خليجي 18.. السقوط من جديد في الحتمية اليمنية – مروان الغفوري*

خليجي 18.. السقوط من جديد في الحتمية اليمنية – مروان الغفوري*

لا يعاني اليمنيون، البسطاء بالفطرة، من عُقدة اليمني؛ فهم يعيشون على ملاءة الحاصل غير مكترثين لطموحات إيران النووية ولا أبحاث الخلايا الجذعية في أميركا، وينامون على قصص التاريخ المشبّعة بتنويعات إنجاز كوني قديم لا تزال حاضرة الشواهد، مقتنعين في الآن ذاته بإمكانية استجلاب هذا التاريخ لتكييفه حاضراً في ردم الهوة الفاصلة بين فشل الراهن، الزمن اليمني غير النوعي، وعبقرية الماضي. في حين يسوق الرسميون، مناهضو سؤاليْ التاريخ والمستقبل، فرضية غاية في الخطورة تنص على أوهام الإنكسار اليمني الحتمية، وتقترح أماكن هامشية للحياة اليمنية بوصفها فرصة وحيدة للعب دور شاهد عيان تاريخي، كأبعد ما يمكن أن يكون منجزاً يمنيّا.
يدخل ضمن أجزاء هذه الفرضية، كأمثلة جاهزة للفهم، تصريحات لرئيس وزراء أسبق تجرّأ على حق اليمني، الإنساني، في حياة كريمة، بالقول: “على المواطن أن يعتمد على الدقيق الأحمَر من الآن فصاعداً”. حدث هذا منذ سنوات قريبة، نسبيّاً، من خلف منصة نظيفة في بهو البرلمان اليمني، في معرض تعليق دولة الرئيس على الارتفاع الحاد في سعر الدقيق الأبيض. أيضاً ما يفعله وزير الثقافة، صاحب العمل الإبداعي الوحيد والأكثر يُتماً، في مؤتمرات صنعاء للشعراء الشباب العرب، من فصل عنصري رديء، اقتضى عزل الشعراء العرب في فنادق غير تلك التي ينزل بها نظراؤهم المحليّون، فيما يمكن أن يشبه “كارنتين” أو حجر صحي إجباري يمارس ضد الإنتلجنسيا اليمنيّة المفترضة، أو، على الأقل، أبارتهايد apartheid جديد يسوقه السادة الوسيمون الممتلئون بعقدة الفشل، باستمرار، ضداً لليمني الجائع والشاعر.
دخولاً في فكرة اللحظة، فقد تفاوض النجم اليمني، المُسِن، كثيراً، مع نادي تشرين بُغية أن يتمكن من مشاركة فريق بلاده في خليجي 18. وعقب انغراسه، كهلاً، ضمن الصف الكروي الوطني، ركَل تصريحاً، بالنكهة الرسمية، يقول: “نشارك لمجرد المشاركة؛ فنحن واثقون من أن تحقيق نتائج طيّبة في هذه الدورة هو أمر مستحيلـ” (بالمناسبة، فإنّ عُمر هذه العقيدة الكروية اليمنية موازٍ تماماً لعمر الثورة في اليمن). وقبل هذه الدورة الرياضية، بزمن كروي قصير، انسحب الفريق اليمني من المشاركة في أولمبيات الأسياد، في قطر، بعد تبديد مائة مليون ريال يمني في معسكرات التدريب. وعلى هامش الخسارة السابقة، الأسياد، لم نتمكن من التعرف على كابتن جريء كان بمقدوره أن يحرّض فريقه على المشاركة لمجرد المشاركة، بمعزلٍ عن الحديث النشِط حول نجاة المنتخب اليمني (الحمد لله على السلامة)، عقب قراره عدم المشاركة، من الوقوع في فضيحة المنشطات (مركّب الأمفتمين المتركز بشكل بالغ في القات هو واحدة من أهم المواد المسجّلة في قائمة المنشطات لدى الفيفا). لقد اكتفينا، آنئذٍ، بإعادة ” لت وعجن ” قناعتنا بعدم قدرة ” اليمني” على الحضور الدولي الحقيقي بدرجة تحمل إمكانات تسجيل نجاح من أي لون، دون الحاجة لاستيراد أسباب مقنعة أو حتى مضللة يمكن أن تقف وراء هذه العقيدة السالبة، الأمر الذي يعني: تساوي حالتي الغياب والحضور، بالنسبة للزمن اليمن الراهن.في حين طالب المسؤولون الكرويون بضرورة اعتبار هذا الانسحاب فتحا تكتيكيّاً فرّ بمستقبل المستديرة اليمنيّة من الفشل المفترس.
