التعليم في قبضة السياسة: ضبظ نقاوة الولاء، والتضحية بالمعلمين والثيران!

التعليم في قبضة السياسة: ضبظ نقاوة الولاء، والتضحية بالمعلمين والثيران!

التعليم في قبضة السياسة

إن أحداً، مهما كانت درجة خصاميته للحقيقة، سوف لن يستطيع التعمية على فرضية مؤداها: إن التعليم في اليمن ينحسر بشكل مذهل نحو مجاهيل معلومة الزوايا.
ليكن! سنتعامل مع الأمر بوصفه افتراضاً، ومن مربع التخدير ليس إلا.
بأي حال، تالياً ملف مكرس، للخوض في أغوار مفسرة مريعة وكما تحيل المعلم والطالب إلى خصمي سياسة لا قطبي تمازج علمي تربوي، هي بالتحديد صبغ اجهزة وطنية بطيف سياسي واحد.
هذا، علاوة على كون انسحاب الصراع السياسي على المدارس، أمر فادح ويثير الدهشة، إذ انسحابه سيرتب اجراءات قمع وإقصاء، تُتخذ ضد خصوم من طيف سياسي آخر، أو أيضاً إجبار الطلاب على السير في ركاب حراك سياسي معين.
وعلى الجملة، فاكتساح التسييس صفوف التعليم الاساسي والثانوي حصد ضحايا، هم يدفعون ثمن خيارات أو مقاومة املاءات ذات طابع سياسي.
والتسييس، ليس هو لب الوجع التعليمي، فثمة العنف ضد المعلم واعادة ترميم المناهج. غير أن التسييس كمحور بهذا الملف يفرز مظالم جمة ولا يمكن حصرها.
كانت «النداء» معنية بالتعاطي مع سلوك إداري مضر يحتفي بالمزاج السياسي المفرد كوالٍ أوحد على اجزاء وتفصيلات التعليم والتربية.
عشرات الكوادر التي كان لها أسبقية ما، في مجال مهنتهم عوقبوا وشذرتهم أيادٍ غير مسؤولة.
معلمون خاضوا أنشطة مطلبية ودفعوا فاتورة سلوكهم من سكينتهم. إذ ترتب على ذلك اعادة توزيع «نفي» وتغييب واستغناء.
حقاً هو وجع ممض، وأكلافه باهضة، ومفيد تنقية المفاسد لا نتف الكفاءات بجرائر لا تستساغ.

