أُتهم بالجاسوسية، والإدلاء ببيانات غير صحيحة.. بن معيلي (السجين).. برأته النيابة وقيدته أوامر القمش!

أُتهم بالجاسوسية، والإدلاء ببيانات غير صحيحة.. بن معيلي (السجين).. برأته النيابة وقيدته أوامر القمش!

لم تفلح كل تلك الأوامر النيابية: شفهية وتحريرية، بالإفراج عنه؛ إذ ما يزال محبوساً. ولا عشرات المناشدات والشكاوي أجدت. كل ما في الأمر أن الرجل مسجون منذ 13/5/2001 تحت مسمى «وديعة»، بتوجيهات الفندم رئيس الجهاز.
من يقف على قضية سجين اللاتهمة «أحمد بن معيلي» إنْ في السجن (7 سنوات) أو على طول خط حياته التي تناهز ال70 عاماً وتفاصيل مراحلها الوعرة يجدها ذات طابع تراجيدي حزين حد الإيلام. تدثرت بالمعاناة والتعب المضني. منذ الطفولة وحتى الآن و«أحمد» يسير وحيداً في عوالم الإغتراب والمنافي؛ إذ ما زالت لعنة اليتم تطارده حتى في عقده السابع.
 
– تحقيق: علي الضبيبي
 
 
الحكاية من ثقبٍ ضيّق
«أنا من عبيدة، وأبي شيخ مشائخ مارب، وأمي «ح. ع»، ومن 19 سبتمبر 98 وأنا محبوس بأوامر غالب القمش»، هكذا يشكو بن معيلي لـ«النداء» في لحظة حظٍ وجدها سانحة للبوح إذ لم يصادفها منذ سنين.
أعتُقل بن معيلي من قبل أمن سياسي صنعاء وأودع سجن الأمن لمدة عام كامل. ثم أفرج عنه، لكن الإطلاق لم يدم سوى سنة واربعة اشهر، كما يقول، «ثم اعتقلني الأمن مرة أخرى أثناء ترسيم الحدود السعودية اليمنية في 6 مايو 2001.
في الإعتقال الأول اتهمته مصلحة الهجرة والجوازات والجنسية بالضلوع في الجاسوسية لعدة دول فيها السعودية، خاصة والرجل يفيد بأنه درس هناك وتقلد فيها عدة مناصب قيادية كان آخرها في المباحث العامة السعودية برتبة عقيد، كما في مذكرة رئيس مصلحة الهجرة، محمد راجح نجاد، إلى وزير الداخلية بتاريخ 24 أغسطس 99. وتقول المذكرة، التي حصلت «النداء» على نسخة منها: «الرجل يفيد بأنه من الأمن وأنه يعمل لصالح اليمن بنفس الرتبة السابقة (عقيد)، وأنه حصل على الجوازات بمساعدة الأمن السياسي اليمني، وبالتنسيق مع بعض السفارات اليمنية في الخارج». وتضيف المذكرة: «اتضح أن المذكور يعرف شخصيات أمنية كثيرة وأنهم يعلمون بعمله ومنهم: عبدالله محرم، ومحمد الصرمي، ومحمد علي محسن».
وفي المرة الثانية في 6/5/2001 وأثناء مراجعته لدى مصلحة الهجرة والجوازات اعتقله الأمن، وبعد أسبوع تم إيداعه في السجن المركزي بصنعاء حيث لا يزال. هذه المرة اتهمته مصلحة الجوازات بـ«الإدلاء ببيانات غير صحيحة» وأنه غير يمني، لكنها لم تقدم أي دليل مادي يسند ادعاءها. ولأنها كذلك فقد صدر قرار بتاريخ 18يناير 2003 من نيابة الجوازات والأحوال المدنية يقضي بالإفراج الفوري عن المتهم، حيث «وأن الثابت في الأوراق خلو التهمة من أي دليل مادي (…) ولم تقدم المدعية (مصلحة الجوازات) ما يثبت دعواها بدليل لإسناد التهمة»، لذلك السبب، واستناداً إلى تقديم المتهم (أحمد بن معيلي) ما يثبت جنسيته اليمنية: بطاقة شخصية، عائلية، جوازات سفر يمنية؛ قررت النيابة إسقاط الدعوى بالتقادم، بل وأكدت: «الثابت اكتساب المذكور للجنسية». هذا القرار من النيابة المختصة عُزِّز بتوجيه خطي من وكيلها، فؤاد النجار، إلى مدير السجن المركزي بالإفراج الفوري عن احمد بن معيلي «تنفيذاً لقرار النيابة (…) ونحملكم مسؤولية تأخير تنفيذ هذا…»، جاء في التوجيه. لكن شيئاً لم يتم! فقد سبقته عدة توجيهات عليا، بعضها إلى رئيس مصلحة الجوازات كتوجيه المحامي العام الأول طه علي صالح بالإفراج عنه وإنهاء حبسه غير القانوني، وبعضها إلى مدير عام المنشأة العقابية بدءاً برئيس نيابة شمال الأمانة، مروراً بنيابة السجن ذاته، وصولاً إلى نيابة استئناف الأمانة في 4 أكتوبر 2003.
 
