقد ظلت صعدة كما أراد لها الإمام محمد البدر، موئلا لحب ” آل البيت “، بعيدة عن التعليم الحديث، وعن الثورات والتيارات الحداثية التي تهب على المنطقة العربية ويصل تأثيرها إلى المدن اليمنية المتوكلية: صنعاء، تعز، الحديدة، إب. وكان البدر في آخر رسالة لعمه الحسن في أسبوع قيام الثورة عام 62، اقترح عزل صعدة و حجة و الجوف حتى لا يصلها تأثير العلم الحديث و الثورة القومية.
 في العام 1970 سقطت صعدة بيد ” قوات الملكية ” التي كانت قد ضعفت إلى حد بعيد بعد انكسار حصار السبعين يوما 68. ويبدو أن سقوط المدينة الذي استمر بضعة أشهر كان ضروريا لتبرير المصالحة مع الملكيين و مع الشقيقة الكبرى (السعودية) حسب التسمية حينها في اليمن.
مطلع الثمانينات وبعد فشل تمرد جهيمان العتيبي في الحرم المكي، توجه أحد أتباعه (مقبل هادي الوادعي) إلى منطقة (دماج) في صعدة لنشر الدعوة السلفية الوهابية. وربما رأت فيه العربية السعودية متنفسا للاحتقان السلفي في ديارها وبداية تحسب لرياح الثورة الإيرانية التي كانت في أوج اشتعالها. أما اليمن التي دعمته أيضا فقد قرأت رسالة الصراع الكالح مع بقايا معتقدات بيت حميد الدين، ومواجهة مع التيارات اليسارية والثورية في عدن وشوارع مدن الشمال. ولقي الشيخ مقبل هادي الوادعي (يرحمه الله) دعم الحكومتين: اليمنية والسعودية. وكان نشر المذهب الوهابي في معقل الزيدية التاريخي بداية بذر الصراع الطائفي الأعمى في بيئة شديدة التعقيد، وعصبيات ما قبل الدولة.
وعندما بدأ ارتباط صعدة بجسد الدولة في صنعاء في الثمانينات، كان “سوق الطلح” فيها قد تحول إلى سوق سلاح لليمن كلها. وسُمح للعربية السعودية ببناء مستشفى هو الوحيد في منطقة حدودية. وترافد التعليم الدعوي الجهادي مع تجارة السلاح. وتوافدت أعداد كبيرة من جنسيات مختلفة بما فيها الأوروبية والأمريكية. وأسهم “معهد دماج” في رفد الجهاد الإسلامي في أكثر من منطقة ملتهبة، وبالأخص في أفغانستان. ونشر المعهد ثقافة الإرهاب والكراهية والتفسيق والتكفير، ونشر كوادره الدعوية في مختلف مناطق اليمن.
وقد لعبت كودار “معهد دماج” السلفي كبقية المعاهد الدينية الاخوانية في الشمال، دوراً في مقارعة التيار اليساري والقومي، ووظفوا أيما توظيف في حرب 94. وبعد الحرب تحولت وظيفة “معهد دماج” خاصة إلى مواجهة مع التجمع اليمني للإصلاح، الذي انخرط في العمل السياسي، وقبل باللعبة الديمقراطية، في حين كان الوادعي يرى فيها انحرافاً عن الدين وقبولا بغير حاكمية الله، وعبادة أصنام جديدة. وكتابه (أي: مقبل الوادعي) “الخروج من الفتنة” البداية الحقيقية لفتنة صعدة. وما خفي كان أعظم.
لا شك في أن الثورة الإيرانية رافعة كبيرة لأدلجة التدين وإعادة الصياغة لتسييس التشيع الذي هو(كالسني) ليس بعيداً عن السياسة، منذ النشأة. فكلاهما (السني والشيعي) قد ولدا من رحم الاختلاف على الإمامة والأحق بها من الطائفتين ورموزهما!
 وجرح صعدة الدامي و النازف لا ينبغي أن يقرأ فقط من كتاب “متن الأزهار” أو “الغاية” أو “الكافلـ” أو حتى من “بحار الأنوار” للمجلسي، وإنما أيضاً وهذا هو الأهم من مجمل سياسات اليمن منذ الثورة، وخطط التنمية غير المتوازنة وغير العادلة. فقد دخلت الدبابة صعدة قبل الاهتمام بالطريق، وقبل المدرسة، وقبل مياه الشرب النظيفة، وقبل مساعدة المزارعين، وبناء المستوصف، وفرض هيبة الدولة واحترام النظام والقانون.
إن غياب العدالة في توزيع المشاريع الخدمية، والحرص الشديد على التركيبة القبائلية، ورفض التحديث، بل والعودة غير المجيدة لزرع بذور الطائفية والتعليم الطوائفي (المعاهد الدينية سابقاً وجامعة الإيمان والمعاهد السلفية وحركات التصوف)، واحتفاء الدولة و تشجيعها للتيارات السلفية الوهابية والشافعية يخلق تحفزاً ونعرة لإحياء المذهب الحاكم منذ أكثر من ألف عام. وإذا كان من حق الناس أن يعتنقوا ماشاؤوا. وأن يحافظوا كما يشاؤون على معتقداتهم وقيمهم، فليس من حق الدولة تشجيع طرف ضد آخر أو اللعب بهذه المعتقدات و تسخيرها و الزج بها في اليومي و الصراعات السياسية، أو الانتخابات.
ما يجري في صعدة مظهر من مظاهر فشل مجمل سياسات الحكم في اليمن. وهو غير معزول عما يشهده العالم بعد أحداث ال11 من سبتمبر. فحرب أمريكا ضد الإرهاب هي الإرهاب عينه. والاستجابة المفرطة في المنطقة العربية يفجر صراعات داخلية مدمرة. وأنموذج العراق يراد له أن يمتد إلى فلسطين والصومال ودارفور ولبنان والسعودية واليمن.
والفاجع أن هذا التوجه الامبريالي يلقى الاستجابة في الحكم العربي والإسلامي رغم استهدافه للعرب والمسلمين أكثر من أي طرف. فبماذا نفسر الانجرار السريع للقتال المتكرر من قبل الدولة في صعدة!؟ فالتبرير بتهديد الحوثيين لليهود لا يكفي لإعلان الحرب، خصوصاً إذا ما تذكرنا أن الدولة نفسها قبل عامين اتهمت اليهود في صعدة بالقتال إلى جانب الحوثي.
ويقينا فإن اليهود اليمنيين لا ينبغي أن يكونوا لعبة في الصراع الدامي سواء من قبل الدولة أم من قبل المتمردين؛ فلا عددهم ولا وزنهم يسمح بدعاوى من هذا النوع. وعلينا أن ندرك أن الخلافات وحتى الصراع السياسي يمكن حصره والتحكم فيه. أما الصراعات الدينية و الطوائفية فإنها الأشد خطورة والأكثر ضرراً، لاندغامها بالبنية الحربية القبلية، خصوصاً في منطقة كصعدة.
 إن الفتنة في صعدة لا تحسم بالسلاح. وحتى إذا ما استطاعت الدولة حسم المعركة، وهي قادرة، فإن جذوة القتال ستبقى موجودة، وستعود في أية لحظة، ما لم يتم القضاء على الأسباب والعوامل الماثلة في حرمان المنطقة من الخدمات والإصلاحات، وربط المنطقة بالجسد اليمني و جسم الدولة، والعمل على تمدينها وتحديثها، والأهم: عدم اللعب بالأوراق الطائفية أو النزاعات العشائرية والقبلية والسلالية.