 
***
 
 
عن ضبط نقاوة الولاء – محمد العلائي
 

يبدو دائماً, أنه لا أشد فتكاً بالتعليم من ترجيح سياسات التنقية الحزبية على ما عداها, وأبعد من ذلك, اشتراطها لدى اختيار القيادات التربوية، تحديداً.
اعتماد النقاوة الولائية للحزب الحاكم، واستمالة اللوائح ومواءمتها مع اشتراطات “إحكام القبضة”، شيئان يثقلان قوائم العملية التعليمية، جملة, بل هما عث أكول وجارَّا التعليم إلى الفراغ.
وليس من تجن يذكر، فيما لو استحضر المتابع، في هذا السياق، مفاعيل، أكثف نتونة مما ينبغي، مفاعيل تزيا بها الموسم الانتخابي المنقضي, سيئ الصيت.
هي, المفاعيل، ستقود متتبع مسارها إلى إدراك كم أن الظلم باهضا، وكيف انه جدير بنا نتفه كما لو كان نبتة مؤذية للغاية.
أبنية المدارس، بالتحديد، كانت مطرحاً ناعماً لمعتوهي الحياة: حياتنا. وهنا نماذج, مع ذلك هي ليست بما يوازي الحاصل فعلا.
 صارت, أفنية المدارس مجالد قبيحة لأي متلبس برأي مخالف، أو يحمل مطلباً بعينه. هذا ما يحصل حقاً.
سوف لا نستطيع مثلاِ، تخطي إقحام طالبات في طوابير تنكرية. فمديرة مدرسة في الأمانة أجبرت طالبات على ارتداء حمالات الصدر (السنتيان) ليظهرن أكبر من العمر الذي هن فيه, وبالتالي تضليل لجنة القيد والتسجيل واعتمادهن كناخبات.
لم تكتف السيدة المديرة بذلك، إذ كلفت وكيلتها بترقيم أحذيتهن بالرقم (18) ليتم التحايل لو طُلب القسم فيكون الحلف: «أقسم أنني فوق ال18»، مضافاً إلى ما سبق، قسرهن على ارتداء النقاب لتكتمل شعائر التنكر.
مهما يكن, لكأن مديرة مدرسة “مجمع الثورة”، -مديرية آزال، شاويش زنزانة لا أكثر، حين قررت احتجاز مدرسات لم يستجبن لأوامر استصدرتها تقضي بوجوبية حضور مهرجان مرشح المؤتمر للرئاسة. كان حبسا قسرياً. وهي لم تضطر أصلا لاستيجاد غطاء أخلاقي من أي نوع للتذرع به.
بالمقابل، والمديرة نفسها، اجتاحت المعلمات بحزمة مضايقات وإيذاءات, بجريرة حضورهن مهرجان مرشح المعارضة علاوة على أنها قررت أيضا تغييبهن ثلاثة أيام، ولو حضرن حتى.
ليس ذاك فحسب، المديرة ذاتها، وبالرغم مما سبق، استضافت مرشح المؤتمر لمجلس المحافظة، وألقى خطاباً سياسيا، وككل مرة لم يكن يتوجب عليها استحضار أية مسوغات، ولمن؟ لو أردنا الدقة.
إلى ذلك، كان المحو التام، من نصيب مدرسة الكيمياء بمدرسة “بلقيس” -مديرية التحرير، وعضوة الهيئة الإدارية لنقابة المعلمين، بتهمة مشاركتها في إضراب نفذته الأخيرة.
 لم تحتط مديرة “بلقيس” أبداً لفكرة أنه لا بديل يحمل التخصص الذي استغنت عنه، هي استغنت وفقط، وأي كان لم يفلح في إعادتها.
وأثناء مشاركته زملاءه, في احتجاج الشارات الأنيق, تعرض إبراهيم العتمي عضو الهيئة الإدارية لنقابة المعلمين، للترويع. ولولا أن حال زملاؤه دون اعتقاله لكان ساقه ضابط امن سياسي إلى السجن الأكثر رعباً.
حقائق نفيها مجرد تجديف
بالواقع، لا يسع أحد نكران وقائع تفقأ العين. فليس هيناً مثلاً, أن المناطق التعليمية في الأمانة وتعدادها عشر، كل مدرائها قياديون في الحزب الحاكم. وليس تلقائياً, ومن باب المصادفة أنه, كيما تتحقق النقاوة، يبعد كل من: محمد المعلم مدير مكتب بني الحارث التعليمي، ناصر الحداد (التحرير)، عبدالغني علي قائد(شعوب)، مطهر الكبسي (آزال). وهذا الأخير جازف بأن ترافع مع الوزارة لدى القضاء وبعد جملة محاكمات كان منطوق الحكم يقضي بإعادته. إلا أن حكم الحزب أمضى من أي شيء آخر حتى القضاء، أي لكونه ليس مؤتمريا لا نفاذ لأي حكم، مهما كان عادلاً.
وضمن الواقعات التي تعضد فكرة أن سياسة التعيين مسنودة برؤية حزبية صافية، خلو مدارس العاصمة البالغة قرابة500 مدرسة (عدا 5٪) من أي مدير محسوب على المعارضة. يحدث هذا منذ العام 2000, حسب إحصاءات ذات صلة بالتعليم.
بالطبع، حيال ما مضى، يبدو غير مجد سوق انكارات مسؤولين هم في الواقع قياديون في الحزب الذي نحن في صدده. فمدير مكتب التربية بأمانة العاصمة محمد الفضلي، شأن غيره، نفى لـ«النداء» وجود أي أسس أخرى, غير التربوية, عند التعيين. وزاد: “إن الاختيار يتم طبقاً لمواصفات شخصية وقيادية يستطيع معها القائم بالعمل رفد العملية التربوية”.
ومثله، فعل، زيد الشاطبي، مدير التعليم في مديرية الوحدة. إذ اعتبر أن المعيار الحقيقي تربوي في الأساس، وان الرقابة تؤدي دورها في هذا المجال.
ليكن، نفي الفضلي صحيح. لكن لماذا يبعد أصحاب المؤهلات ويؤتى ببدائل اقل تأهيلاً منهم؟! وعندنا نماذج لا يمكن سوقها الآن. ثم ماذا يعني إبعاد حسن الخولاني من شعبة التعليم في مكتب الأمانة؟
وعلى الدوام، كان الشيء الأقل إدهاشا احتدام الاستقطاب السياسي داخل الجامعات، وظلت الأخيرة موئل شكوى الأنظمة الحاكمة ذات المنهج الإبعادي للمناوئ والمغاير. وفي اليمن لا أحد يخفاه أمر كهذا. ما يدهش بالفعل، هو تسيد الحزب الحاكم على بنية المنظومة التعليمية للمرحلتين الأساسية والثانوية وتجييرهما بأكثر ما ينبغي من البجاحة لحساب حراكه السياسي ولا من صاد له.
لا بد أنها(المدارس) آلت إلى مطلق هراوة جلد أو بالمقابل جزرة مكافأة وغواية.
إن إعطابا بخسا يجري الآن لأرواح طفولة غضة, يتم تحت لوافت عدة وصيرورتها واحدة.
[email protected]
 
 
 
***
 
مدير، والمؤهل: مؤتمر
 
 
هذه، إذاً، أم الثبوتيات. نحن أمام مشهدية صارخة، لا يراهن فيها المرء إلا على نسبة موالاته. مشهدية، الموالاة فيها سيدة الموقف.
على أية حال، مدير ووكيل مدرسة «الصديق» في مديرية الحسين محافظة ريمة، استبدلا  بآخرين يحملان الثانوية العامة، ولا من خبرة لهما تذكر.
 الأخيران متسلحان برتب حزبية أوصلتهما إلى استلاب الامر من اهله وحيازته قسراً.
ومعلوم، المقتضيات القانونية واللوائحية تشترط المؤهل الجامعي والخبرة 5 سنوات، للذي سيعتلي إدارة مدرسة.
الإجراء أوعز للأهالي، أن شيئاً ما غير سوي البتة، فاتجهوا بدورهم إلى السلطة المحلية  ومكتب التربية بالمحافظة. فكوفئوا، وفي اللحظة نفسها، بحبس ثلاثة منهم: عبدالله يوسف، علي عبده جابر، يوسف صالح الحوري. تالياً، ابتعثت لجنة إلى المدرسة، قامت باعمال الجرد، وتسليمها، المدرسة، غصباً، للمديرين المكلفين، اللذين بغير ما مؤهل.
احمد النهاري، المدير المبعد، شخص له ثقل اجتماعي وإداري عارم. الأمر الذي استفز من يعنيهم فقط حيازة اي شيء مهما كانوا غير جديرين.
الاشد مرارة، ان الذي اجرى التغيير الاداري لا شأن له بالتعليم مطلقاً، فمدير المديرية، خارج نطاق عمله تعيين المدراء التربويين.

