المدرس ده حيطلع وكيل – نبيل قاسم

المدرس ده حيطلع وكيل – نبيل قاسم

تعتبر  مسألة التعيينات في مجال التربية والتعليم ذات انسجام فريد وتتم بفنية عالية: في البدء يتم اختيار رئيس الصف الذي يجب أن تتوافر فيه مجموعة من الصفات، منها أن يكون عنيفاً مع زملائه حتى أن بعض التلاميذ يكسبون رئيس الصف عبر الرشوة، ويجب ان يكون متعاوناً مع الإدارة، والإدارة تساعد أحياناً على نجاحه وعلى زيادة درجاته، ومن هنا يفهم رؤساء الفصول آلية العمل  وبإتقان، ويقومون بمهام مالية تتعلق بجمع النقود التي تتعلق بنشاط ما.
في صباح ما، كنا -مجموعة معلمين- مجتمعين في فترة الراحة المدرسية في إنتظار عودة التلاميذ إلى فصولهم. كان معنا أحد المدرسين الجدد، لم يمض على التحاقه بالمدرسة سوى اسبوع واحد. في تلك اللحظة كان مشغولاً بحساب النقود التي بيده، فقد أخذ نقوداً من الطلاب من أجل تصوير الإختبار الشهري،  وبعد فترة عرفنا أنه يأخذ ضعف المبلغ الذي يطلبه معلم آخر. وفي تلك اللحظة ايضاً وحين كان منهمكاً في عد النقود، قال لي أحد المعلمين المصريين بصوت خفيض: «بص يا أستاذ نبيل، المدرس ده حا يطلع وكيل». وبالفعل لم تمض ستة أشهر إلا وتعين وكيلاً لمدرسة في قريته.
هناك جانب مالي في تعيين رؤساء الفصول،  وهناك جانب مالي في تعيين وكلاء المدارس، وهناك بالضرورة جانب مالي في تعيين مدراء المدارس. هذا الجانب المالي هو المعيار الأساس حتى لمسألة تعيين الطالب في المدرسة!!
خلال عملي في سلك التدريس في «ثانوية الكويت»، لا أذكر أن إدارة المدرسة قد اقتصّت من راتب أي معلم، في حين ان كثيراً من المعلمين في مدارس أخرى يقدمون شكاوى تتعلق بهذا الموضوع أيضاً.
وحتى جاءت المجالس المحلية لتلعب دوراً بوليسياً مالياً شديد التعقيد، وبدأت في مراقبة ومتابعة والاقتصاص من رواتب المعلمين بل وإيقاف رواتب البعض. ولي شخصياً تجربة سيئة مع هذه المجالس لا أرغب حتى في التحدث عنها. إلا أني يمكن أن أصفها بأنها الضوء الأخضر غير التربوي لسلطة البوليس على التربية والتعليم.
تقوم النقابات باقتطاعات إجبارية على المعلمين، وبعضها يقوم بسرقة حقوق المعلمين كما فعلت إحدى هذه النقابات في  مدينة تعز. ولمعرفة الدور الذي تقوم به نقابة ما علينا بمتابعة الأدوار المالية.
أنا شخصياً أعتبر الجانب المالي هو المسؤول الأول عن مسألة التعيينات في جميع مجالات التربية والتعليم ولا يمنع أيضاً أن تكون الأولوية لذوي الميول السياسية المتقاربة. ودرجة اللهاث وراء المال هي المعيار لعملية التعيين.
 
***
 
من خلال تجربتي كمعلم بإمكاني أن أتحدث عن كيفية التعامل معنا كمعلمين، وذلك من خلال أمثلة ما زالت عالقة في ذهني حتى الآن.
فعند قيام الوحدة أي عام 1990 قرَّر الأخ حيدر أبو بكر العطاس،  وكان رئيساً للوزراء آنذاك، أن كل الخريجيين في ذلك العام عليهم الإنضمام لسلك التعليم بغض النظر عن تخصصاتهم، وسواءً كانوا تربويين أم لا. وتلبية لنداء الواجب توجهوا للعمل كمعلمين في المدارس الثانوية. بعضهم توفق وأصبح معلماً ناجحاً، وبعضهم تأقلم مع الوضع سواءً كان ناجحاً أم لا، والبعض الآخر رفض لأن بإمكانه أن يرفض،  وذهب للبحث عن عمل في مجال تخصصه، والبعض الآخر وافق من أجل العمل مع الحكومة ثم التحويل من وزارة لأخرى، ومجموعة وافقت من أجل التسلق داخل وزارة التربية والتعليم للحصول على مناصب إدارية.
وعند قيام الوحدة عام 1990 كانت نقابة المعلمين متواجدة في الجزء الشمالي وهي ذات اتجاه ديني. ونقابة المهن التعليمية كانت تابعة للحزب الإشتراكي. وفي هذه الفترة، أي من قيام الوحدة وحتى نشوب الحرب في عام 1994، كانت لعبة الائتلافات في أوجها. إلا أن هناك خللاً ما، فقد كان انضمامنا لنقابة المهن التعليمية يعني ضمنياً أننا متعاطفين مع الحزب، وانضمام البعض لنقابة المعلمين يعني ضمنياً أنهم متعاطفون مع حزب الاصلاح؛ مما جعل المؤتمر يشكل كياناً نقابياً ثالثاً تحت تسمية «اتحاد التربويين» ومن خلال العمل في الميدان واجهنا صعوبات عديدة كطردنا من بعض المدارس وإغلاق الأبواب في وجوهنا، وكذلك الكذب من بعض المنضمين لنقابة المهن حديثاً، حتى تأكد لنا أن الأجواء ليست على الإطلاق أجواء عمل نقابي، فانسحبنا بهدوء تام. وبعد فترة سمعنا أن المؤتمر تبنى نقابة المهن التعليمية. وبقيت نقابة المعلمين وإلى هذا الوقت  والنقابتان تعملان على أرض الميدان. ومن خلال ذلك نستنتج أنه بقدر ما يكون عدد الأحزاب التي تشارك في الحكم, تكون هناك نقابات تعمل في الميدان. ولا بد أن يكون هناك ضوء أخضر حكومي يسمح للنقابة بأن تعمل. وهذا الضوء الأخضر الحكومي هو المسؤول عن كل ما يحدث في مجال التربية والتعليم، وهو بالضرورة ضوء أخضر غير تربوي على الإطلاق.