التنقيب تحت أطلال عبيدة
وأنت ترفع رأسك لتستمع إليه يروي قصة حياته الزاخرة بالأحداث والتقلبات والتداخل العجيب لأشياء كثيرة: أسرية، اجتماعية، وأمنية، قد لا تمسك بخيوط سببيَّة توصلك أو حتى تقربك من مرمى القضية.
فلأسباب أسرية واجتماعية، رُحِّل بن معيلي إلى المملكة العربية السعودية مبكراً عام 59 وعمره لا يتجاوز ال14 سنة وبجواز سفر يمني (ملكي) يحمل اسم «أحمد عيسى بن معيلي»، وما يزال الجواز موجوداً في حوزة محامي مصلحة الهجرة والجوازات، كما يذكر.
ووفقاً لأقواله في محاضر التحقيقات فقد ظل يدعى بـ«أحمد عيسى» ولم يكتشف اسمه الحقيقي (أحمد بن علي بن معيلي) إلا عام 67.
«ولكون شهاداتي وزوجاتي وأولادي جميعهم يحملون هذا الاسم فقد استمريت به». منح إثر عودته إلى اليمن عام 1974 جواز سفر يمني (مازال يحتفظ بصورة منه) وتلته ستة جوازات بفارق سنوات الاصدار.
يدَّعي بن معيلي أنه عاد إلى اليمن عام 90 بناءً على توجيهات من العميد عبدالله علي محرم وكيل جهاز الأمن السياسي «فالتحقت مباشرة بالأمن». ويضيف أنه حظيَّ برتبة عالية «وصرفت لي فيللا وسيارة ومرافقين».
وبين اللحظة والأخرى يعود بن معيلي 70 سنة حيث صباه، ليستشهد بأسماء ومناطق تؤكد عراقة انتمائه الأسري، فبالإضافة إلى إخوانه.
يذكر الرجل شخصاً رافق صباه يدعى (حمد بن المصَّيغ) صاحب محطة للبترول. «هو صاحبي من الطفولة وهو من الحصون في مارب» مستدلاً بعلامة في رأس الرجل (ضربة) ما زالت باينة على إثر خلاف بينهما إذ كانا صغاراً.
وقال إن أخوانه يعرفونه ويزورونه وبصورة متقطعة.«زارني أخي عبدالله عضو مجلس النواب في 7 ديسمبر 2003 ووعدني بأن يروح للقمش ويحل مشكلتي ولكن راح ولم يعد». وبينما كان يسرد القضية صرخ بحرقة: «أنا لست ابن حرام! أنا ابن حلال! ومحكمة حريب التي أكدت ذلك أنني من مارب وجميع آل عبيدة يشهدوا، وأقسم لو كان أبي حيَّاً لما رضي».
 
بذمة سبب آخر!
«النداء» سألت وكيل نيابة السجن المركزي الاستاذ صالح العُزير عن أسباب إبقائه في السجن دونما قضية، فأفاد بأن نيابة الهجرة والجوازات تصرفت بشأن قضيته وخلصت إلىالتقرير بأن لا وجه لإقامة الدعوى الجزائية ضده، لعدم الجريمة. وأضاف أنها وجهت بالإفراج عنه غير أن إدارة السجن لم تنفذ الأمر «بحجة أن المذكور أودع من جهة أخرى ولسبب آخر». وأضاف العُزير مبدياً تبرمه من عدم الإفراج: «نحن نقوم شهرياً برفع اسمه إلى الجهات المختصة وهي على إطلاع تام بذلك، ونوصل الشكاوى إلى الجهات المختصة لسرعة الفصل في أمره حيث لا يجوز إبقاؤه في السجن دون حكم أو محاكمة أو ملف منظور».
وهكذا يعيش بن معيلي في كهف غُرب ثلاث: عن أخوانه وعصبته، وعن أبنائه وزوجته الذين لم يرهم منذ سنوات طوال، وعن الوطن الذي أنكره ورماه في محيط نسيان لُجِّي.
 
 
المحكمة رفضت الدعوى
تمكن المعيلي بعد مضي ست سنوات على سجنه من توكيل منظمة «هود» للدفاع عنه، والتي بدورها توجهت فوراً برفع دعوى قضائية (طلب تعويض) إلى محكمة جنوب غرب الأمانة عبر مؤسسة «علاو» للمحاماة، ضد رئيس الجمهورية باعتباره مسؤولاً عن الجهاز المركزي للأمن السياسي.
المحكمة التي قبلت الدعوى بتردد تمخض عنها حكم في 27 أغسطس 2006 يقضي برفض الدعوى المرفوعة ضد الرئيس لقيامها على غير ذي أساس من القانون، لكون أحد المتداعين ليس خصماً شرعياً له ولاية التقاضي عن الغير. وأيضاً المسار الذي اتبعته كان خاطئاً من أوله كما جاء في الحكم.
لكن المحكمة التي «اشترطت: أن يسلك الطرق المرسومة قانوناً»، قالت إنها وجدت في هذه الدعوى ما يوجب التوقف عنده ملياً: «فحجز الحريات وتقييدها بغير مسوغ قانوني جريمة جسيمة تستحق العقاب لمرتكبها كائناً من كان».
 
