الصادرات تزيد على العشرين ملياراً.. ضحايا الحوادث 62 في 2006: حرض.. الموت والتهريب توأمان والقات سبب رئيس

الصادرات تزيد على العشرين ملياراً.. ضحايا الحوادث 62 في 2006: حرض.. الموت والتهريب توأمان والقات سبب رئيس

– حرض: علي الضبيبي – أحمد الاشول
 من وسط زحمة شديدة لسجناء كثيرين، استطاع الفتية الثلاثة الفكاك بالقوة، وبالكاد خرجوا. لكن وحيد أمه رابعهم الشاب علي سالم البارود خارت قوى جسمه النحيل بين «هدير» وتحت أقدام «أعفاط» يمنيين وصومال «مجهولين» داخل سجن جيزان العام، الذي ما أن تفتح بوابته حتى ينكبوا عليها ليتم ترحيلهم إلى خارج الحدود السعودية على دفعات كل يوم.
كانت التجربة الأولى بالنسبة لهم، والأخيرة أيضاً. فلم يسبق لجهادي أفندي الذي ترك الصف السابع بحثاً عن الحياة، ومحمد علي زعيم (الصف الخامس، ومحمد عبده أحمد ذي البشرة السوداء، بالإضافة إلى «البارود»، أن جربوا الهروب إلى السعودية ولا حتى الاغتراب خارج حدود مديرية حيس.
يومان بليلتيهما قضوها مشياً على الأقدام في مغامرة غير محسوبة يدسون انفسهم داخل الشجر الكثيف أو الكهوف والمغارات للإختباء إذا ما رأوا سيارة حراس الحدود، أو لأخذ غفوة نوم إن أمكن!
وهكذا من شِعبٍ لآخر والفجائع تترا حتى مدينة «سامطة» السعودية ولكن إلى الكماشة والسجن. إذ لم يحظ أحد منهم حتى بوجبة غداء دسمة؛ «في السجن والله إن معك فلوس تأكل والا مُوت» يقول أفندي. ويشكو الزعيم: «دخلنا المحباس ولا معانا ريال وكنا نصدم فوق الناس بالقوة».
«النداء» زارت منفذ حرض الحدودي للمرة الثانية وشاهدت مئات اليمنيين يتم ترحيلهم على حافلات سعودية إلى الأراضي اليمنية. وكان هؤلاء الثلاثة «المزفرون» جالسين قبالة بوابة المنفذ، منهكين جوعاً وآخرين سفراً، مرابطين في أماكنهم. مساءً رأيناهم، وفي الصباح ايضاً كأنما فقدوا شيئاً. لم تدُر في رأس احدهم فكرة المعاودة، ولكن في انتظار علي سالم البارود رفيق معاناة رحلتهم المنتهية فشلاً.
ينتظرونه كأن عهداً قطعوه على أنفسهم أن لا يبرحوا المكان حتى يأتي. شعور بالرحمة تحس به وأنت تسمع فتية صغاراً يتقاسمون الألم على صديقهم المحبوس، والجوع الذي تغصصوه منذ وداع مطابخ الأمهات.
 
صومالي من بيدوا في حرض
وصلت حافلة سعودية وبعجت عشرات المزفرين اليمنيين على بوابة منفذ حرض؛ أغلبهم شباب. كان محمد الصومالي (29 عاماً) من بين اولئك يحمل قارورة ماء هي كل ما عاد به من الغربة إذ ترك أخاه هناك.
لم نعرف من كلام الصومالي سوى اسمه وأنه من بيدوا، ويريد الاتصال بأخيه في المملكة، ولكن «آسف مافي فلوس» يقول دون طلب؛ فتطوع أحدهم واعطاه. لسانه لا يحسن العربية حين حاولنا التحدث معه، فقط كلمات بسيطة يستخدمها للحصول على حاجياته. «محمد، لا تخف نحن صحفيون» حاولنا تطمين تلكؤاته عندما حلّق الناس حولنا بصورة تبعث الإنزعاج والتعجب. وزاد الأمر فجاجة خروج أحدهم «ببحشامة» مدّعياً أنه يجيد الصومالية: «أنا أتكلم صومالي وأدي لكم خبره»، يزعم. وبالقوة يريد من محمد أن يتكلم معه. لكن الرجل استمر في صمته ولم ينبس ببنت شفة الأمر الذي أثار حنق المترجم ووجه له كلاماً سفيهاً متبوعاً بـ« عاد احنا انساب ياوسخ».
 
البسباس يهرَّب والحُلبة أيضاً
يغير المهربون على الحدود السعودية صبحاً وتقل الحركة كلما بدأ الصباح يتفتح. السادسة صباحاً ونحن في «فرزة الحمير» القريبة (800 متر تقريباً من المركز الجمركي). وأنا أشاهدها (الحمير) عُدت بذاكرتي عشرين سنة حين كان آباؤنا يتسوقون عليها ويتوجهون فجراً صوب السوق. تستخدم في حرض لتهريب: البسباس، الحُلبة، الفحم، واشياء اخرى.
لكن مهربو البسباس على استعداد لتهريبك انت حتى إلى قلب الرياض إن أردت وبضمانة أكيدة، فقط ادفع 2000 ريال سعودي نقداً. ويعتبر حاتم الزهراوي احد ابرز اولئك واشجعهم حتى في الحديث مع الصحافة إذ يقول بكل ثقة: «أنا أعمل خير للمساكين يروحوا يطلبوا الله. وأهرب اشياء حلال مش مخدرات».
 