 
***
 

المدرس ده حيطلع وكيل – نبيل قاسم
 

تعتبر  مسألة التعيينات في مجال التربية والتعليم ذات انسجام فريد وتتم بفنية عالية: في البدء يتم اختيار رئيس الصف الذي يجب أن تتوافر فيه مجموعة من الصفات، منها أن يكون عنيفاً مع زملائه حتى أن بعض التلاميذ يكسبون رئيس الصف عبر الرشوة، ويجب ان يكون متعاوناً مع الإدارة، والإدارة تساعد أحياناً على نجاحه وعلى زيادة درجاته، ومن هنا يفهم رؤساء الفصول آلية العمل  وبإتقان، ويقومون بمهام مالية تتعلق بجمع النقود التي تتعلق بنشاط ما.
في صباح ما، كنا -مجموعة معلمين- مجتمعين في فترة الراحة المدرسية في إنتظار عودة التلاميذ إلى فصولهم. كان معنا أحد المدرسين الجدد، لم يمض على التحاقه بالمدرسة سوى اسبوع واحد. في تلك اللحظة كان مشغولاً بحساب النقود التي بيده، فقد أخذ نقوداً من الطلاب من أجل تصوير الإختبار الشهري،  وبعد فترة عرفنا أنه يأخذ ضعف المبلغ الذي يطلبه معلم آخر. وفي تلك اللحظة ايضاً وحين كان منهمكاً في عد النقود، قال لي أحد المعلمين المصريين بصوت خفيض: «بص يا أستاذ نبيل، المدرس ده حا يطلع وكيل». وبالفعل لم تمض ستة أشهر إلا وتعين وكيلاً لمدرسة في قريته.
هناك جانب مالي في تعيين رؤساء الفصول،  وهناك جانب مالي في تعيين وكلاء المدارس، وهناك بالضرورة جانب مالي في تعيين مدراء المدارس. هذا الجانب المالي هو المعيار الأساس حتى لمسألة تعيين الطالب في المدرسة!!
خلال عملي في سلك التدريس في «ثانوية الكويت»، لا أذكر أن إدارة المدرسة قد اقتصّت من راتب أي معلم، في حين ان كثيراً من المعلمين في مدارس أخرى يقدمون شكاوى تتعلق بهذا الموضوع أيضاً.
وحتى جاءت المجالس المحلية لتلعب دوراً بوليسياً مالياً شديد التعقيد، وبدأت في مراقبة ومتابعة والاقتصاص من رواتب المعلمين بل وإيقاف رواتب البعض. ولي شخصياً تجربة سيئة مع هذه المجالس لا أرغب حتى في التحدث عنها. إلا أني يمكن أن أصفها بأنها الضوء الأخضر غير التربوي لسلطة البوليس على التربية والتعليم.
تقوم النقابات باقتطاعات إجبارية على المعلمين، وبعضها يقوم بسرقة حقوق المعلمين كما فعلت إحدى هذه النقابات في  مدينة تعز. ولمعرفة الدور الذي تقوم به نقابة ما علينا بمتابعة الأدوار المالية.
أنا شخصياً أعتبر الجانب المالي هو المسؤول الأول عن مسألة التعيينات في جميع مجالات التربية والتعليم ولا يمنع أيضاً أن تكون الأولوية لذوي الميول السياسية المتقاربة. ودرجة اللهاث وراء المال هي المعيار لعملية التعيين.
<<<
من خلال تجربتي كمعلم بإمكاني أن أتحدث عن كيفية التعامل معنا كمعلمين، وذلك من خلال أمثلة ما زالت عالقة في ذهني حتى الآن.
فعند قيام الوحدة أي عام 1990 قرَّر الأخ حيدر أبو بكر العطاس،  وكان رئيساً للوزراء آنذاك، أن كل الخريجيين في ذلك العام عليهم الإنضمام لسلك التعليم بغض النظر عن تخصصاتهم، وسواءً كانوا تربويين أم لا. وتلبية لنداء الواجب توجهوا للعمل كمعلمين في المدارس الثانوية. بعضهم توفق وأصبح معلماً ناجحاً، وبعضهم تأقلم مع الوضع سواءً كان ناجحاً أم لا، والبعض الآخر رفض لأن بإمكانه أن يرفض،  وذهب للبحث عن عمل في مجال تخصصه، والبعض الآخر وافق من أجل العمل مع الحكومة ثم التحويل من وزارة لأخرى، ومجموعة وافقت من أجل التسلق داخل وزارة التربية والتعليم للحصول على مناصب إدارية.
وعند قيام الوحدة عام 1990 كانت نقابة المعلمين متواجدة في الجزء الشمالي وهي ذات اتجاه ديني. ونقابة المهن التعليمية كانت تابعة للحزب الإشتراكي. وفي هذه الفترة، أي من قيام الوحدة وحتى نشوب الحرب في عام 1994، كانت لعبة الائتلافات في أوجها. إلا أن هناك خللاً ما، فقد كان انضمامنا لنقابة المهن التعليمية يعني ضمنياً أننا متعاطفين مع الحزب، وانضمام البعض لنقابة المعلمين يعني ضمنياً أنهم متعاطفون مع حزب الاصلاح؛ مما جعل المؤتمر يشكل كياناً نقابياً ثالثاً تحت تسمية «اتحاد التربويين» ومن خلال العمل في الميدان واجهنا صعوبات عديدة كطردنا من بعض المدارس وإغلاق الأبواب في وجوهنا، وكذلك الكذب من بعض المنضمين لنقابة المهن حديثاً، حتى تأكد لنا أن الأجواء ليست على الإطلاق أجواء عمل نقابي، فانسحبنا بهدوء تام. وبعد فترة سمعنا أن المؤتمر تبنى نقابة المهن التعليمية. وبقيت نقابة المعلمين وإلى هذا الوقت  والنقابتان تعملان على أرض الميدان. ومن خلال ذلك نستنتج أنه بقدر ما يكون عدد الأحزاب التي تشارك في الحكم, تكون هناك نقابات تعمل في الميدان. ولا بد أن يكون هناك ضوء أخضر حكومي يسمح للنقابة بأن تعمل. وهذا الضوء الأخضر الحكومي هو المسؤول عن كل ما يحدث في مجال التربية والتعليم، وهو بالضرورة ضوء أخضر غير تربوي على الإطلاق.
 