والمعيلي يرفض قرار الرئيس
وقبل صدور هذا الحكم بشهر تقريباً أُبلغ بن معيلي في السجن من قبل محاميه محمد ناجي علاو في 11/7/2006 بعرض من رئيس الجمهورية يتضمن نيته توجيه النائب العام للإفراج عنه و منحه جواز سفر بقرار سياسي، كما يذكر، «شريطة أن أتنازل عن حقوقي كاملة ولا يحق لي رفع أي قضية في أي مكان ولي الاختيار في البقاء داخل اليمن أو الخروج منها، ولكني رفضت لأني يمني والقرار السياسي سيحرمني من حقوق كثيرة».
رفض المعيلي قرار الرئيس وأصر على التعويض والإفراج عنه بموجب حكم قضائي، حيث ما زال هناك في المركزي دون قضية ولا حتى أمر مكتوب بالإيداع، فقط «وديعة». وكان مؤلماً جداً لقاؤه خاصة وقد خيط فمه أكثر من مرة وأضرب عن الطعام، ويعاني من أمراض عدة في السجن كالربو وغيره. لكن الأشد إيلاماً توسلات أسرته في القاهرة للصحيفة: «نرجوكم ساعدوا (بابا)! عاوزين نشوفه».
الشهر الفائت تلقت «النداء» رسالتين من بن معيلي يسرد فيهما تجربته المريرة طوال ثماني سنوات من سجن لآخر «تساقطت أسناني في السجن وانعطف ظهري، وعرفت أن السجن قاس قاسٍ جداً. ولكن الأقسى هو الظلم».
وتساءل بن معيلي عن نوع الصفقة التي تسلمها رئيس جهاز الأمن السياسي حتى يحبسه كل هذه السنوات دون قضية: «.. مانوعها؟! ومع من؟! يريد غالب أن يعدمني يعدمني لماذا كل هذا التعب؟!». ومع اتهامه للنائب العام بأنه: لا يسمع، لا يرى، لا يتكلم، استدرك كمن يقدر وضعه قائلاً: «هو مقتنع قناعة تامة بأني مظلوم. فقد عجز عن تنفيذ قرارات النيابة العامة بالإفراج عني!».
ودعتُ بن معيلي وبي من الهم ما بي إلاَّ أن صدره المثقل بهموم وكربٍ أشد يحمل أمنية وحيدة هي فقط ما عاد يرجوه من الحياة بعد أن داهمه الشيب والهرم. سألناه ماهي؟ فجاشت من أعماقه نهدةً: «الموت بين أولادي، وأحفادي».
 
 
 
أسرة في القاهرة وأخرى تذروها الرياح
 
كانت الساعة التاسعة مساءً حين اتصلت «النداء» بعائلته في القاهرة. وحينما ردت زوجته الحاجة «عواطف» (60 عاماً)، فاجأها الإتصال وبدت مستبشرة تردد بالمصرية صلوات الرجاء: «يارب اجعله خير يارب اجعله خير»، وتسألني: «أنت قابلت أحمد؟ كيف أحمد؟». الحاجة عواطف «حريبِّية» الأصل ومن بيت «الربادي» كما يقول زوجها السجين. تعيش في القاهرة مع اولادها الثلاثة: أسعد(31عاماً)، دعاء (22)، ولهيب المولودة في بغداد عام 92. «أولادي حرموا من التعليم بسب أن السفارة اليمنية هناك وقفت تجديد جوازاتهم بحجة طلب جواز سفري الجديد وجوازي القديم محجوز لدى مصلحة الجوازات»، هكذا يشكو أبوهم من داخل سجنه. أما هُم: «ليش حاطين بابا في الحبس؟! إيش سوى؟!».
يقول ان زوجته عميت قهراً إذ لا تتمكن حتى من سماع صوته كما ولا هو أيضاً.
هذا بالنسبة لزوجته الثانية التي تزوج بها عام 67 في الكويت. أما بالنسبة للأولى (ساهرة). فقد اختفت عنه فجأة في 4/3/2002 إذ كانت تزوره كل يوم، لكنه يؤكد وجودها في اليمن ولا يستبعد أن يكون الأمن وراء إختفاءها، فيما أبناؤها: علي، أسامة، حسام، إسراء، علياء، ومها «مشتتين في الأرض بين بغداد، السعودية، الكويت، والأردن ولا أعلم عنهم شيئاً» متحسراً.