انتصار رئيس – محسن العمودي

انتصار رئيس – محسن العمودي

ما حدث خلال الأسبوع الحالي وما سبقه من أيام اقتربت من عام ميلادي، وتحديدا منذ إعلان رئيس الجمهورية عن عدم رغبته بالترشح، أحداث ومواقف تدعو إلى التأمل والتفكر. فبنظرة فاحصة لمعطيات واقعنا اليمني على امتداد ساحته، نستخلص التالي:
إن الصورة السياسية للتنظيمات اللاعبة بأقدار ومقدرات البلاد – سلطة ومعارضة – لم تعد صالحة كأدوات وآليات معبرة عن آمال وطموحات الشعب اليمني، ذلك انه تأكد لنا جميعا بأنها عاجزة وغير مؤهلة لحمل أعباء واستحقاقات المهام الوطنية، ذلك بأنها لا تعبر إلا عن كونها أوكارا للفساد والعبث والعبثية في شكلها ومضمونها، وإنها تجسيد حي لتجمع: النطيحة والمتردية والمنخنقة.
إن التكليف لجهات السلطة التنفيذية، لا ينبغي أن يناط إلا بأصحاب الكفاءات والتخصص، فقد ضل من كانت العميان تهديه. والملفت للنظر بشكل جلي للعيان داخل الوطن وخارجه، ان عملية الإسناد والتكليف لا ينم على وجودها اسم ولا لون ولا لقب، فبالفعل لقد أوكل الأمر إلى غير أهله في أكثر من موقع أو مكان أو زمان.
إن عهد المزايدات آن له أن يتوقف، وان سلوك ومسالك الإباحة والاستباحة الرسمية وغير الرسمية، بصورها المتلونة والملتوية آن لجمه، أحرام على بلابله الدوح… حلال للطير من كل جنس!؟ فالأقربون بالمعروف أولى، وهو حق أملته الشرعة الربانية، والمناهج الوضعية عبر مسيرة الإنسان منذ خلق الله الأرض وحتى يرثها، وانه لمثير للدهشة أن يجد مواطنو هذا الوطن، بدءا من الأرملة مرورا بالعائلة المتيتمة وانتهاء بالإنسان العادي المقل، العراقيل وصنوف المعاناة في الحصول على قطعة ارض يقيم عليها مأوى له يستره من نظرات قارعة الطريق؛ في وقت يتمتع القادم من بعض دول الجوار بكل سبل التسهيلات الرسمية إلى درجة قد تستنفر فيه جميع الجهات غير ذات الاختصاص في انجاز مطالبه بسهولة ويسر، حتى لو اقتضى استنفار الطقوم العسكرية والأمنية في الضحى وأستار الليل دون وجل أو خشية، مع سرعة المباركة المشينة من لدن أبناء الجلدة، مغيبين مشاعر الإحساس والتحسس، غير عابئين لأية وخزات لضمائرهم الإنسانية. إن هذه السادية تفرض على الجميع الجدية في استئصالها وتجفيف منابعها بالعمل وليس القول، لنكسر بذلك حاجز خوف النفس وهوانها، لتستقيم الأمور وتتجسد القيمة الإنسانية وكرامة الآدمية التي منحها الله لخلقه الإنساني، وبدون ذلك يصبح حالنا بمثابة الأعجوبة الثامنة من عجائب الدنيا في طبيعتها الإنسانية، ومن يهن يسهل الهوان عليه… ما لجرح بميت إيلام. وتأكيدا لمصداقية العمل الوحدوي، فان الاستحقاق المطلوب والمقبول، لن يخرج عن عملية الإعمار أو رفع اليد بشرف ورجولة عن كل مساحة وضعت عليها اليد دون حق، وان لا تأخذنا العزة بالإثم، وان المحاسبة في كل تصرف سالف أو لاحق يعد مسؤولية مطوقة لأعناق السلطة والجهات الرسمية فيها، وان المحاسبة الصارمة أصبحت مطلبا وطنيا لا مناص من تحقيقه، وبدون ذلك فان الساحة ستكون حقلا لبؤر التفجير والتفجر تأكل الأخضر واليابس، مدركين حقيقة وحقائق الوضع والقدرات المتاحة لقوى الشر الأجنبية التي بدأت تشق قنواتها في الغياب والتغييب المهيمنين على قدرة الإبصار والبصيرة الرسمية، وحتى لا يجد الشرفاء في هذا الوطن مخرجا أو بديلا يدرأون به عملية الإفلات والتفلت، وكبح جماح تداعياته من منطلق إيمان ويقين الإدراك بما يعتلج، وتؤكده نظرة فاحصة وصادقة وثاقبة لمجريات الأمور في الإطار المحلي والقُطري والإقليمي والدولي، والشلل الرسمي للسلطة والعجز وضعف الآلية بحكم تضارب المصالح الشخصية، وضعف الآليات السلطوية في احتوائه أو مواجهته. كلها أمور من الحتميات التي يمكن رصدها بسهولة ويسر ودون عناء، ألا هل بلغنا اللهم فاشهد. ذلك أن مظاهر الجفوة المهيمنة في علاقات القاعدة والقمة والنسيج الاجتماعي، بكل أسف، أصبحت الديدن والطبيعة المهيمنة على واقع الحال.