 
 
***
 

… وقودها المعلمون والثيران – محمد العلائي
 
 
إنه, علاوة على كونها قرابين فصل, لكافة تلاوين الصراعات العنفية خاصتنا، وحدها الثيران في اليمن تسدد أكلاف تصدع علاقة المعلم بالطالب، أيضاً.
منذ ثلاث سنوات منقضية، كان على خد “عامر” مدرس الفيزياء في ثانوية “الثورة” مدينة حجة, أن يتلقى صفعة سددها طالب آتٍ لتوه من لدن أسرة مهيمنة -بالمعنى السياسي والقبلي.
عامر، ولتبديد غيظ أعزل، بسخط مبتور الأطراف، راح يرمي طباشيره ساعتئذ في الفراغ. هو أرجأ تمسيد خده ريثما ينتبذ مكاناً نائياً عن الأنظار, ليتفادى إحساساً بالخفر المكشوف.
إذاً، لطمة مدوية كانت، وعاجة بالوجع، ما حض زملاء عامر ليفتشوا عن الإنصاف في زرائب الدولة.
بأي حال، وبعد تقص مضن، إلتهمتهم في الأخير الخيبة. إذ لأن الثور هو الدولة_ يا للهول! وبين قرنيه يداوى الخراب التربوي، وبينهما أيضاً يتوجب على عامر تلمس اندمال جرحه؛ أفضى الأمر، إذاً، إلى مطلق استرضاء منافٍ للياقة تماماً.
في مارس من العام المنقضي، وحالما كان المعلمون التأهب لتنفيذ إضرابهم المطلبي، بتعليق الشارات الحمراء، نعتهم مدير منطقة بني الحارث التعليمية بكلام بذيء وناب. هو ساق البذاءات بربط ملغز بين الرمز العلمي لمرض الإيدز وبين الشكل الذي كانت تبدو به شارات الاحتجاج.
بطريقة ما، وصمهم بحاملي فيروس الإيدز. الأمر الذي أثار حفائض المعلمين (يحمل اتهام الإصابة بمرض الايدز عوالق معقدة للغاية. وبالأخص لدى القبائل).
طالبوا برد الاعتبار. وتدخل المشائخ لفض الالتباس. وكان الثور هو السبيل لغسل الضرر اللاحق بمجاميع المعلمين. تكبد مدير مدرسة «الجيل الجديد» في الروضة- التابعة لمديرية بني الحارث، مشاق إحضار الثور, وتاليا نحره في فناء المدرسة كتتويج لمساع بدائية, تشتغل مازالت.
على ذات المنوال، ولكن هذه المرة لم يجز الثور الواحد، شُج رأس معلم من مدرسة “معين” -مديرية الصافية, والخدم كانوا هنا هم الفاعلون. ضربوه بأعقاب المكانس على إثر إشكال تعليمي.
كان الثور المفرد، عاجزاً عن ردم الشقاق ذاك. فعضدوه بآخر, اكتمل نصاب «الهجر» وانقشعت غيوم التوتر بالمرة.
 إلى ما سبق، فلم يكن العام 2005 خالياً من الصفع ونحر الثيران بوصفهما رديفا بعض. إذ في مدرسة “أبو بكر الصديق” -أمانة العاصمة، اعتدى نجل احد المشائخ رفقة شلته، على المعلم ناصر المقطري.
وهو شأن غيره، تحينته أياد هوجاء في حين هو كان حسن الطوية, ويمارس لعبة صون اللوائح بشغف.
لم ينه نجل الشيخ إجراءات قبوله في المدرسة لعدم استيفائه وثائق القبول, وأنجال المشائخ لا يجب أن يصدهم شيء، ولا يجب البتة ثنيهم تحت أي طائل كان.
يومذاك، وفور تخطيه عتبة المدرسة، خارجاً منها، اجتاحته مافيا الشيخ، وبطحته أرضاً.
البطح، ومسح الإسفلت بأجساد المعلمين، سيماء أزمنة لمَّا تنقض بعد. لم نزل نتسكعها بتفصيلاتها المروعة. في كل، ضُرب المقطري، وهز الحدث ضمائر الزملاء, زملاءه, وشرعوا في إضراب مفتوح. وكأي مسار عنفي سابق ستجد حتمية النهاية المفترضة: «ثور. أو ثورين على الأكثر».
نجم, عن تدخل مشائخ منطقة عصر، القضاء «بشحط” ثورين احدهما ابيض مبقع بالأسود والآخر فروته بنية غامقة, وكأن لم يكن.
«الرجوع للقانون يؤدي لتطويل القضية، والإضرار بالعملية التعليمية»، زيد الشاطبي مسوغاً لـ«النداء» في حينه اعتمادهم مبدأ الثور مقابل الاعتداء. «وهذا هو الحل الأسرع»، زاد.
الدم الأكثر طراوة، سقى أرضية مدرسة «30 نوفمبر» قبل أسبوعين.
وعلى الجملة، الثيران والمعلمون، وحدهم وقود اللحظة التعليمية والتربوية الأشد قتامة.
الدكتور أحمد الدغشي أستاذ أصول التربية -جامعة صنعاء، أرجع اعتماد «الهجر» كأداة للترضية إلى «وعي مجتمعي غالب، لم يستثن حتى العلم», مما يعزز القناعة ب “غلبة الواقع المجتمعي المهني».
وعزا, اقتناع المسؤول الإداري بحل كهذا إلى «غياب القضاء وبيروقراطية ورتابة الأجهزة المعنية».
«أما أسباب العنف ضد المعلم بشكل عام فيمكن إجمالها في: تدني القيمة الاجتماعية له على حين كان حاضراً إبان الإمامة بكثافة ويحظى بتقدير اجتماعي عالٍ»، أضاف الدغشي. وراح يسرد بقية مجلبات العنف ومنها حسبه: «سبب اقتصادي, عائد إلى دخله المحدود في الوقت الذي سيطير فيه الاتجاه المادي. وآخر إداري, بمعنى أن ترهل المؤسسة التعليمية ألحق الأذى بالمعلم من حيث كونها لا تنتصف له. وسبب ذاتي, يعود في بعض الحالات لسلوك غير منسجم مع المهنة».
على كلٍّ، غير مجد, بظني, سوق نماذج لا يسعنا حصرها. ذلك أنها ذات نمطية متسقة مع بعضها. لذا فاللقطات المسرودة قبلا، كافية للقبض على فكرة ان بنيوية السيرورة التعليمية والتربوية فادحة تماما والمعلم ضحية افتراضية على الدوام.
 الحال, طالما قطبا المعادلة التعليمية، ما يزالان غائصين في مطرح الإجحاف والغمط المتبادل, فلا بد الا وتستبطن, جائحة كهذه, مغاز مخيفة. الطالب يصفع معلمه, المعلم تصفعه الإدارة التعليمية, لدواع سياسية قذرة، والمعلم قد يصفع الطالب بهمجية, وثم يتدخل الثور كما لو هو إجماع غير معلن, أو عقد له قدرته الخرافية في إخماد الأحقاد.
 ولئن كان الأسبان يصارعونها (الثيران) بإيعاز ميثيولوجي خالص، فإننا ولأفول أدوات الدولة، نمرغها بوحشية حتى على عتبة دار الرئاسة أو البرلمان، فضلاً عن المدارس.
فوق ذلك هي حقاً ظاهرة عرفية, تبدو أشد إيغالا في معاكستها لنشوء إطار مدني ينعقد الاجتماع البشري -المادي والأخلاقي- فيه، طبقاً لمعيار مفهومي موائم للحظة الزمنية الراهنة.
ومعلوم، مهما يكن، أن رأس الثور غير مواز لأي ملفوظ قانوني، أياً كان. لكنه غير ما مرة، ما انفك يرتب، “بغالون” دم حلولا موضعية ، تنضاف، بشكل ما, لإرث غابر تخطته العوالم/ جميع العوالم.
[email protected]

