قصيدة من كتاب الأم* للدكتور عبدالعزيز المقالح

قصيدة من كتاب الأم* للدكتور عبدالعزيز المقالح

أين أرمي برأسي؟
على أيِّ صدرٍ
وقد رحلتْ عن تخوم المدينة
كلُّ الجبال،
وكلُّ الغيوم
وغابَ الفضاء الذي صنعتهُ
من الحب أمي؟
وحتى السحابةُ
تلك التي رافقتني زمانَ الهجير
وكانت تغذِّي بألوانها
فرحتي،
رحلتْ كأصابعِ أمي!

مَلَكُ الموت كان هنا
يتجول منذ أسابيع
ينحتُ صفصافةَ البيت
نعشاً لأمِّيَ..
صفصافةُ البيت
تلكَ التي كنتُ أشربُ من كفِّها
  عسلاً صافياً
أنحني عند أقدامها
أتوسَّل أغنيةً وصباحاً
لأغسلَ حزني
وأنسى ذنوبَ المساء الطويل
وشمعةَ أيامِهِ
حينما رحلت
أدرك القلب
كم هي تشبه أمِّي!

أين تأوي وقد ذهبتْ؟
ولمن تشتكي جرح قلبِكَ؟
لم يبق غيرُ روائحها
في بقايا المكان وفي الوردِ ،
لم يبق غيرُ أحاديثها
في بقايا الزمان..
إلى أين تأوي؟
ومن خبز أيِّ يدٍ سوفَ تأكلُ؟
واأسفاه!
يموت الجمالُ إذا ماتتِ الأُمُّ
واحسرتاهُ!
يموت الحنانُ إذا ماتتِ الأمُّ!
تغربُ شمسُ الحياةِ
كما غربت حين شالوا
على النعش أمي.

آه يا صاحبي – يا أنا –
ما الذي في المقابر تَبكيهِ؟
صفصافةَ البيت
أم أمَّكَ الألقَ المتوهجَ
في كل زاويةٍ منهُ
في الكلماتِ
 وفي الماءِ
في صلواتِ العصافير
في جسدِ الضوءِ
في زمنٍ كان أطيبَ ما فيه
رجعُ أحاديثها
واشتعالُ مناديلها
حين يدنو البعادْ
ويبتل من وجعٍ صوت أمي؟!

مثلَ طفلٍ يتيمٍ تساءلتُ:
أين تُرى تذهب الأمهاتُ
إذا ما دنا الموتُ
واحتشدتْ حولَ أكفانهن
وجوهٌ معذبةٌ
يهطِلُ الحزنُ فوق تجاعيدها
وينامُ البكاء على خدِّها ؟
قيل لي: إنها عبر أشواقها
سوف تعرج نحو السماء
إلى جنةِ الخلدِ
قلت: إذن ستصير السماءُ
من اليوم أمي.

جَسدُ الموت لا يشبه الجسدَ
  ال.. كانَ يحنو عليه
ويسهر حولَ سرير طفولتهِ
جَسدُ الموت يذوي
يقاوم أوجاعَهُ
ضامرَ الشفتين
ولكنهُ كملائكةِ الله
يبدو بهيَّ الرؤى
يستعيد – مع الصمت –
 أحلامَهُ،
 حُبَّهُ،
ليس يذكر أحزانَهُ
والسنينَ العجافَ
وما رسمته على صدره
من أغاني الجراحِ
وآهات أمي!

كنتُ آوي إليها
إذا دهمتني العداوةُ
أو لفحتني رياحُ الصداقة
كنت أنام على ركبتيها
فأنسى المدينةَ والناسَ
أنسى خياناتهم
ثم تأخذني صوبَ دنيا من الحلم
نحو صلاةٍ مع الأنبياءِ
أرى الناس في صورةٍ ليس أحلى …
أرى شجراً ليس يبلى
وأوديةً ليس تُحصى
أرى مدناً لا غبارَ
وألمْح في قطرات الندى
وجه أمي.

صِرتُ وحدي،
كما وضعتني على حافةِ الأرض
ذاتَ مساءٍ قديم،
ولكنني لم أعدْ ذلك الطفل
يحرسني حبُّها
بعد أن وهنَ العظم
واشتعلَ القلبُ شيباً
يكابدني وجعي
وأكابد نار العداوات..
أحذيةٌ
خوذةٌ
سلحفاةٌ
 ضفادعُ
ألْسنةٌ كالدجاج المعلَّبِ
حزني عليَّ كحزني
الذي يتماهى
على قبر أمي.

لستُ وحدي
معي حُبُّها وفضاءٌ من الذكريات،
معي قَبْرُها
كلما ضاقتِ الأرضُ بي
واحتواني دخانُ الحياةِ
ذهبتُ إليه
وألقيتُ رأسي بجنبِ الضريح
وآنستُ دفئاً بقلبي
وعُدْتُ بريئاً
نظيفاً من الحزن والخوف
عاد لي الشعرُ
بهجةُ أيامنا
شمعدانُ العشايا
وزادُ الطريقْ
وقنديل أمي. 

* نقلاً عن فصلية «غيمان»