الإسلامي قادر على الحب, الإسلامي ليس عمودا.. في صوغ انطباع ملائم وخال من الارتياب – محمد العلائي

الإسلامي قادر على الحب, الإسلامي ليس عمودا.. في صوغ انطباع ملائم وخال من الارتياب – محمد العلائي

ونحن على مقربة, من مؤتمره العام الرابع, يفترض عديد مهتمين أن للتجمع اليمني للإصلاح بقعاً لم تزل غامقة, استبقاها قيد الإخفاء, كمن يفرد إصبعين والإصبعان الآخران ينطويان على شيء ما مريب, بتعبير “الافتراضيات” الراهنة.
وصدقا, البقع الغامقة هذه غدت محجّا اضطراريا لمتفحصي طياته ” الإصلاح”, وبالتالي, يتموقع, ثمة تجديف جدلي توهيمي ممتد وفارد, إلى الآخر, أطرافه. في الأعم هو -الجدل- يتفلى إجابات أكثر دسامة واقل تتويها.
وخارجا. بعدة موضوعية, عن آليات النقاش الرث رثاثة البنية الفنية والدلالية, قفز الصديق العزيز ماجد المذحجي “بدستة” فيلسوفية فاتنة بالفعل, وغائصة في ما هو محتدم ومثير, إطرائي هذا يرافقه التأكيد بأني لست مع استنتاجات قطعية اقترف ماجد حسمها وما كان ينبغي. أنا, حقا, مع مطلق الاحتماليات التي ما انفك ماجد يبثها في أركان مقالته كإيماء إلى أن ما هو معتم يضل كذلك ريثما تزول الغشاوات عنه.
سوف لا يعود في وسعي الدلوف في النقائض” الشيء ونقيضه”, بل في مآزرة مسعاه ولكن بالتخفف من شكوكات اعتقد خلو زمن الفكر الإصلاحي وموقعه من جلها, على الأقل نظريا.
دأب ماجد, على صنع مقابلة صورية مربكة وعاجة بالغرابة. فالحميمة الطارئة التي استولدها تحالف سياسي آني يقابلها فرد إسلامي كان ملتاثا بالجهامة, وظهر لوهلة شخص ودود وقادر على الحب وبقرار تنظيمي.
لا أقسى من هذا, بالنسبة لي حتى, دلك أنك تعرف, تماما, أسبقيتي في طلب صداقتك, وكنت عرضت إعجابي بسماتك الكتابية كمستهل لطلب أن نكون أصدقاء, هذا, مع أن حدسي أوعز لي انك يساري الهوى.
أحببتك إذا, فعلا, وأحرص منك كنت على مقابلتك ولم أجد في أعماقي أية عوالق” تسييس”, وفي لحظة المقيل الأول الذي جمعنا كنت باتجاه إشادة محبة إنسانية خالصة محض إنسانية, صدقني.
عقب هذا العتب الخفيف, سأتحدث ” كإسلامي” وكـ” إنسان”. ومن مربع مطلع, وان بقدر يسير وواطىء, يستطيع ملامسة مساحات دنيا من مفاعيل التحرك السياسي والثقافي للإصلاح, واقصد بـ” دنيا” القواعد التي أعايش أجزاء منها وهي التي ينبني انطلاقا منها جذعه الهيكلي وتقاطيعه باتجاه رأسي وافقي, مواز لما يحصل لأية تنظيم مستقى من أزمنة الخفاء.
وعطفا على ما سبق, ينبغي القول انه لم يتبق, بظني, أدنى غضاضة لدى أي فرد إصلاحي عادي من التحام حزبهم مع يساريين وقوميين, باستثناء أفراد” اقليين” هم موضع تندر وازدراء الأكثرية.
 