 
***
 

إفراغ مدرسة في إب من مدرسيها الذكور.. ظاهره التأنيث.. باطنه السياسة
 

– إب – إبراهيم البعداني
أقدم مكتب التربية بمحافظة إب على نقل طاقم تدريسي متكامل (12معلماً)، من مدرسة «أحمد بن حنبل» للبنات تحت مبرر أنه لا يصح للذكور تعليم الإناث. الأمر الذي تسبب في حرمان ما يقرب من 400 طالبة من الدراسة، خاصة وأن البديل (المعلمات) الذي وعد به المكتب صار في حكم المعدوم.
وأفاد مدير المدرسة الاستاذ عبدالله محسن بأن إدارة التربية بالمحافظة باشرت بعد الاختبارات النصفية سحب المعلمين بحجة إعادة التوزيع، ومن أجل تأنيث التعليم. وقال محسن: «للأسف الشديد كلما راجعنا مكتب التربية بهذا الخصوص لم يعرنا إهتماماً مما ترتب على ذلك حرمان مئات البنات من التعليم ولزمْن البيوت».
وعزا عدد من أولياء الأمور أسباب هذا الإجراء إلى الانتخابات المحلية، من أجل إبعاد مدير المدرسة (إصلاح) الذي خاض غمار المنافسة في الانتخابات المحلية أمام مرشح المؤتمر، الأمر الذي يقتضي هذا الإجراء تمهيداً لإبعاده عن إدارتها.
وقد حمَّل فضل الحبيشي رئيس مجلس الآباء في المدرسة المجلس المحلي بالمديرية مسؤولية حرمان بنات المنطقة من حقهن في التعلم.  وقال: «إن أولياء أمور الطالبات لا يمانعوا أن يكون طاقم التدريس ذكور، وكل ما يهمهم هو أن يستمر التعليم».
وكان اعتصام غاضب نفذه أولياء أمور الطالبات داخل الحرم المدرسي مطالبين بتوفير البديل من المدرسات أو إعادة المعلمين السابقين إلى المدرسة. ودعوا في ذات الوقت المسؤولين بالمحافظة إلى تحرير التعليم من الحزبية، وأن لا تكون السياسة سبباً في حرمان ابنائهم من التعليم.
واعتبر عديد مختصين: أكاديميين وموجهين وتربويين، هذا الإجراء انعكاساً لمستوى الخلل الإداري والتعليمي الذي تعيشه البلاد بشكل عام؛ إذ يأتي في سياق التدهور الواضح و المؤكد للفشل والإخفاق لدى الإدارة التعليمية بالمحافظة. داعين إلى التحقيق مع الإدارة التعليمية بالمحافظة التي صارت تتعامل مع التعليم بهذا المعيار الخطير.
وتقع مدرسة «أحمد بن حنبل» للبنات في منطقة «ميتم» البعيدة عن المدينة (10 كم شرقي مدينة إب)، ويتوافد عليها الطلاب من مختلف القرى، حيث يقطع البعض مسافات بعيدة عبر طريق جبلية شاقة. إلا أن البعض من أولياء الأمور أبقى على بناته في البيت بسبب خلو المدرسة من المعلمين. فيما عدد من الطالبات ما زلن في ذهاب وإياب دون جدوى.
 
 
 
