“لا تنسينا!”.. – إلهام مانع

“لا تنسينا!”.. – إلهام مانع

“لا تنسينا!”..
كم مرة قيلت لي هذه الجملة؟
ثلاث مرات.
قالها لي عراقيون وعراقيات التقيتهم صدفة خلال زيارتي الأخيرة إلى اليمن.
 قالها لي من حدثني في مكتبة دار القلم، أو من استوقفني أمام بلدية صنعاء، أو من زارتني مرحبة بقدومي وفي يدها حلوى عراقية.
عراقيون وعراقيات، من خيرة العقول، دفعتهم الحرب دفعاً إلى مغادرة بلادهم. شردتهم.
“لا تنسينا!”
ذَّكرتني الجملة بعبارة أخرى قيلت للصحافي السويسري كريستوف بلات، الذي زار العراق قبل الغزو الأمريكي لها، واتخذها عنواناً لمقالة له نشرتها صحيفةam Sonntag NZZ الأسبوعية الناطقة باللغة الألمانية، في فبراير 2003. “اذكروا العراقيين بالخير!”. تلك كانت العبارة التي احتفظ بها من زيارته، وعبر عنها بصدق في مقاله.
هل نذكرهم بالخير اليوم؟ أم نسيناهم؟
دعوني أصوغ السؤال بطريقة أخرى: هل لاحظتم ما يجري حولنا في العالم العربي اليوم؟
إذا لم تلاحظوا أنصحكم بالانتباه:
 