بمقدوري، دون الحاجة لاستغلال فرصة الملهاة هُنا، أن أتصوّر فريق الهزائم اليمني (من الكروي حتى السياسي) وهو يحمل على ظهره صُرّة فشل مزمن، تحت ذريعة أننا ” عيال سعيدة” غيرُ القادرين على المنافسة حتى في سباق الهجن. غير أنه ليس بمقدوري تصور هذا الفريق متنكّراً في معطف سيزيف، يحملُ اسم اليمن لينوء بحمله على نحو فضائحي دائم، دون تفويض جماهيري حقيقي لهكذا تمثيل، لا سياسي ولا رياضي.
فواقع الحياة اليومية في اليمن، الممتلئ بالكبرياء الوطني، ذلك المترسّب من قصص الماضي عن اليماني العظيم والحميري المعجزة، كما في: يوماً ما كادت حمير أن تأكل الحنطة! وصوت فارس اليمانين الشهير سيف بن ذي يزن وهو يرمي قطع الذهب أمام ملك الفرس “بلدي هي الذهب في حقيقته”. هذا الواقع النفسي اليمني العالي (الّلازال حيّاً لا يُرزق) يفضح تردد السادة سفراء الشأن اليمني الخارجي المهزومين ويكشف بجلاء اغتصابهم لعملية تفويض غير حقيقيّة. بيْدَ أن هذا الموقف النفسي الواثق، والجاري تبديده حاليّاً بإسراف رسمي، يحاول أن يمدّ رأسه في الزمن اليمني المحتفي بالعدميّة، وأن يطرح راهنه للمساءلةِ في لحظة فارقة، بالنسبة لوعيه النوعي، جَعلت – ويا للسخرية- من التسوّل الدولي نجاحاً يستحق خروج الجماهير إلى مطار صنعاء، عرفاناً بصاحبه.
كذلك، قريباً من منطقة اقتران صفة ” اليمني” بالبدائي المتعهّد بالفشل، سيكون ملائماً أن نراقبَ لغة وزير الخارجية اليمني المرتبك في نيويورك (24 سبتمبر – 2006) في غمرة ذهول المشاهد العالمي من طريقة تعاطي اللجنة العليا للانتخابات مع قضية هي من الخطورة بمكان، أعني إعلان نتائج انتخابات يتحدد على أساسها منصب أعلى رتبة سياسية في البلاد. وكمحاولة مكشوفة للإفلات من انتقادات الصحفيين الحاضرين يعلّق القربي: “يجب أن تقيّموا الوقائع غير متناسين لحقيقة أنها تحدث في بلد هو اليمن”، (كثيرون اعتقدوا أن هذا التعليق الرسمي الرديء هو إفراز غير طبيعي لبلد عظيم يعيش وجوده في أزمة سؤال الخيارات).
الكابتن والوزير، في المساقين أعلاه، يعلّقان على فشل يمني غير منطقي بنفس الطريقة ويقدمان ذات التبرير النفسي المهزوم، بلغتين متشابهتين تماماً، دون حتى الحاجة إلى وزن المَشاهد بفوارق ثقافية يمكن أن تحدد موقعيهما كممثّلَين لليمن (بالإمكان إعادة ترتيب التمثيل كالتالي: اعتبار الوزير كابتن، والكابتن وزيراً، لن تؤدي عملية التبديل هذه إلى تغيير حقيقي في أدوار التمثيل لا سلباً ولا إيجاباً، طبقاً لحقيقة استعداد الرجلين، نفسياً وذهنياً، لتبرير الفشل وتقبّله كحتميّة يمنيّة). فدائماً ما يترسب الزمان إلى الأسفل البعيد إذا احتفظ المكان بتفاصيله الرثّة دون مصارحة سؤال التغيير والإبداع بكل شفافية. ويندغمان، الزمان المتعثّر والمكان الثابت، معاً بشكل مناهض لفكرة الصيرورة تماماً. وبإضاءة من هذه المكيانزم سنكتشف أن عمْر الوزير في فريق المخطط السياسي يوازي تقريبا عمر الكابتن، حامل شارة الفشل، في فريق الهزائم الرياضية بمعنى: النشوء والإرتقاء لعقيدة الحتمية اليمنيّة (السالبة، في جملتها العامة) بفعل المكان الثابت المناهض لفكرة الكفاءة والملاءمة.