 
***
 
 
438 موجهاً في مرمى القنص! – علي الضبيبي
 

أمر مفزع للغاية، وباعث على الضيق، أن يلغي وزير التربية والتعليم مكتسبات مهنية وقانونية لموجهين حازوا عليها طول فترة عملهم. فقد أصدرت الوزارة في أواخر 2003 ما يسمى بآلية المعالجة الإستثنائية للعاملين في التوجيه التربوي، والتي بموجبها -وكأول محطة- أُعلن، بداية، إهدار رصيد ما يقرب من 438 موجهاً في أمانة العاصمة من (545) هم إجمالي موجهيها.
فيهم عناصر كفؤة وحافلة بالخبرات الإدارية والإشرافية. وجلهم عينوا وفقاً لآليات معتمدة، وبناءً على قرارات وزارية حينها. والأكيد أن الغالبية منهم تحمل مؤهلات جامعية متفاوتة: بكالوريوس ليسانس، وماجستير. كما وخبرة مهنية طويلة مسنودة بعشرات الشهادات التقديرية والإشادات من جهات محلية وخارجية.
يحمل الأستاذ محمد الماخذي شهادة ماجستير في أصول التربية من جامعة صنعاء التي حصل منها أيضاً على درجة البكالوريوس عام 95/96.
وبقرار وزاري عُيّن موجهاً في مديرية معين بأمانة العاصمة، ومذ ذاك حتى فبراير 2006؛ إذ أُدمج اسمه في قائمة جماعية على أساس إعادتهم إلى ميدان التدريس، أو الخضوع للإختبار والمقابلة.
«لم تستند الوزارة إلى أي لائحة لتنظيم ذلك»، يقطع المأخذي. ويزيد: «إنما ذلك عبارة عن أهواء ومزاجية سياسية لا دخل لها بالعملية التعليمية».
وفيما يتعلق بشروط اللائحة الاستثنائية ومنها المقابلة، رد بحماسة جياشة: «لو نعلم أن المقابلة ستكون وفق لجنة حيادية وتتصف بالمهنية والصدق ويكون معيار الإختيار والمفاضلة هو الكفاءة، لما رفضنا. لكنها بلا أدنى شك تخدم اجندة سياسية ليس إلاً. بعبارة أخرى: المقابلة عتبة أو قنطرة إلى الشارع».
المقابلة حتى وإن كانت محايدة وذات اهلية إدارية وعلمية فليست مقبولة بالمنطق القانوني الذي على أساسه اختير هؤلاء الموجهون، ولا حتى من ناحية أخلاقية. فسنوات عمر هذا الكادر الميدانية كفيلة باختباره على طول مراحلها، كما وأيضاً اللوائح المنظمة للتوجيه التربوي التي حددت شروط الإلتحاق بالتوجيه. والغريب في الأمر ان الوزير الحالي عبدالسلام الجوفي أصدر ببعض هؤلاء قرارات تعيينية ومنح الكثير شهادات تقديرية في أكثر من محفل ومناسبة، والآن وزارته تشكك في أهليتهم المهنية وقدراتهم الإشرافية، وتدعوهم للمقابلة، عبر ما أسمتها لوائح استثنائية جديدة تنسخ وتجُبُّ ما قبلها.
لم أستطع امتصاص حرجي الشديد حين نثر استاذ كبير من معدن نادر  عشرات الشهادات والقرارات الوزارية بين يدي؛ «انظر! للأسف الشديد»، قالها بحرقة مؤلمة.
بالطبع، فالخبرة الإدارية والعلمية النادرة كافية لأن يستحي هؤلاء وهم في طور جرجرته إلى غرفة المقابلة. مذ  تخرج الأستاذ محمد عبدالله المعلمي في تربية صنعاء عام 87 ضمن أوائل الدفعة، وهو يترقى في سلم الوظيفة الإدارية دون أن يطلبها ككثيرين. فقد عين فور تخرجه عميداً للمعهد العالي لإعداد المعلمين (نظام الثلاث والخمس السنوات التابع للوزارة) ليستمر 12 سنة مدير إدارة مدرسية متنقلاً بين محافظة وأخرى: ست سنوات في المحويت، سنتين في صنعاء، وأربع سنوات في الأمانة.
ولاحقاً عين مدرباً لمدربي مديري مدارس ثلاث محافظات: شبوة، مأرب، وعمران. وبالتأكيد تم كل ذلك بقرارات وزارية، كان آخرها قرار الوزارة تعيينه عضواً في لجنة التأليف والمراجعة للمعاجم  اللغوية بمكتب دول الخليج. هذا فضلاً عن عشرات الشهادات التقديرية التي تسلمها في مختلف مراحل عطائه الإداري.
وفي الوقت الذي تطلب منه الوزارة الخضوع للمقابلة والإختبار يمنحه الوزير شهادة تقديرية بتاريخ 13/7/2007م لحضوره ومشاركته بفاعلية في الدورة التدريبية الخاصة بـ«إدارة النزاعات في التعليم»، والتي عقدت بالتعاون مع البرنامج اليمني الألماني لتحسين التعليم الأساسي (G + Z).
الآن المعلمي مطالب بالخضوع للمقابلة والاختبار! وأمام من؟! «من كنت أنا أمنحه الشهادة الابتدائية وأنا مدير»، يقول متحسراً من وضع لا  تتضح معاييره.
ويتساءل الأستاذ وهو يصر على رفضه القاطع للاختبار الذي وصفه بالمهزلة: «كيف يطمئنوا إلى مؤلف ومراجع لفريق التأليف كل هذه السنوات والآن يختبروني؟! عيب يا رجل!!».
وعن خلفيات هذه الإجراءات الجديدة سألناه، فأجاب: «هذه إجراءات تعسفية، تعامل غير مدروس، وغير مسؤول، بالأصح: تعامل حزبي -بالفم المليان».
ويضيف مفسراً: «أنا أعتبر هذا الجزاء مكافأة لنا ولأعمالنا المعززة بشهاداتهم التي منحونا إياها».
الوزارة، وهي تشكو من التضخم الكبير الذي تعاني منه العملية التعليمية، والأعداد المهولة التي يعج بها الميدان، تعالج الأمر بزيادة العدد؛ إذ كيف تحيل ما لديها من موجهين إلى مدرسين مع أن الوزير ذاته شكا في مجلس النواب من أن عدد منتسبي وزارته بلغ 256 ألفاً بواقع معلم لكل 20 طالباً، بأدنى من المعدل العالمي الذي يبلغ معلماً لكل 27 طالباًً!
