الجديد المنشود من مؤتمر صنعاء حول الديمقراطية والاصلاح السياسي وحرية التعبير – سعدالدين ابراهيم*

الجديد المنشود من مؤتمر صنعاء حول الديمقراطية والاصلاح السياسي وحرية التعبير – سعدالدين ابراهيم*

أعدت امانة المؤتمر وثيقة جامعة للبيانات الختامية لخمسة عشر نشاطاً تتعلق بالحوار لدعم الديمقراطية ابتداءً من اعلان صنعاء حول تعزيز إعلام عربي مستقل وفعال (يناير 1997)، وانتهاء بمؤتمر أنقرة لتمكين النساء في الحياة العامة (مايو 2006).
وباستعراض وتحليل ما تضمنته الوثيقة المذكورة نخلص إلى:
1 – ان المتهمين بالشأن الديمقراطي من نشطاء حكوميين وغير حكوميين، من بلدان المنطقة ومن خارجها، اوفوا الموضوع دراسة ونقاشاً، واصدروا بشأنه عشرات التوصيات، خلال العقد الاخير.
2 – ومع ذلك فإن ما تم تنفيذه من هذه التوصيات على ارض الواقع قليل وهزيل، ولا يتناسب مع طموحات شعوب المنطقة، ولا مع ما بذل في هذه الانشطة من جهود غزيرة، ولا مع التحديات الجسام التي تواجه بلدان المنطقة والعالم منذ احداث الحادي عشر من سبتمبر 2001.
لذلك لابد ان يتصدى مؤتمر صنعاء حول الديمقراطية في يونيو2006 لهذه الفجوة الشاسعة بين صياغة التوصيات والمنجزات والتطلعات والتحديات. فإذا كان لمؤتمرنا هذا ان يخرج بجديد، فينبغي ان تكون اقتراحات محددة، واليات فعالة وجدول زمني لتجسير هذه الفجوة، أو ما اطلق عليه تقرير الأمم المتحدة للتنمية، البشرية لعم 2002 بفجوة الحرية والديمقراطية.
لذلك نتوجه بالنداء التالي للأنظمة الحاكمة، وقوى المجتمع المدني، والاحزاب السياسية في المنطقة، والى القوى الديمقراطية الخارجية، وخاصة من مجموعة الثمانية والمنظمات الدولية الراعية لهذا المؤتمر.
اولاً: على الانظمة الحاكمة ان تكف عن التلكؤ والتردد في التغيير والإصلاح، ومقاومة التحول الديمقراطي بدعاوى واعذار لم تعد مقبولة او معقولة، في نظر شعوبها او العالم في القرن الحادي والعشرين. فمنطقتنا هي الاكثر تخلفاً في الاخذ بالحكم الرشيد. لذلك شهدت بلداننا ما لم تشهده مناطق العالم الاخرى خلال العقد الاخير، من تطرف وعنف وارهاب وحروب. وما لم تنهض هذه الانظمة وتبادر هي بالاصلاح، فلتسمح لقوى مجتمعاتها المدنية واحزابها بالحرية والحركة، لصياغة وانجاز الاصلاحات المطلوبة سلمياً. والا سيتضاعف العنف والارهاب والحروب، او ستفرض القوى الخارجية هيمنة اكبر على بلدان المنطقة لاحتواء توتراتها تحاشياً لماقد يصيبها من اخطار حقيقة او مزعومة.
ثانياً: ليس صحيحاً ما تدعيه بعض انظمتنا الحاكمة من أن الشعوب غير مهيأة أو مستعدة للديمقراطية، فالشواهد من اثني عشر انتخاباً جرت في عام 2005 هي أنه حينما تسنح الفرصة لأي من شعوبنا لممارسة المشاركة السياسية، فإنها لا تتأخر او تتردد رغم حداثة العهد بالتجربة ورغم عقبات كثيرة مثل الاحتلال او تدني مستويات التعليم والمعيشة او الصوبات المادية والفنية.
