الصومال برأس مكشوف – جلال الشرعبي

الصومال برأس مكشوف – جلال الشرعبي

أثيوبيا مجدداً في الصومال.. حرب الطائرات من جانب واحد جعل مَن على الأرض يتحسسون رؤوسهم في المدن الصومالية التي يخوضون فيها معارك تقليدية.
لم يعد الأمر مناورة سياسية بين أديس أبابا والمحاكم الإسلامية في الصومال فالمعلومات ل(48) ساعة حرب ماضية تشير إلى أن المأساة الإنسانية في الصومال تتعمق أكثر، وأن الضحايا يتساقطون في الأحراش والصحاري ومراكز مدن الوسط والجنوب الصومالي بالمئات حتىغدا تقديم المعونات الإنسانية في هذه الظروف غير ممكن.
الضربة العسكرية الأثيوبية، التي تساند الحكومة الإنتقالية المؤقتة برئاسة الجنرال عبدالله يوسف، تركزت في عدة اتجاهات. فمن ضرب المنشآت من موانئ ومطارات؛ لقطع أي عملية إمداد محتملة من خارج الصومال يتم التركيز على ضرب مراكز الإمداد الداخلية لقوات المحاكم الإسلامية التي تتقدم نحو بيدوا لتجد أن خلفها قد تم تدميره.
لا أعرف بدقة التوازن العسكري لطرفي النزاع غير أن لمحة سريعة تعطيك انطباعاً عن مشهد الحاصل فيه أن دولة ذات ثقل سياسي وعسكري في أفريقيا لم تحتمل استفزازات متطلعين في مقديشو نحو كرسي الرئاسة الصومالية بعناوين ليس فيها تبعية لأديس أبابا التي ظلت منذ أكثر من قرن الحاضر الأبرز في الملعب الصومالي.
ذلك يبدو ليس فيه جديد.. لكن الجديد هو أن الصومال أصبحت منذ إنهيار الدولة وسقوط نظام بري مطلع العام 1991 سوقاً مفتوحة لتجار السلاح ومخازن مؤن لأمراء الحرب الذين ظلوا قابضين على أنفاس مقديشو لخمسة عشر عاماً، قبل أن تتحول عجلة القيادة إلى إتحاد المحاكم الإسلامية قبل خمسة أشهر والذي يواجه اليوم خصوم الأمس من امراء الحرب الذين انبعثوا بعد اطلاق رئيس الوزراء الأثيوبي ميلس زيناوي صافرة التدخل العسكري بحجة كبح جماح «الإرهابيين الإسلاميين»..
 
ميدان النار
تتوزع خارطة طريق الحرب في الداخل بين قوات حكومية تتخذ من مدينة (بيدوا) نقطة لإنطلاق عملياتها العسكرية المدعومة بالقوات الأثيوبية وبين قوات إتحاد المحاكم الإسلامية التي انبسط تواجدها في عدة مدن صومالية وتتخذ من العاصمة «مقديشو» نقطة للإنطلاق.
وفي الجهة الخارجية تتقدم الخارطة إعلان حالة حرب بين اثيوبيا كدولة واتحاد المحاكم الاسلامية كتنظيم صومالي له ميليشيات عسكرية وبسيطة على مدن الوسط والجنوب الصومالي باستثناء مدينة بيدوا حيث مقر الحكومة الصومالية.
وتنطلق العمليات، بحسب المصادر التي تواصلت معها «النداء»، من مدينة «بلدوين» وسط الصومال التي تبعد (30)كم فقط من الحدود الاثيوبية والتي جرى قصفها بطريقة عنيفة من قبل الطيران الاثيوبي لتتمكن القوات الحكومية تساندها قوات اثيوبية من السيطرة على المدينة. وتسعى قوات المحاكم الإسلامية إلى إعادة السيطرة عليها بعد مد جبهتها العسكرية المتراجعة تجاه مدينة جوهر (10كم من مقديشو)، بالمئات من المتطوعين الجدد الذين توجهوا من العاصمة مقديشو لهذا الغرض.
وفي العاصمة مقديشو دمر الطيران الأثيوبي المطار وكذا مطار (بيلدوغلي) الواقع على بعد 90 كم غرب مقديشو، وذلك لغرض قطع أي إمدادات خارجية أو داخلية عن قوات المحاكم التي تخوض معارك شرسة في مدينتي (إيدالي) و(دينوناي) وكذلك في محيط مدينة (بيدوا) في الجنوب، في الوقت الذي كانت طائرات أثيوبية تقوم بقصف بلدتي (كالاباركا) و(بنديرالي) شمال العاصمة مقديشو. معلومات أخرى حصلت عليها «النداء» من مصدر دبلوماسي تشير إلى أن القوات الحكومية بمساندة اثيوبية ألحقت في المواجهات في مدينتي (دينسور) و(بوركاهاكبا) خسائر بقوات المحاكم التي كانت تنتشر في سهول منبسطة وأثناء محاولتها الصعود في الجبال كانت القوات الحكومية تتصيدها من الأعلى بالتزامن مع غارات بالقنابل والصواريخ نفذتها (8) طائرات حربية أثيوبية.
المصدر نفسه قال أيضاً إن القوات الحكومية والأثيوبية تحاول فتح منفذ لها من بيدوا تجاه مدنية كسمايو (500 كم جنوب العاصمة مقديشو) في الوقت الذي تقوم بالتوسع من مدينة (بلدوين) نحو مدينة (جوهر) ثم (مقديشو) يساندها في ذلك امراء حرب سابقون أبرزهم «عبدي قبديد» الذي كان يقيم في جنوب مدينة «جالكعيو» الخاضعة لسيطرة ولاية بونت لاند الفيدارلية مع قرابة (1500) من مليشياته ليكون صاحب دور في العودة إلى مدينة (بلدوين) التي كان يقيم فيها في السابق.
كذلك فإن زعيم الحرب محمد ديري الذي تحدثت مصادر عن توجهه إلى مدينة (جوهر) التي كان يحكمها في السابق صرح أن بعض الوقت فقط هو ما يحتاجه حتى يكون جالساً على كرسيه القديم في (جوهر).
وتسعى القوات الحكومية للتوجه بثقل عسكري كبير نحو مدينة (جوهر) للسيطرة عليها بإعتبار أن سقوطها يعني حصار مقديشو من الشمال.
 
