تحية الألم: الله – الوطن – الثورة – الوحدة – أروى عثمان

تحية الألم: الله – الوطن – الثورة – الوحدة – أروى عثمان

خلال سنوات عمري التي قضيتها في التعليم في المدارس (12عاماً)، وتدريسي في المدارس لمدة (8) سنوات، بالإضافة إلى ما عرفته من خلال تعليم أطفالي، ومن أعرفهم: إن تحية العلم ماهي إلا تحية الألم بكل مقاييس الألم النفسي، والخلل العقلي، والاعتوار الجسدي.
ولا أبالغ -ولا أمتلك الرؤى السوداوية في حديث كهذا- لنحدق قليلا في هذه التحية السرمدية القهرية التي شنجت رقابنا وعمودنا الفقري لعقود من الزمن تحت علم ممزق أغبر، أدبر، مليء بذرق الطيور. هذا العَلم الذي لا يختلف عن أجندة تعليمنا، وأنتج المزيد من التهتك والتمزق العقلي والوجداني لطلابنا..
ما سر تحية الألم/ العَلم التي ونحن، صغاراً وكباراً، نؤديها في الشموس، وعز البرد، نتخشب ونذوب لأجل هذه التحية المصحوبة بالمارشات العسكرية، والزعيق الصارخ صفاه – انتباه 1/2/3 إلى الخلف دور، والى الأمام اطلع، والى الخلف انزل، والى الشمال “اتكعدل ” والى الشرق اقتلب. سنوات عمرنا وعمر أطفالنا، ونحن نتقفز على خطوط الجهات الأصلية والفرعية، حتى مدارات الجدي والسرطان سُرمدنا عليها لتحية العلم “تحيا الجمهورية/ تحيا الثورة/ يحيا الوطن… الخ”.
تحية العلم/ الألم في ساحة (العلم والمعرفة) ليست رياضة تحرك الدورة الدموية للطلاب، كما غرسوا في عقولنا، و”غرّزوا” بها يلعبون بها ككرة قدم، بل على العكس تسمم الدورة الدموية. فكيف تكون رياضة، وعلى حد علمنا أن حصص الرياضة ألغيت، مثل الفنون، بحجة الكفر وأنها ستعلم البنات القفز و”الشلخات” ومن ثم سيضيع شرفهن وشرف العائلات والمجتمع والتاريخ.
يتحول الطابور، المعد أصلاً لتحية الألم، والأناشيد الوطنية الهادرة إلى معسكر، ويتحول الطلاب والطالبات إلى جنود مبتدئين، أما أساتذة الطابور فهم كأي قائد عسكري يحاول أن يثبت حنكته في لجم أي حركة خارجة عن الطابور، لكن حنكته تفشل في الفصل عند شرحه للدروس.
يجب أن تكون زعقته المارشوية ذات قدرة على اختراق جدران المدرسة، فوق تشققاتها المتراكمة حتى يثبت أن الوطنية في هذه المدرسة تفوق وطنيات المدارس الأخرى، ومن ثم يثقل ميزان حسنات: الله/ الوطن/ الثورة/ الوحدة – فلا أدري كم الزعقة/ الصرخة الواحدة تساوي في ميزان الحسنات ومقدار تخشب الطلاب وطاقم التدريس لتحية الألم – يقال ان هذه الحسنات هناك من يرصدها لتصل إلى أبواب الحكومة من أن المدرسة الفلانية تمتلك فيلقاً تصهر الفصول، والكتب، والطلاب وتحولهم إلى سوائل تفور وطنية.
على حد علمي كم من الطلاب وخصوصاً الطالبات (بحكم التكوين الفيزيولوجي) يدُخن، ويتكّسحن وهن واقفات مثل عواميد الكهرباء لتحية الألم، فلا مجال لعفوهن أمام سلطة قدسية تحية الألم.. بل على العكس كلما اشتدت أمراضهن وغرزت في أجسادهن اكتسبن أجراً وثواباً فداء لعلم الوطن.
ففي سبيل تحية الألم يجب أن نجوع، ونعطش، وندوّخ، ونتكرضح، ونتدقدق، ونشل، ونموت فداء لهذا الألم المقدس: “الله – الوطن – الثورة – الوحدة” العمود الفقري للعَلم، رباعي مقدس لايمكن أن يمر يوم دراسي دون أن تنتفخ لوزنا وتلتهب ونحن نسبح بحمد هذه المقدسات، بل تشحذ عقولنا بأن الموت أفضل إذا لم نؤدها بالمسطرة..
لقد أفرزت مقدسات تحية العلم ثنائية مريضة لدى طلابنا، ليس فقط بتقديس الأركان الأربعة حد الهوس اللاطبيعي، بل بالموت إذا لم نتمثلها بالشكل الذي تريده منظومة تحية العلم.. فمثلما ظهر شعار “الوحدة أو الموت” ينطبق على بقية الأركان: فالثورة أو الموت، والدين أو الموت.. هذه الثنائية هي نفسها الثنائية الملغمة في كتب المدرسة، بل وفي حياتنا الفكرية والوجدانية وممارساتنا اليومية.
فأي خير نتوقعه من هذا التعليم الذي يُصرف عليه مليارات، ومخرجاته أجيال يستخلفون الأرض والشجر والحجر، متأهبون للاستشهاد لأي مقدس ابتداء من الله والوطن والثورة والوحدة إلى الاستشهاد من أجل البطاط، والطماطيس، والبلسن، والبرعي، وأجرة الدَباب.
تحية الألم بمقدساتها الأربع تجعل الطالب متيقن بقطعية مطلقة أن الله حقه وحده، وكذلك الوطنية، والثورة، والوحدة، ملك له، فوطنه هو الوطن الحق، وبقية الأوطان كاذبة خادعة، ودينه هو الدين الأصلي، وبقية الأديان لا وجود لها، وكذلك ثورته ووحدته، حتى بطاطه المليء بالسموم هو البطاط الذي لا يضاهيه بطاط الكون، كل الأمم والشعوب لا تعرفه، ولأننا خير أمة، فبطاطنا خير بطاط.
السؤال الأهم إذا كانت تحية العلم في ساحة العلم والمعرفة تحفل بالمقدسات الأربع، فأين العلم من هذه المقدسات؟ وكأن الله/الوطن/ الثورة/ الوحدة، المقدسات الوحيدة، أما العِلم ليس مقدساً بدليل لا وجود له في المقدسات الأربع، بالرغم من المقدسات تنطق في أماكن العلم/ أي المدارس؟
كان من المفترض أن تحية العلم مادامت تمارس في ساحة العلم والمعرفة يكون العِلم في المرتبة الأعلى من تلك المقدسات، بل عبر العِلم سنعرف الله، وسنعرف الوطن،والثورة، والوحدة.
إذن هي مدارس لا علاقة لها بالعِلم البتة، هي مساجد ومعسكرات فقط لاغير.
في اليمن، مثل بقية الدول العربية، تجند الأجيال على مدي عقود من الزمن ليس للعِلم والتعليم، بل للعَلم (بفتح العين)، علم حكومات العساكر المتعاقبة، ومدارس أشبه بالمتاريس – وأرى أن يحول أسم “مدارس” إلى “متاريس” لتثبيت اليقين، وتعليم فنون الآخرة.
ولا كيف تشوفووووووو!!
[email protected]