من زبيد إلى سامطة
كل شيء ليس من الصعب تهريبه عند المهربين المهرة، حتى البشر. لكن الأصعب والأخطر: تهريب القات؛ إذ تبدو روح المخاطرة باينة حتى على وجوه محترفيها. أحمد خالد حسن أحدهم. يتحفك وهو يروي مغامرات مهرب تحسس رأسه أكثر من مرة بعد ما نجا من رصاص الموت الذي انهمر عليه بغزارة، وبالكاد يصدق ذلك.
ألجأته ظروف الحياة في زبيد كغيره ممن يمتهن تهريب القات، فهو متزوج والعائل الوحيد لأسرته التي فُجعت به غير مرة، إذ وقع في كمين نصب له غرب منطقة الطوال، ونقل على إثرها إلى سامطة للفحص والتحقيق أودت به نتائجها إلى الشرطة العسكرية بجيزان ثم إلى قسم المخدرات للتحقيق ايضاً، وأخيراً إلى السجن العام بجيزان. إتهمته السلطات السعودية بـ«التخزين» (مضغ القات) وتهريبه. «كتبنا مخزِّن وسجلنا 175 جلدة حق التخزين. وسلاح الحدود حكم أليا (عليَّ) خمسة أشهر» يقول أحمد.
ويضيف بأن القاضي الذي اطلع على أوليات التحقيق وفَّاه شهرين إلى الخمسة الأولى، بالإضافة إلى ال(175) جلدة.
يذكر الرجل: «وخاطبني القاضي: موافق!؟ فقلت: موافق» وإذا لم يبد موافقته فسيعاد للتحقيق مرة أخرى كما يقول والسجن أحب اليه من التحقيق. ثم لبث في السجن بضع شهور لم يغادره إلا حين هبت رحمة الملك فشمله العفو ليعود إلى أسرته وليس معه سواه.
 
سبعة منافذ للموت والثراء
أعرف أن عدداً من أبناء منطقتنا امتهنوا تهريب القات منذ سنوات والآن صاروا تجاراً يتجاوز رأس مال الواحد عشرات الملايين.
وعلى الرغم من المخاطر الكثيرة التي يواجهها هؤلاء سواءً كانوا تجاراً أو حمالين، إلا أن الإصرار على تهريبه صار ثروة وهواية.
سبعة منافذ رئيسة يدخل منها القات: منفذ الملاحيط (حوالى 70 كم شرق حرض) وهو المنفذ الأهم والأكثر تصديراً للقات إلى مناطق سعودية اهمها الخوبة والبحطيط.
وبالإضافة إلى «الملاحيط» هناك منافذ أخرى رئيسة كالحصَّامة والمثلث والجبلين (المشنق) والمزرق، وحرض حيث يصدر القات الأجود والأشهر: محابشي، شعثي، مراني، رازحي، وحتى الرداعي. ويتقاضى الحمَّال أجرته من 50 إلى 100ريال سعودي. أما دليل طريق المجموعة والذي يسمونه «المقدمي» فإن اجرته في الغزوة الواحدة لا تقل عن 200 ريال سعودي.
يواجه هؤلاء في طريقهم إلى الزبون (المستورد السعودي)، بالإضافة إلى الرصاص، ثعابين وعقارب ووحوشاً، فضلاً عن الكسور والرضوض نتيجة الهروب والمطاردة في وسط زوايا الشعاب والوديان وبالذات في منطقة «الجبلين» ذات الطبيعة الأشد وعورة.
وإزاء كل ذلك يتحمل اليمني الكادح صنوف العناء، ويقارع الموت بملعقة الرزق، ونفسه على كفه، بحثاً عن الريال السعودي الذي صار أغلى عنده حتى من حياته.
 
دُبى وظُلل بصكٍ رسمي
تؤدي السلطات الأمنية المرابطة على خط الحدود دوراً أقرب ما يكون إلى «المتفرج» على صراع الموت والحياة. فالجندي اليمني الكادح هو الآخر فيه من الاحساس ما يجعله «يقدر الظروف» على أقل تقدير.
وحده مدير عام الصادرات بجمرك حرض الاستاذ منصور يحيى وهبان من أفادنا بمعلومات وارقام لا علاقة لها بموضوع التهريب. حيث أكد أن لا علاقة للجمارك البتة بذلك. «نحن نبذل فقط جهوداً في محاولة اكتشاف المخفيات بين الصادرات»، يقول ذلك وبه امتعاض من التسيب الأمني إزاء موضوع التهريب الذي قال إنه وحتى في الجمارك تضبط العديد من المواد الممنوع دخولها المملكة كالحطب، والفحم، والخزف، والكتب المحظورة، والدقيق وغيره. لكن وهبان الذي بدا معتباً على الجهات الامنية لم يخف استعداد مكتبه (الجمارك) للتعاون معها، «يفترض بالجهات الامنية حسم الموضوع قبل ان لا تحمد عقباه، ونحن مستعدين للتعاون لنعكس صورة طيبة عن البلد» قال ذلك واتبعه بنهدة مفادها: «إن الجهات الأمنية لم تطلب منا!!».
وعن حجم الصادرات خلال العام 2006 قال منصور إنها بلغت 20 ملياراً و511 مليوناً و915 ألفاً و867 ريالاً، فيما العام 2005 بلغ 17 ملياراً و616 مليوناً و170 ألفاً و867 ريالاً بزيادة 17٪.
وتعتبر الصادرات السمكية والزراعية هي الأكثر عائداً، تليها الصناعية كالحليب والبسكويت والشاي واللبن، ثم الاقمشة المطرزة والمقاطب اليمنية والمواد الحرفية: مدر، دبى، ظلل، والسُّفر المصنوعة من ورق النخل.