عين على المحاكم
تمكن إتحاد المحاكم الإسلامية الذي دحر أمراء الحرب من العاصمة مقديشو مطلع يوليو الماضي من التوسع في مساحة جغرافية تصل إلى 40٪ أو تزيد قليلاً من الأرض الصومالية.
لكنها بعد أقل من شهر فقط بدأت سجالها مع (أثيوبيا) ثم ما لبثت تتوسع من العاصمة إلى مدن أخرى. وحين كان حوارها مع الحكومة المؤقتة في الخرطوم قد تعثر في الجولة الثالثة كانت الحقائق تشير إلى أنه حتى الجولة الأولى والثانية لم تفضيا إلى نتائج إيجابية سوى في احتوائهما على نقاط سلسلة الصياغة، فيما كان الوضع على الأرض يقول إن الاستعداد للحرب، يسير بخطوات اسرع من الحوار.
مصادر القوة التي كانت تستند عليها المحاكم هي حصولها على التأييد الشعبي لأنها جاءت بعد امراءالحرب وسيطرتها على أهم المدن الصومالية، وتحقيقها الإستقرار الأمني في هذه المدن.
كذلك فإن حصولها على التأييد والدعم المالي من سبع دول حسب تقرير الأمم المتحدة (أبرزها: مصر، ليبيا، السودان، جيبوتي، أرتيريا) مع تلقيها دعماً مالياً من قبل رجال أعمال صوماليين بعضهم في الخارج (بريطانيا، كندا، أمريكا) مكنها من شراء أسلحة ومعدات قتالية. هذا علاوة على ما كانت قد ورثته من امراء الحرب الذين كانوا يحضون بدعم لوجستي من الولايات المتحدة الأمريكية وأثيوبيا.
كذلك فإن إعادة فتح مطار مقديشو والميناء وكذا السيطرة على كسمايو، وفَّر لها مداخيل مالية مهمة حيث يشير تقرير مجلس الأمن إلى أن دخل ميناء مقديشو تجاوز (10) ملايين دولار خلال الأشهر الخمسة الماضية وأن مثل هذا أو أقل منه بنسبة بسيطة يأتي من (بيلدوغلي) وموانئ ومطارات أخرى في العاصمة ومدينة كسمايو.
نفس التقرير الذي صدر منتصف نوفمبر الماضي قال إن الإدارة التي اتبعها اتحاد المحاكم في الموانئ والمطارات كانت سليمة ومنضبطة غير أن تحديات البقاء للمحاكم الإسلامية ربما كانت اكبر من نقاط القوة.
ظهر اتحاد المحاكم غير متجانس في تشكيلته التنظيمية فالجناح المتشدد الذي يتزعمه العقيد المتقاعد حسن ظاهر أويس المتهم من واشنطن بعلاقته مع تنظيم القاعدة، هو القائد الحقيقي والمتحكم بالقرار داخل المحاكم وقد بادر هذا الجناح سريعاً بعد طرد امراء الحرب إلى تغيير الهيكل التنظيمي للإتحاد مستحدثاً منصب رئيس مجلس الشورى الذي أصبح رئيساً له وأصبح شيخ شريف الذي يمثل الجناح المعتدل الذي لا يمانع في التفاوض مع واشنطن ولديه مرونة سياسية، رئيساً للمجلس التنفيذي لإتحاد المحاكم الإسلامية (مهمة المجلس التنفيذي هي تنفيذ توجيهات وخطط رئيس مجلس الشورى).
التحديات الداخلية الأخرى تمثلت في عدم مراعاتها القبائل الأخرى أثناء قيامها بعملية التوسع الميداني داخل الصومال الأمر الذي أثار غضباً بعضه معلن وأكثر منه خفي لا شك سيكون ظهوره في الأيام القادمة لافتاً، خصوصاً في (كسمايو).
غير هذا كله فإن طريقة بدت غير محببة للصوماليين في مقديشو كان الجناح المتشدد داخل المحاكم يقوم باتباعها: تحريم القات والسجائر والسينما، مكبرات صوت على سيارات تمنع خروج النساء بدون محرم… الخ.
وراحت كذلك تصرح بالدعوة للمجاهدين من كل بلاد المسلمين لنجدتها والاستبسال في الدفاع عن «الدين والوطن» وقد قالت الحكومة الصومالية أمس إن لديها صوراً لثلاثة مقاتلين أجانب قتلوا في المعارك.
 