إخوان اليمن وتضائل الشعار
يبدو لي, دائما, انه من الفجاجة التعمية على بصمات مائزة دمغت النسقية التاريخية لحركة الإخوان المسلمين اليمنية. وأكثرها بروزا, مذ تبلورها في حزب سياسي, الظهور بتعبير نظري خال, أو لنقل مقتسط, من الشعارات الصارخة التي انطبعت بها المكونات السياسية الأخرى, ليس في اليمن فحسب، بل في العالم العربي ومنها حركات الإخوان في بقية الأقطار.
هي، على أي حال, وفي أدبياتها, قبل أن نقول ممارستها, درجت على خطاب مصاغ بنفحة مدنية, ويحضر الدين فيه بأقل مما هو حاضر في ميثاق المؤتمر الشعبي العام وبأقل مما يحضر الهتاف القومي لدى التنظيم الناصري, وبأقل أيضا مما حضرت المقولات الشيوعية في الخطاب الاشتراكي الخاص, آنذاك.
كان المأمول, أن الحزب المتفرع من تنظيم الإخوان سيرضع من الأخير بأكثف مما حصل بالفعل. لكن الإصلاح, وقد صار حزبا سياسيا مدنيا آت من أحضان مكون تنظيمي ذي جذور وبناء إسلاميين محضين, بدت هيئته الخارجية متسقة غيرما مرة مع اشتراطات العصر وخياراته, سواء في الحريات والحقوق السياسية أم في الحريات والحقوق الاجتماعية إلى حد معقول. ولحظ تساوقه أيضا, وفق متاحاته المرجعية, مرحليا, مع النبرة الحداثية, وبالتحديد حين الحديث في شأن الديمقراطية والانتخابات, وقاد في هذا المجال أكثر أطرافه تزمتا حملات توعية” تؤسلم” آلياتها” -الديمقراطية- وتفتي بوجوبية أن يحكم الشعب نفسه.
بأي حال، قلت إنه كان يؤمل انصباب محمولات ” الإخوان” الناظمة لها, إلى متسع آخر وباسم مغاير, عدا أن الأمر لم يبد كذلك بالمرة. شرع الحزب الناشئ لتوه “يتبلـ” الجسد الذي طفر منه بجرعات زودته بها يوميات خِلطة جماهيرية مباشرة.
ولم نر, أي نشاط تنظيمي إلا وفكرة أننا حزبا سياسيا, تحجب ما عداها بالتدرج, وسوى شعائر تعبدية تؤدى جماعيا ويعرفها كل مسلم.
اذا, ومما سبق, فالنضج متنام والخط السياسي هو الذي غدا يجر عربة التحولات الذاتية رغما عن التراتبية “الجوانية” المتكلسة.
 
في ان الاصلاحي قادر على الحب
بالتأكيد, الإصلاح حزب إسلامي, سيظل. وله ثابت مثلما لغيره, يبقي القسمات الذاتية معلومة, وغير مذابة ولو في اللقاء المشترك. وكما دائما الناصري يعبر عن هويته بملامح ممارساتية محددة, واليساري يفصح عن يساريته بلغات نطق يعرفها, فلم على الإصلاحي أن لا يحدد معالمه بشفافية؟ ولم مطلوب من على الدوام كيما لا “يرتابه” غيره, التحلل من أشواقه الخاصة, وتعميده, طالما تصالب عليها, بالعنفية والجمود؟, إنني أتساءل.
أخي ماجد, ما كنت, مطلقا, أتوقع أن إخوانا لنا في الوطن والدين, إلى وقت قريب, يرتابون منا على النحو الذي حكيته لي لحظة بوح. وزادت خيبتي بعد أن قيل لي إن ارتيابا مشابها لم أعشه كان يكنُّه الإسلاميون لإخوانهم الاشتراكيين. ثم ما ذنبنا لكي نرث تركة الأحقاد النائمة, والتي أكدت نقاشاتك انه في أي لحظة قد تصحوا بالارتياب الذي يشتغل, ما يزال.
ولئن لم نختلف في أن الايديولوجيا والإنسان لا يلغي احدهما الآخر, فلماذا لا تني نخب سياسية وثقافية تذرّر إيحاءات سالبة ومثبطة, إيحاءات تجرد الإصلاحي من كونه بشرا كأي بشر, وتعزله كليا عن مشاعره وأحاسيسه! فمن العسف, مثلا, احتسابه عمودا فولاذيا ولا من هم له غير التكتيك وزرع الخطط, علاوة على فصله, قصدا, عن محيط معيش وغير خاف على أي ممن يسربون هكذا تواصيف.
سنكون على ما يرام, لو نحينا” جاهز” الانطباعات, جانبا. فليس جيدا مثلا تركيب معادلات مستوحاة من مشاهدات محصورة وسحبها على كامل هذا الفصيل أو ذاك, أي من غير المنطقي أن نغذي حكما عموميا بالتنطع على الإسلاميين سائر الإسلاميين, لأننا عايشنا فردا منهم متنطعا.
فيما خص نظرة الإصلاح للحريات الاجتماعية, فما من شك, ثمة فصام غائر بين التعبير والممارسة وليس هذا موضع نقاشنا, فهذا داء العربي إجمالا. وتبعا لذلك لست أستطيع تفنيد كون تركة الإصلاح النظرية مرتكزة على تذويب الفرد لحساب الجماعة, والحرية الشخصية معقودة “بتابو” أخلاقي وشرعي لا يمكن تخطيهما. إلا انه بالمقابل وفي مجتمعنا بالذات الايديولوجيا مضطهدة بلزوميات عرفية مهيمنة, إذ, لا السكر ولا التبرج -لا اقصد خلع النقاب- كمثالين, مرفوضان في الإصلاح فقط، بل من كل المفردات الاجتماعية ومحتواها الثقافي, حسب علمي.
كما ليس الإسلامي في اليمن وحده المنغلق” في صدفة عقائدية” اليمني بصورة عامة كذلك. فمع تقديري لمعتنقي الفكرة العلمانية إلا أن أحدا منهم لم يجرؤ على الإفصاح عن معتنقه صراحة مثلما في أي بلد آخر، لبنان، مصر -مثلاً-.
أليس من بين, إن لم نقل كل, الموانع هي التابوهات الاجتماعية والتدين العفوي المحروس بالعرف.
راح صديقي ماجد, يذهب في تحميل الإسلامي -وأرفض مطاطية هذا النعت فالإصلاحي لم يعد حتى إسلاميا في نظر جماعات إسلامية أشار إليها ماجد- وزر الارتياب العالق بذهنه, إلا انه كان عليه إشراك نفسه في ذات الوزر على اعتبار انه, كما هم, لم ينفتح عليهم إلا بقرار من التنظيم الذي ينتمي إليه ” عاطفيا”.
 