وهذا مدعاة للحيرة لا سيما وهو يأتي في سياق عملية الاصلاح المالي والإداري الذي اشهرته الوزارة منذ فترة.
هب أن 4 آلاف و149 منتسباً في امانة العاصمة لا يعملون، كما ذكر الوزير في إلماح منه إلى موضوع الموجهين، فهل المعالجة لن تتأتَّى إلا بإعادة الموجهين القدامى والشرعيين إلى التدريس، مع أن نقصاً حاداً في قطاع التوجيه تشهده الأمانة.
خذ مثلاً موجهي الرياضيات، ففي مديرية معين والتي يبلغ عدد مدارسها 26 مدرسة لا يستر حالها سوى موجهين اثنين فقط لما يزيد عن 200 معلم بواقع موجه واحد لما يزيد عن مائة، وهذا مخالف للائحة التوجيه التي اشترطت ألاَّ يزيد النصاب عن 35 معلماً! ومع ذلك تريد من هذين الموجهين الرجوع إلى التدريس أو الخضوع للمقابلة مع أنهما يمارسان عملهما وفقاً لقرارات وزارية.
إسماعيل السيفي عُيَّن بقرار وزاري عام 2003، وبموجب تكليف رسمي من مكتب التربية بالأمانة، ويملك خبرة مهنية طويلة فهو خريج جامعة صنعاء عام 95/96.
هو كزملائه شعر بالظلم والقنص السياسي فرفض التنازل عن مكتسباته، حيث لا يزال يمارس مهامه كموجه رسمي منذ اربع سنوات معتبراً هذا الاجراء الجديد «مخالفاً للتكاليف الرسمية المسندة لنا». وتساءل السنفي: «أين دور الموجهين المتابعين لفريق التوجيه الذين يرفعون بأعمالنا أولاً بأول؟!»، وبدا واثقاً من نفسه وبإصرار وتحدِّ: «اراهن على عملي والتزامي».
وإذا ما استندنا إلى اللائحة الخاصة بالتوجيه فإن الاحتياج لموجهين داخل أمانة العاصمة لا يزال ملحاً، وبنسبة أكبر من العدد الموجود. حيث وأن اللائحة تحدد الاحتياج بأكثر من 600 موجه بنسبة واحد لكل  30 معلماً.
لكن الأمر لم يتوقف عند حدود المطالبة بإعادة هؤلاء إلى ميدان التدريس فقد تفاجأ ما يقرب من 250 موجهاً بحرمانهم من طبيعة العمل التي أعلن  عنها الوزير قبيل الشروع في تنفيذه، حيث لمَّح إلى شرطية صرفها فقط للعاملين بالميدان! وهي الحجة التي واجهت هؤلاء الموجهين مع أنهم متواجدون في الميدان كموجهين ويمارسون أعمالهم وفق بروتوكولات رسمية وتكاليف جماعية وفردية من مكتب التربية بالأمانة حتى بعد إحالتهم إلى التدريس والرجوع إلى الفصول كمعلمين.
ويخشى كثيرون من أن هذا الاجراء ليس إلاً محاولة لإثناء الموجهين الرافضين العودة إلى الوراء، والذين ما زالت قضيتهم منظورة أمام القضاء بصورة جماعية.
وإزاء ما يجرى في هذه الساحة الهامة من اشكاليات واجراءات غير مطمئنة فقد بدت نقابة المعلمين أكثر حضوراً ومعايشة لأرق منتسبيها. فقد وصف رئيس فرعها بأمانة العاصمة الاستاذ حسين الخولاني الذي أُبعد هو أيضاَ من على رأس شعبة التعليم بمكتب التربية بالأمانة دون سبب مهني مقنع أو حتى مبرر، وصف ما يجري من إشكال سببه التحيز الحزبي الواضح الذي قال إنه لا يخفى على ذي عقل «ولا يستطيع ان ينكره المسؤولون»، ويدلل «بما يجري الآن من تصفية للموجهين واستبعاد لوكلاء المدارس من مناصبهم بإعادة توزيعهم مدرسين حتى يمنحوا القانون بذريعة تحديد نصاب جديد للإداريين في المدارس، وهو مخالف لما في اللائحة المدرسية المعتمدة وسارية المفعول حتىالآن».
وقال الخولاني إن نقابة المعلمين تملك من التأكيدات التي تدين المسؤولين في الوزارة ما يكفي. واتهم تلك الجهات بالاحتكام إلى معيار سياسي في انتقاء الكفاءات الإدارية، وإهمال الخبرة والمؤهلات العلمية.
ورداً على ما جاء في كلام الوزير للبرلمان عن وجود عدد كبير من المنتسبين إلى التربية لا يخدمون العملية التعليمية، وأن الخطوة الأولى في طريق التصحيح بدأت بإعادة التوزيع، قال: «نحن مع الاصلاح المالي والإداري إذا لم يكن على حساب الحق المكتسب». الخولاني دعا وزير التربية والتعليم إلى التفتيش عن المنقطعين والموتى والذين ما زالت مرتباتهم سارية، بدلاً من إحالتهم للتقاعد. وأضاف: «إن الإصلاح يستوجب تلازم شقيه: المالي والإداري، وتغيير العناصر الفاسدة والمتنفذة إدارياً والتي ثبت تورطها في الفساد».
وبدا الخولاني مستغرباً من الحديث عن التضخم الذي شكل عبئاً على الدولة، كما جاء في كلام الوزير، وتساءل: «من أين جاء التضخم رغم وجود الضوابط والمعايير والقوانين التي تحكم التوظيف؟!»: «الوزير يدين نفسه ويؤكد قولنا أنه لا بد من تلازم الإصلاح المالي والإداري».
وفي ذات الاتجاه عزا محمد أحمد المقرمي -السكرتير الثاني لنقابة المهن التعليمية- الإختلالات القائمة، إلى عديد اسباب، منها: غياب الفلسفة  التربوية الواضحة والدقيقة، انعدام السياسة التي تعمل على تحقيقها، بالإضافة إلى عدمية الربط بين التعليم والتنمية؛ متهماً الحكومة: «مازالت تنظر إلى التعليم على أنه خدمة». وقال المقرمي إن ما يمارس في الوسط التربوي والتعليمي من ممارسات سببها الوحيد هو تطويع  التعليم لخدمة حزب واحد، صار الإنتماء اليه هو المعيار الوحيد, وخاصة في تولي الإدارة التربوية.
 