الزمنُ، أيضاً، يخبرنا أن صفة اليمني لم تكن لتشكل عائقاً تاريخياً ضد أن تنجو اللجنة العليا للانتخابات، مثلاً، من الوقوع في فخ المهرّج” اليمني” المثالي. كذلك فإن صفة اليمني، الفقير المهزوم المريض الأمّي ال.. ال.. (كما يحلو للسادة السمان أن يقدمونا في معارض تحسين الحال الشخصي الدولية) لم تكن هي السبب الذي أجبر مدافع المنتخب اليمني على لمس الكرة بيده، أمام فريق الإمارات، في المنطقة الحرجة متسبباً في ركلة جزاء أخرجته من احتمالات المنافسة. ثمة عقيدة نفسيّة غاية في العنف يستحضرها الرسميون اليمنيون، تشكّلُ سبباً رئيساً في سقوط الرأس اليمنيّة في التمثيلات الخارجية، فتحت سطوة فكرة الحتمية اليمنية Yemeni determinism (أنا يمني، جئتُ لأتفرّج فقط، وليس من المعقول ليمني أن ينافس بنيّة الفوز). يتسرّب عضوان من وفد يمني، على طريق المثال، حضر إلى الاسكندرية ممثلاً لوزارة النفط في مؤتمر دولي مهم، منذ أربعة أعوام. وهكذا يصرف الوسيمان دولارات السفر بحثاً عن موديلات جديدة من الهواتف الخلويّة. وتفريخاً للعقيدة نفسها تقوم الجهات الرسميّة باختيار الطواويس المحليّة لتمثيل اليمن خارجيّاً، رغم إدراكها لحقيقة أن الطاووس المحلي هو “جولبة” في الميزان الخارجي. فرصة ملائمة، الآن، لنمر على حكاية طالب الطب (المثال سيضطرنا إلى مساءلة القائمين على اختيار أعضاء المنتخب اليمني) الذي حصل على درجة الماجستير من مصر في أمراض القلب (بالنكد والزبيب). يعود، نصفُ طبيبِ القلب الوسيم، إلى مصر بعد ستة أشهر فقط، من إعلان نتائج امتحانات الماجستير، ممثلاً لمجتمع أطباء القلب اليمنيين بصفة رسمية (رئيس وفد، يعني). وجنباً إلى جنب سيفترض به أن يجلس بجوار أساتذته الكبار في المؤتمر الطبي الدولي. حدث هذا بصفة دائمة في القاهرة منذ خمسة أعوام، متسبّباً في وجع قلب للراهن اليمني برمّته. ولن يكون غريباً أن يقرفص، طبقاً لإدراكه لمكانته العلمية كتلميذ على قدّ الحال، في الصف الأخير منتظراً وقت الراحة لإجراء اتصال تلفوني مهم بصديقه الصحفي في المؤسسة الرسمية (صِين) ليطلعه على إشادة الحاضرين بالورقة اليمنيّة “الباهرة”!
مهاتير محمد يتحدث في مذكراته عن اعتقاده بضرورة تغيير سوفت وير الاجتماعية (الذهنية) من خلال إعادة إحياء الكبرياء الوطنيّ، ضمن مشروعه الإصلاحي [ماليزيا قادرة على أن تفعل كل شيء] كخطوة إجبارية مرافقة للعمل على توفير البنى التحتيّة ؛ باعتبار الكبرياء الوطني محركاً إيجابياً للتاريخ، كما يرى مهاتير. وعليه فقد كانت فكرة بناء برجي كوالالمبور، تحققت سنة 1995م، تهدف إلى تجميع قلوب الماليزيين حول [رمز] وطني نبيل يعبرون من خلاله إلى إبراز الشخصية الوطنية بشموخ أمام الآخرين في العالم، أكثر من اعتباره منجزاً ماديّاً. وهذا يعيدنا إلى الحكاية الشعبية الشهيرة [قيل لعلي بن أبي طالب: كيف تقتل الفرسان؟ فقال: أبارز الفارس وأنا واثق من أني سأقتله وهو واثقٌ أني سأقتله، فنجتمع عليه الاثنان فنقتله].