ثالثاً: في ضوء ذلك فان المطلوب هو جداول زمنية من كل نظام حاكم للتحول الديمقراطي السلمي، خلال السنوات الخمس القادمة، بصرف النظر عن شكل النظام السياسي، ملكياً كان أم جمهورياً أم «جملوكياً» وبصرف النظر عن مصادر او اصول شرعيته، او التركيبة العرقية والدينية لشعبه. فهناك من الصياغات وتجارب شعوب ومجتمعات اخرى معاصرة ومجاورة ما يمكن الاسترشاد بها والتعلم منها.
رابعاً: وفي كل الاحوال هناك متطلبات مشتركة تمثل الحد الادنى لأي تحول ديمقراطي سلمي، وهي:
1 – إلغاء حالات الطوارئ وما تنطوي عليه من قوانين استثنائية مقيدة للحريات الطبيعية، اينما وجدت.
2 – إطلاق حرية الاعلام بكل انواعه المسموعة والمكتوبة والمرئية، ووضع نهاية لاحتكار الدولة له، فهو ضرورة للحوار العام حول القضايا التي تهم الناس، ورفع وعيهم بالبدائل المتاحة للتعامل معها، والاختيار من بينها، فلا ديمقراطية بلا إعلام حر.
3 – استقلال القضاء، حيث ان المساواة وحكم القانون يحققهما قضاء مستقل نزيه.
لذلك فهذا القضاء هو إحدى ضرورات التحول الديمقراطي في كل من بلدان المنطقة. ولابد من توفير التدريب والميزانيات والحماية الامنية المستقلة، حتى يستطيع هذا القضاء ان يؤدي دوره الضروري والمأمول على خير وجه.
4 – إطلاق حرية إنشاء منظمات المجتمع المدني والاحزاب السياسية وجعل القضاء المستقل وحده هو الرقيب والمنظم لحركتها وادائها في الحياة العامة.
وللمواطنين وحدهم الاختيار والانضواء في صفوف هذه المنظمات والاحزاب بإرادتهم الحرة. ان الاحزاب ومنظمات المجتمع المدني هي الاعصاب الحية للديمقراطية، وهي الشرايين التي تجدد ضخ الدماء في مؤسسات الحكم الرشيد.
خامساً: المطلوب من الاحزاب ومنظمات المجتمع المدني:
5 – على احزابنا ومنظمات المجتمع المدني في بلادنا ان تقوم بتنمية قدراتها الذاتية، وممارسة الديمقراطية الداخلية، في اختيار قيادتها وكوادرها، والشفافية في مصادر تمويلها و انشتطها.
6 – ومن ذلك استحداث مراصد قُطرية واقليمية لمتابعة الانجازات والاخفاقات والانتكاسات في مسيرة الديمقراطية والحريات الاساسية في بلدانها، وفي مقدمتها حقوق التعبير والتنظيم والتظاهر والاضراب.
7 – التمسك بالنضال المدني السلمي من اجل الديمقراطية بما في ذلك ممارسة التظاهر والعصيان المدني، في مواجهة تلكؤ الانظمة الحاكمة في الوفاء بالاستحقاقات الديمقراطية او الالتفاف حول المواثيق العالمية لحقوق الانسان.
سادساً: المطلوب من القوى الديمقراطية الخارجية:
8 – الدعم الادبي والمعنوي لمنظمات المجتمع المدني والقوى الديمقراطية المحلية، دون إملاء او فرض لأجندتها الخارجية.
9 – مطالبة القوى الديمقراطية الخارجية بممارسة الضغوط على الانظمة الاستبدادية لكي تكف عن تنكيلها بنشطاء حقوق الانسان، وقمعها لدعاة الديمقراطية، وان يكون تعاملها وتعاونها مع الانظمة في المنطقة مشروطاً بالتزامها وتجاوبها مع المطالب الديمقراطية لشعوبها.

* رئيس مركز ابن خلدون – مصر