وتعزيزا لمصداقية المقولة: “إذا حل الفقر قال له الكفر خذني معكـ”، فان الهيمنة الفجة على مصادر الرزق وفرص العمل لأبناء الوطن من خريجين وفنيين، قد ضاقت ولم يعد في قوس الصبر منزع، وان الإهمال المتعمد عن سبق إصرار وترصد للسلطة له مخاطر غير مأمونة. وجل ما نخشاه أن ضرورات الحياة قد تكون مدعاة للجميع للذهاب واللحاق مع قافلة (الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف)، ولأن جزيرة العرب هي المحيط الطبيعي للجميع، وليحدث الله أمرا كان مفعولا.
من المؤكد أن فخامة الرئيس إن اتفقنا معه أو اختلفنا، قد حقق نصرا جليا واضحا لشخصه أولا وقبل كل شيء، وعلى كافة الصعد المحلية والإقليمية والدولية، وبخاصة في ظل التعثر الواضح لمشروع العولمة الأميركي في العراق والمحاولات الناجحة للتحرر والانعتاق اللاتيني، وتبقى معضلته الكبرى الآن في كيفية انتصاره لشعبه، فان الكرة قد أصبحت في كبد مرمى القابض على السلطة، فإما وقفة عمل صارمة وصادقة مستندة إلى مؤشرات النية بالفعل والعمل، وإما الندم والخسران المبين وهو ما لا نرجوه ولا نأمله.
وأخيرا فلتصمت ألسنة المزايدين وتنظيماتهم المزايدة التي فشلت، منعا لتكرار المأساة، واحتراما لآدمية الإنسان والذات، وآن الأوان لأن يتوقف انفصاليو الأمس المدعون والزاعمون لوحدة الهوية في المسار والمسيرة عن تصدرهم منصات الخطاب والخطابة الرسمية، وليتقدم الشرفاء، متحدثين رسميين للمسيرة، ولتخرس ألسنة المغالطة، فلا خير في ود امرئ متلون إذا الريح مالت مال حيث تميل، ليكن الإيمان يمان والحكمة يمانية، باعتباره نبضا لنسيج التاريخ، ونبراس شرف لليمن الذي باركه الرسول حكمة ورقة أفئدة، وليبارك الله كل جهد وحدوي يكون مدخلا لتفجير الطاقة والطاقات الذاتية للبلاد والعباد، وان يكون حوار الجميع تجسيدا لقول الحق تعالى على لسان بلقيس: “يا أيها الملا افتوني في أمري، ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون”، رافضين -عن إيمان ويقين- التسليم بمقولة الحق للمنطق الفرعوني: ” ما علمت لكم من اله غيري”، ولو كانت تهدى للإنسان قيمته لكانت قيمته الدنيا وما فيها، وأخيرا وليس آخرا وما استعصى على قوم منال… إذا الإقدام كان لهم ركابا، ولنتمثل جميعا القيمة الإنسانية في قول الشاعر العربي: وللأوطان في دم كل حر يد سلفت ودين مستحق، وليعلم الشرفاء بأنهم سيشنون حربهم من اجل أفكارهم، وإذا سقطت أفكارهم في المعترك، فان نجاحهم سينتصب هاتفا بالظفر، ولعل من بشائر الرحمة أن الحق قد ألزم نفسه بنصرة المؤمنين، “وكان حقا علينا نصر المؤمنين”، ونسأل الله أن يجنبنا التشظي الذي تعاني منه أوضاع مجاورة لنا، ألا هل بلغنا اللهم فاشهد. ونسأل الله أن لا نجد أنفسنا في وضع يجسد مصداقية الشاعر العربي: أمرتهم أمري بمنعرج اللوى، فلم يستبينوا النصح إلا ضحى الغد. ونسأل المولى أن يجنبنا الوقوع والوقيعة في مستنقع المذلة الذي عبر عنه رسولنا الكريم: ” كما تكونوا يولى عليكم ” أو كما عبر عنه الشاعر العربي حين قال: فاحبس الشكوى فلولاك لما كان في الحكم عبيد الدرهم. والله من وراء القصد. 

[email protected]