ونواقص ذاتية, وقفزات
خلا الأسبوعين الفائتين شهدت أروقة الإصلاح انتخابات هي الأولى على هذا النحو. لن أركز على ما اكتنفتها من أجواء غير مغذاة بتعميمات داخلية, الأجدر بالانتباه هو نشوء وعي يصير اليدومي مساو فيه لأصغر فرد في السلم الهرمي التراتبي, وهي سابقة سيكون من الجيد الإشادة بها ومباركتها.
إلى ذلك, اتساع المساحة النخبوية غير التقليدية, والتي تمكنت بكفاح مرير, ضبط النسق الإعلامي الذي فيما قبل كان منحطا للغاية. أتحدث عن مسالك فردية قافزة” لمحازبين” اعرفهم تماما, نجمت عنهم تصورات ايجابية تجاه الإصلاح, واقل توجسا.
 وهم من اعتبرهم ماجد مفكوكي” الارتباط بإرثهم المتجهم” وهذا ليس على الدوام صائبا ذلك أن انفتاح هؤلاء بظني هو نتاج علاقة وطيدة بينهم والبرنامج السياسي للحزب, البرنامج المنتبذ ممن يستفظعهم ماجد في ناحية أخرى من المقال. أضف إلى ذلك تفاعلهم مع سقف التعبير المعلن والآخذ في التمدد. حتى لكأنه يستبق الإطار الثقافي الداخلي, مع انه احيانا يقتات من هذا الإطار. وفي كل, أتحدث كما لو ما من سقطات ولا ثلمات. وهذا, بالواقع, يسلب مقاربتي معناها.
من الثلمات أن هذه النخبة, بالطبع, ووجهت جهودها تلك بالجحود, بل أكثر من ذلك, العزل دونما التفاتة من احد, إنما في العادة هو سلوك لا يلتصق بالإصلاح فحسب, وهذا عزاء كاف.
ثم إن مكامن ترهل ذاتي شديد الاستفحال نتوخى تلافيه وأخذه في الاعتبار أثناء الفعالية الأهم” المؤتمر العام”. كأن تظل دائرة التنظيم والتأهيل هي راسمة الخط المعياري المحدد لسمات شخص كي يتسلم مرتبة قيادية بعينها, طبعا في هذا معقولية, لولا أن القيمين على الدائرة هذه ثاوون بمنأى عن المحفل السياسي ومعطياته, ولولا أنها لم تصمم سلما حلزونيا من الصعب اجتيازه بالكفاءة السياسة أو الثقافية, تجتازه ما لم تكن شيئا آخر. أو أن, لوفائه بالتزامات داخلية, يجثم شخص كـ” مصطفى الفتيح” على رأس تحرير صحيفة الصحوة, فيما هو, بطريقة ما, لا يجيد أساسات ولوازم العمل الصحافي, فضلا عن كون رئيس الدائرة الإعلامية، وللعلة ذاتها, ارتقى إلى ما هو عليه وتخصصه لا يمت بوشيجة صلة للإعلام البتة.
مسألة أخرى, دوائر الأمانة العامة, عدا ثلاث أو أربع, مجمدة أو جامدة, أسماء منحوتة, مصلوبة، غرف مؤثثة للفراغ, فلا الدائرة الاجتماعية ولا النقابات ولا التعليم, كلها دواليب لا أكثر ركنت وأريد له السكون هكذا. أرجو إعادة النظر كون الحزب مهيأ لأن يحكم يوما ما.
[email protected]