عودة إلى خليجي 18، ففي مباراة اليمن والإمارات، كان المعلق الإماراتي يتحدث بنفَس اعتزازي: “يللا يا شباب، يا أبناء بلدي العظيمة التي لا تعرف المستحيلات.. يللا، إحنا الإمارات اللي كل يوم تخرج بإبداع جديد ومعجزة جديدة”. في الوقت ذاته: ماذا كان بمقدور معلق يمني أن يقول؟ فالناس لا تأكل التاريخ ولا تلبسه في الشتاء، ولا يُكتب في ملحقات جوازات السفر. مع ملاحظة أن الرسميين الوسيمين يرددون دائماً مقولة أن الذي يصنع التاريخ في اليمن هو الرئيس وليس الشعب، وهي مقولة ستجعلنا نتساءل بجديّة: لماذا إذن نطالب المنتخب اليمني بتحقيق إنجاز مهم، رغم عدم انضمام الرئيس -القادر الوحيد على صناعة المنجز- إلى تشكيلة المنتخب؟ وسيكون المشهد مخجلاً إذا حاول معلق فاشل أن يزج بسد مأرب في الملعب. كنّا نلعب مع دولة لا يتجاوز عمرها الحضاري عُمر قائد الفريق اليمني، لكن كبرياءها كان حاضراً، في حين غاب تاريخنا الاستثنائي الذي يساوي، نسبيّاً، تاريخ كوكب الأرض. لقد عمدوا، بمهارة، إلى تربية الثقة في لاعبيهم وجماهيرهم كما نربي نحن الفشل في قلوبنا. حتى محاولة رئيس الجمهورية تشجيع الفريق اليمني، في استراحة ما بين الشوطين، ووعوده بمكافآت مالية لمن سيحرز هدفاً (في أي مرمى، كتعليق ساخر من صديقي). هذه المحاولة البائسة المقلّدة لثقافة منح رتبة Knight في المجتمع الإنجليزي، لمن يقوم بعمل مهم لمصلحة الأمة الإنجليزية، فقد جاءت متأخرة جدّاً، وقريبة من فكرة لعبة القِمار Gambling أكثر منها دعماً معنويّاً حقيقيّاً. كما أن ربط حديث الرئيس للمنتخب بين الفوز والمنحة المالية أعاد إنتاج علاقة السيد – العبد، في المشهد النفسي، من جديد. وهي علاقة هادمة لفكرة التحرّر والكبرياء ولا يمكن أن تقود إلى نتيجة خارج احتمالات الهزيمة؛ كونها تكشف مساحات عميقة من إحساس اليمني بالضياع التاريخي، وتضعه – من جديد أمام متاهته الراهنة في البحث عن “القِرْش”، المتاهة التي مكّنت لآخرين يمنيين، في لحظات تاريخية غير حميدة، أن يتفضّلوا به عليه ويتسلّوا بركضه خلفه، هكذا بغض النظر عن الظروف التي قادتهم إلى مكان السيد المتفضّل.
هناك حادثة مهمّة، في السياق ذاته: فبعد هزيمة المنتخب اليمني” الناشئين ” في كأس آسيا، منذ أعوام، في المباراة النهائية أمام المنتخب الكوري الجنوبي، بفعل ضربات الترجيح، كنا نسمع مواطنين كثيرين يتحدثون عن تبييت النيّة باغتيال اللاعب اليمني الذي أضاع ضربة ترجيح تسببت في خروج المنتخب مهزوماً. لقد كانت مثل هذه الأحاسيس مقدمة ذهنية مهمّة لإعادة ترميم الشعور الوطني بالقدرة على صناعة كل شيء، وبجدارة “اليمني” بالحُلم الكبير. غير أنّه بدا، بعد ذلك، أن أمامنا مسافة طويلة لكي نعود مرّة أخرى إلى مربع استنكار الهزيمة وعقيدة ” خُلِق اليمني ليكون أوّلاً في كل شيء”. لقد كان حضورنا في خليجي 18 ساقطاً بامتياز، إذا أخذنا في اعتبارنا أن فريقنا لم يهزم بعدد الأهداف التي دخلت مرماه فحسب، بل بسقوطه كـ” أخضر” في وجود الأخضر الحقيقي الذي أباح لنفسه احتكار اللون، وحرّمناه على أنفسنا بفعل وسطوة عقيدة الهزيمة وغياب الجدارة، وبإيحاء فوقي من الأخضر الآخر بأنه “إذا حضر الماء بطل التيمم”. إننا سقطنا نفسيّا، بصورة مؤثرة، بعيداً عن ترتيب الفائزين في جداول نهاية الدورة.. سقوطاً يدفعنا إلى منطقة أسئلة شائكة عن الحتميّات اليمانية السالبة والموجبة.
 
* شاعر وكاتب يمني مقيم في القاهرة
[email protected]