أحلام «لندنية» تتبخر في دهاليز شرطة عدن! – بشير السيد

أحلام «لندنية» تتبخر في دهاليز شرطة عدن! – بشير السيد

قبل 5 أعوام كانت السيدة أروى الهمداني، تغادر سلالم طائرة أقلتها من لندن إلى مطار عدن بخطوات رشيقة لا توحي بأنها دخلت في العقد السابع من عمرها.
آنذاك كان عمرها 60 عاماً. والآن تمتلك معلومات وفيرة عن مرض السكر وادويته وكيفية الوقاية منه.
«لم أعرف مرض السكر إلا في اليمن» قالتها إبنة ضوضان همدان، المولودة في عدن والمقيمة في لندن منذ خمسينيات القرن الماضي هي وعائلتها.
عند وصولها إلى اليمن قبل خمس سنوات، حالمة باسترجاع أملاكها المؤممة إبان الحكم الاشتراكي في الشطر الجنوبي، لم تتخيل انها ستتحول من أجل ذلك إلى «مشارع» في المحاكم والنيابات ومن مرتادي أقسام الشرطة.
«كنت أحمل أملاً كبيراً في استرداد أملاكنا ولكن حتى الآن ما زلت أتابع».
تحدثك بطريقة تعكس تأثير الثقافة النظامية التي اكتسبتها في لندن، وتسند حديثها إلى ملف بجوارها مثخن بالوثائق والأوامر والتوجيهات.
وبعيداً عن قضايا عدة رأت الهمداني حصر لقائي بها في الحديث عن أرض تابعة لوالدها في منطقة كود- بيحان مديرية الشيخ عثمان. التي وجدت أن جزءاً كبيراً منها قد بني عليها مبان عشوائية.
بعد تقديمها الوثائق، التي تؤكد ملكيتها للأرض، وبعد أربع سنوات أقرت لجنة الفصل في الأراضي، يرأسها محافظ محافظة عدن وكذا مكتب الاسكان ملكية بقية ما تبقى منها للهمداني، وأمر المحافظ تمكينها من ارضها، ومنحت استمارة تنفيذ مخطط لها رقم (37و38و39) بمساحة قدرها (1525) متراً مربعاً إضافة إلى ترخيص بتسويرها من الاشغال العامة معززاً بحماية أمنية.
لكن اروى الهمداني وبعد مرور نصف شهر على تسويرها تلقت خبراً مزعجاً مطلع أكتوبر الماضي بقيام مجموعة مسلحة بمداهمة ارضها والاعتداء على حارسها وإنزال حاويتين على ترابها.
كان عليها التبليغ: «بلغت شرطة الشيخ وحققوا مع حارس نصبه المعتدون على الأرضية، وعرفنا بأن شخص يدعي اليافعي هو من قام بذلك ولكن لم يتم استدعاؤه أو إحالة ملف القضية إلى النيابة.
تقيم السيدة الهمداني منذ خمس سنوات في أحد اجنحة فندق المعلا بلازا، رفقة ابنها محمد، تقول أنها تقدمت بالعديد من الطلبات لجهات الاختصاص بإخراج الحاويات من ارضها ولكن دون جدوى، كما أن مطالبتها إحالة ملف قضية المعتدين على أرضها إلى النيابة لم تلقى طريقها للتنفيذ برغم توجيهات عدة لمدير الأمن.
اثناء متابعتها للقضية أبلغها موظف الاستقبال في فندق المعلا بلازا -مقر إقامتها- بأن جنوداً ينتضرونها في صالة الاستقبال، ويدعون بأن لديهم أمر قبض قهري عليها، الجنود التابعين لشرطة المعلا الشرطة القضائية رفضوا الخروج من الفندق، وقيام الهمداني بالعديد من الاتصالات وإبلاغ محاميها بالأمر تمكنت من اخراج الجنود بعد توفير ضمانة حضورية.