من قبل قيل لنا إننا مسلمون، أو بالأحرى أن ديانتنا الإسلام (لن أدخل الآن في نقاش حول مفهوم الهوية، فأنتم تعرفون أن الهوية لدي هي الإنسان، لكن هذا موضوع آخر). وعندما قيل لنا ذلك، لم ننتبه كثيراً إلى التفاصيل.
ديانتنا هي الإسلام، وأركانها خمسة، أليس كذلك؟
ليس فعلاً. فالسؤال الذي نطرحه اليوم بلا مواربة: إلى أي مذهب تنتمي؟
هل أنت سني أم شيعي؟ إلى أية طائفة تنتمي؟
أصبح هذا هو السؤال!
هل لاحظتم ذلك؟ هل لاحظتم كيف تحولت الصحف الرسمية السعودية والمصرية إلى منابر للدفاع عن المذهب السني؟ أو كيف أصبح الشيخ يوسف القرضاوي يخصص خطب الجمعة التي يلقيها من قطر لتمجيد صحابة الرسول ثم يغمز بمن “يشتموه”؟ هل لاحظتم كيف أصبح الحديث اليوم عن الخوف من “التشيع” في البلدان “السنية؟”
أخشى أيها الأعزاء أننا تحولنا من جديد إلى مخالب في معركةٍ ليست معركتنا.
خلال الحرب الباردة جندت المملكة السعودية مقدراتها الوهابية لمواجهة المد الشيوعي. وكانت الحصيلة: الأفغان العرب، ومد الإسلام السياسي الذي نعايش واقعه مراً اليوم.
حدث ذلك بالتعاون مع الولايات المتحدة.
اليوم تقف الولايات المتحدة في مواجهة مع إيران الشيعية.
مواجهة سياسية.
لا أزعم أني أدعم إيران فيها.
على العكس من ذلك.
فموقفي مبدأي حاسم ضد مفهوم الدولة الدينية، إيرانية كانت أم سعودية.
لكن المشكلة أن الولايات المتحدة في مواجهتها مع إيران، وبسبب الكارثة التي تسببت فيها سياستها غير المدروسة في العراق، وجدت نفسها تضطر إلى اللجوء إلى حليفتها “القديمة”، السعودية، ومعها “الدول الصديقة” في المنطقة، ولتذهب الديمقراطية ومن يدعو إليها في البلدان العربية إلى الجحيم.
الحليفة “القديمة” ومعها الدول “الصديقة” لهم أيضاً مصلحة في مواجهة المد الإيراني في المنطقة، خاصة وأن الأخيرة لا تخفي رغبتها في “تزعم” العالم الإسلامي، كما أنها تشد بخيوطها كثيراً من القوى السياسية العربية، ولتثير من جديد مخاوف “العربـ” من المد “الفارسي”.
هي قصة صراع قديم، تمتد جذوره في ماض لا نعيه اليوم، لكننا نستشعر توابعه رغم ذلك.
لذا لم يكن غريباً أن تهب الحليفة القديمة بحماس للعب الدور نفسه، نفس الدور الذي قامت به قبل ثلاثة عقود.
دور المصدِّر لإيديولوجية مناهضة لجبهة “الشر” الجديدة.
من قبل كان “الإسلام السياسي” هو الإيديولوجية المستخدمة لمواجهة الفكر الشيوعي “الملحد”.
اليوم أصبح “المذهب السني” هو الأيديولوجية المستخدمة لمواجهة “الفكر الشيعي” المتطرف.
وكلاهما في صورته السعودية أو الإيرانية متطرف.
ونحن أيها السادة، نحن من يسقط في شبكة العنكبوت هذه، غير مدركين.
لعبتهم السياسية ليست دينية.
هدفها القوة والمصلحة.
لا دخل لله فيها.
هم يحددون أهدافها، وهم يضعون إستراتيجيتها.
لا دخل للإيمان فيها.
ورغم ذلك نجد أنفسنا اليوم نسأل: “هذا شيعي؟ بل هذا سني؟ إلى أية طائفة تنتمي؟ وفي أي مسجد تصلي؟ إياك والصلاة في مسجد للشيعة؟ ابتعد عن مسجد السنة؟
نحن من يقول ذلك.
كنا نقول ذلك في الماضي همساً.
اليوم نقولها جهاراً، بلا حياء، بلا خجل.
لسنا مسلمين إذن!
بل شيعة، بل سنة،…
ولأننا نفعل ذلك نسيناهم.
نسيناهم!
نسينا العراقيين، ونسينا العراق.
لم نأبه لدمائهم وهي تسيل.
 لم نعبأ بأطفالهم وهم يقتلون.
ولم نهتم بوطنهم وهو يتمزق.
كأنهم ليسوا منا.
أتعرفون لماذا؟
لأن أكثر من سبعين في المائة من العراقيين شيعة!
هذا هو السبب ببساطة.
ألا نخجل؟
لو كانت الأغلبية سنية، وحدث لها ما يحدث للعراقيين اليوم، لقامت القيامة ولم تقعد.
لو..
لكنها ليست كذلك.
ولذلك نصمت، نصفر، أو نشخر، أو نبصق، لا يهم؛ هم ليسوا منا.
ولذا، يا للخزي! لم نعبأ كثيراً بما فعله صدام بهم.
ولذا، يا للعار! لا نعبأ كثيراً بمصيرهم بعد صدام اليوم.
“لا تنسينا!”..
أنا لم أنس.
لم أنس أنهم عراقيون،
 ليسوا سنة، ليسوا شيعة، ليسوا أكراداً..
بل عراقيون.
وعراقيين سيبقون.
ليتهم هم لا ينسون!
كما لم أنس أن ديانتنا هي “الإسلام”، ليست شيعية، ليست سنية.
وحبذا لو أعدنا هذه الديانة إلى موقعها الطبيعي، إلى الحيز الروحاني لا غير.
حبذا لو أبعدناها عن السياسة، حتى لا تصبح إمعة لأولي الأمر.
ثم أخرجناها من واقعنا اليومي، حتى لا تصبح قيداً مضنياً.
ثم ألغيناها من لغتنا الخطابية، حتى لا تتحول إلى مضغة تلوكها الألسن.
حبذا لو نظرنا إلى بعضنا البعض،
ونقول: هذا إنسان وذاك إنسان،
وليؤمن هذا أو ذاك بما يشاء.
[email protected]