 
 
***
 
 
في انتظار ما يشبه المؤبد
 

قريباً سيكون المعلمون في حكم المؤبد، إذ ينتظرون قانوناً جديداً يقضي بربط الدرجة الوظيفية بالمدرسة، والإبقاء على المعلم في مكانه الذي يعمل فيه مهما كانت الأسباب.
«قانون الإستقرار الوظيفي» صار مؤكداً مجيئه. «وسيتم العمل به قريباً»، كما أكد لمجلس النواب وزير التربية والتعليم.
ويسود الشارع التعليمي في هذه الأيام حديثا متوجساً بين المعلمين من ما يمكن أن يحدثه هذا القانون من نتائج وتأثيرات: نفسية، وعائلية اجتماعية، وحتى تربوية، إذا ما أقرته الحكومة، وباشرت الوزارة تنفيذه.
وتعقيباً على هذا القانون قال الأستاذ منذر المقطري إن هذا القانون إذا ما صدق في معالجته للاستقرار الوظيفي فإنه سيخل، بالتأكيد، بالإستقرار الأسري الاجتماعي  وبالتالي سينعكس سلباً على أداء المدارس الذي لن يجد مجالاً للتحويل إلى حيث السكون والإطمئنان.
واقترح المقطري، الذي يعمل مدرساً للكيمياء منذ العام 91 فور تخرجه من الجامعة، اقترح على المعنيين في الوزارة ان يستدركوا وهم في صدد إعداد القانون «ان يلزم المعلم بالإستقرار في المدرسة لفترة معينة وفيما بعد يجوز له التحويل».
ومن المتوقع صدور هذا القانون المعروض الآن على مجلس الوزراء بعد استكمال صرف طبيعة العمل، وما يسمى بإعادة التوزيع التي تأتي في سياق عملية الإصلاح التي تجريها الوزارة وتكثر الحديث عنها.