في اليوم التالي وعند وصولها إلى نيابة الشيخ عثمان اكتشفت بأن النيابة تتهمها بسرقة اسمنت وحديد بناء كانت في ارضيتها قبل تسويرها.
توقفت عند هذه النقطة عاجزة عن مواصلة الكلام، باكية.. رجوتها طالباً إيقاف تلك الدموع كان المشهد قاسياً على ابنة لندن: «أني مش سارقة، ومش بحاجتهم (تبكي) الأرض حقي كانت بيضاء لا يوجد عليها أي شيى وبنينا السور بوجود الحراسة الامنية من شرطة الشيخ، ويشهد كل من يعمل في جوار الارض بأنها كانت خالية».
وتواصل الحديث متسائلة : «لماذا لم يستدعوني قبل القبض القهري، هم يعرفون عنواني ارقام تلفوناتي».
في النيابة اثناء استجواب الهمداني سأل محاميها عضو النيابة «محبوب منصور» عن سبب اصدار أمر قبض قهري دون سابق إنذار.
لكن عضو النيابة بحسب الهمداني: «فتح ملف كان على سطح مكتبه واشار إلى إفادة شرطة الشيخ عثمان بأن المذكورة فارة من وجه العدالة وأطبق الملف مانعاً المحامي وموكلته «الهمداني» من الإطلاع عليه.
لكنها تفاجأت عندما اجابته عن مكان إقامتها بأنه صاح عليها. «ليش تسكنين في الفندق.. ليش ما تشتري لك بيت».
هكذا بدأ عضو النيابة «منصور محبوب» استجواب الهمداني تاركاً للآخرين تأويل كلامه؟!
ظلت الهمداني اربعة أيام تصعد إلى الطابق الرابع في نيابة الشيخ عثمان لاستجوابها في قضية كيدية، لفقت لها وبدت في اجراءاتها المستعجلة ملفتة حالتها للنيابة، وصدور أمر بالقبض القهري، وطريقة كلام عضو النيابة.
فيما قضية الاعتداء على ارضها وحارسها وإنزال حاويتين فيها لاتزال عالقة في قسم شرطة الشيخ عثمان. بعد أربع جلسات خرجت الهمداني بضمانة حضورية.
تواصل السيدة اروى الهمداني سرد تفاصيل مأساتها التي بدت كضريبة انتمائها لهذا الوطن.
بعد بعثها شكوى للنائب العام شارحة تفاصيل مأساتها أصدر تكليفاً إلى رئيس نيابة استئناف محافظة عدن يطلب منه سحب ملف قضيتها من نيابة الشيخ ومراجعة الاجراءات المتخذة من قبل النيابة ومدى قانونيتها.
حينها قالت: «فرجت». بيد أن سعادتها لم تستمرطويلاً. وتفاجأت بأن رئيس نيابة استئناف عدن يكذِّب ملكيتها للأرض وبأن طرفاً آخر يمتلكها ويستند على عقد انتفاع من الاسكان وبنفس الوقت عقد شراء من والدها (الهمداني)؟!
خمس سنوات والهمداني ما تزال تتابع املاكها في دهاليز أقسام الشرطة والنيابات. هي الآن في العاصمة صنعاء تتابع قضية ارضيتها في كود بي مان والتي من الطبيعي أن يسيل موقعها المتميز على جولة القاهرة والشيخ عثمان، لعاب الكثيرين من الذين اعتادوا أخذ ما لا يملكون.
تتابع وأملها الأخير في النائب العام، الرجل الذي وصفته بـ«الحقاني» وتهمس في أذني مستبشرة وتطلب مني عدم نشر ما اسرت به لكنها لم تمانع أن أورد أن النائب العام عازم لإنصافها.
اروى الهمداني المصابة حالياً بمرض السكري والضغط، بدت مؤخراً أكبر سناً، ويبدو أن دهاليز النيابات واقسام الشرطة لن تدعها تصعد سلم الطائرة مجدداً بتلك الخطوات الرشيقة التي قدمت بها إلى اليمن.