صوت مغتربي حضرموت المغيب (الصورة الخليجية) – عادل صلاح البطاطي

صوت مغتربي حضرموت المغيب (الصورة الخليجية) – عادل صلاح البطاطي

في الخليج قام الحضارم القدامى بتأسيس وبناء صورة الإنسان الحضرمي المكافح النزيه, سمعة كبيرة جعلت من هذا الحضرمي مثالا للنزاهة لتصبح أغلب دول الخليج والشركات الكبرى لاتأمن لمنصب الصندوق والمالية الا لمن كان من أبناء حضرموت وذلك لأمانتهم ونزاهتهم كما كان لذلك أكبر أثر في قبولهم في هذه الدول سواسية كأبناء تلك البلاد من دون تفرقة الا في الأوراق الرسمية وهذا ما جعل تجنيس أبناء حضرموت شائعا في تلك البلدان.
كما لم يمثل أبناء حضرموت خطرا على إقتصاديات تلك البلدان، بل كانوا عونا وعمادا لهذه الإقتصاديات ولم يمثلوا خطراً إجتماعياً وذلك لوجودهم مع عوائلهم وتداخلهم اقتصاديا واجتماعيا مع أبنائها فكان أن أغفل أهلها أعينهم عن النظر اليهم كأجانب وأغفلت الحكومات النظر عن تجاوزات قانونية للحضارم خصوصاً، دون سواهم ألا وأهمها قضية التستر.
فقد قام أبناء حضرموت ببناء العمائر والفلل وإقامة المؤسسات والمصانع والشركات بأسماء سعوديين سواء كانوا سعوديين الأصل أم حضارم متجنسين, وقاموا بالعمل الدؤوب يباشرون أعمالهم علانية من دون تخف ظاهرين أنفسهم يتعاملون مع أبناء تلك البلاد مباشرة فلم يقم أحد بالإبلاغ عنهم ولا قامت هذه الدول بمضايقتهم مع أن تلك الحكومات عالمة بكل ما يفعلون. كما قام بين هؤلاء الحضارم تكامل وتكافل فريد من نوعه فكانوا يساعدوا بعضهم بعضاً ويتكفلون بالأيتام منهم ويعينوا بعضهم عند الحاجة ويدعمون بعضهم بعضاً تجارياً، كما أذكر أن البعض سمع بوجود شغالة اندونيسية تعمل في أحد البيوت ولها اسم حضرمي فقاموا بتبليغ أبناء قبيلتها في السعودية فكانوا أن اجتمعوا وقرروا تحويل كفالتها الى أحدهم وصرف راتب لها وتوفير عمل لأخوها حتى لاتضطر للعمل في البيوت. هذا هو حالهم, وهذه هي مبادؤهم, وهذا هو نهجهم. فكانت حوالاتهم لأقاربهم وزكاتهم تذهب الى كل حضرموت مدنها ووديانها.
كل هذا كان صورة جميلة حتى قامت الوحدة ففرح أبناء حضرموت في المهجر بها وبعدها بقليل قامت حرب الخليج. وبدأت التقاطعات السياسية وتأثيراتها على أبناء حضرموت تتمحور. ففي المملكة االعربية السعودية تم التشديد على قانون التستر وتم سن قانون يعطي من يبلغ عن أي متستر نصيب من ماله فقامت اللجان للبحث عن المتسترين وقام كثير من الناس يبحثون عن المتسترين للتبليغ عنهم وكان أبناء حضرموت في واقع مخيف بين فقدان أموالهم والسجن والإهانة. تحرك الكثير من أبناء حضرموت متجهين الى اليمن هروبا من واقع مخيف مظلم ليجدوا اليمن في حالة كراهية وابتهاج بما يفعله العراق في الكويت. وصلوا اليمن آملين في ملاذ آمن ليجدوا الناس في مظاهرات تقوم بتدمير سيارات تحمل لوحات سعودية (مملوكة لأبناء حضرموت). وجدوا أنفسهم بين فكي كماشة لاترحم. وكان خوفهم خوفين وظلمتهم ظلمتين.
وتدخل اخيرا الرئيس علي عبدالله صالح ليتم تهدئة قضية التستر على أبناء حضرموت وخف التضييق مع أنه لم ينتهِ وعادت الحياة أقرب للسابق ولكن بنبض مختلف، فبدأ أبناء حضرموت يدركون حقيقة المخاطرة التي يعيشون فيها. فبدأوا يؤسسوا شيئا أو أي شيئ في بلادهم آخذين في الإعتبار حالة أبناء حضرموت في الكويت والذين عادوا ليجدوا أنفسهم بلا سكن مناسب ولا عمل مضطرين لمضايقة أقاربهم في السكن، بعدما كانوا يعيشون عيشة جيدة وحال أفضل, ولهذا فقط نرى مدينة المكلا مزدهرة بالعمران الذي كان والى فترة قصيرة عمراناً خالياً من سكانه. كانت مجرد عمائر إن حدث شيئ يجدون فيها سكناً لهم وملجأ لأبنائهم.
وبدأت مرحلة جديدة في السعودية, حيث كثرت فيه التجارة وزاد الغلاء وانتشر الجشع بين الناس (ولا نخص السعودية بالذكر وننسى أنفسنا في اليمن) فكان أن بدأت مرحلة أكل الناس بعضهم بعضا. فقد سمعنا القصص والقصص عن مأس يرويها أصحابها تارة، ويرويها أقاربهم تارة عن شركة مملوكة لأحد أبناء حضرموت يستولي عليها من هي مسجلة باسمه وعن مصانع وعمائر وأراض وفلل تضيع على أصحابها لمن هي مسجلة باسمه أو بابتزاز منه وأذكر رجلا كبيرا في السن يبكي و يحلف بالله أن كفيله استولى على شركته والتي تقدر بثمانية مليون ريال تاركا هذا الرجل الكبير مفلسا في الشارع. ولم يكن هذا الإستيلاء من قبل سعوديين فقط -ولا نعمم فالكثير منهم مازالوا على امانتهم بل نذكر حالات فقط- بل أصبح بعض أبناء حضرموت أشد وأسوأ على أبناء جلدتهم. فهذا الإبن يريد أن يستولي على عمارة أبيه لأنه متجنس وأباه غير متجنس ولكن الفرق الكبير أنه عندما قدم الأب شكوى على ابنه قامت الحكومة السعودية بالتهديد بسحب جنسية الإبن إذا هو تجرأ على الإستيلاء على عمارة أبيه والتصرف بها. فالحق يقال إنها حكومة رشيدة ولها من الأفضال على أبناء حضرموت الكثير الكثير.
المهم “مسكين بو حضرم”.
[email protected]