حكومة تخرج من حصارها في «بيدوا»
لا يمكن إنكار حقيقة أن الحكومة الإنتقالية الحالية بقيادة عبدالله يوسف ما كان لها الصمود أمام قوات المحاكم الإسلامية ليومين لولا المساعدة والدعم الأثيوبي. وأن قوة هذه الحكومة استندت على اعتراف عربي ودولي في الخارج وتوليفة تشكيل وزاري اعتمد المعيار القبلي اساساً في بداياتها في توزيع السلطة لكنه ما لبث ان راح ينفرط عقده بعد ايام من مؤتمر (نيروبي) في العام 2004م. فقد دب الخلاف بين السلطة التنفيذية ممثلة بالحكومة التي يرأسها علي محمد جيدي الذي يعد من أبرز المؤيدين لأثيوبيا والدافعين لها لشن هذه الحرب، ورئيس البرلمان شريف شيخ آدم.
وقد ظلت هذه الحكومة تراوح مكانها ومصدر قوتها الداخلية تأييد ولاية بونت لاند الفيدرالية لها، مع قدرتها على نسج علاقات جيدة مع بعض جيرانها.
التقارير الدولية تقول إن هذه الحكومة حصلت على دعم من ثلاث دول: أثيوبيا، أوغندا، اليمن. لكن تحدياتها الداخلية عديدة فقد جاءت بعد فشل حكومة الرئيس عبدقاسم صلاد التي تشكلت في جيبوتي العام 2000م وحظيت بدعم اجنبي وعربي أعتقد أنه لن يتكرر بسبب فقدانها للثقة بعد تصالحها مع الفساد بدلاً من تحقيق المصالحة، ثم استخدام الأموال لمصالح شخصية و تمويل مشاريع إستثمارية خاصة في الصومال وخارجه.
كذلك فإن هذه الحكومة وجدت نفسها معزولة عن الصوماليين (مقرها بيدوا -250كم جنوبي غرب مقديشو)، وحركتها محدودة وما تستطيع الحصول عليه كدعم عربي أو دولي قسط منه تشتري به سلاحاً وآخر لتسيير احتياجات طاقمها المتضخم إذ يصل عدد الوزراء والوكلاء في التشكيل الأول إلى قرابة المائة وبعد تقليص وظيفي تشكلت الحكومة المصغرة من (35) وزيراً.
وفي الحرب الدائرة الآن تعد الحكومة الخطة التكتيكية الميدان وتحظى بمساندة أو لنقل تدخل عسكري أثيوبي قادر على الزحف طبقاً لهذه الخطة. وقد اتخذت اجراءات أمنية عدة منها إغلاق جميع المنافذ البرية والبحرية للبلاد.
ومعلوم أن اثيوبيا كانت لها تجربة سابقة مع الاسلاميين في الصومال، ففي العام 1996م خاضت المواجهة العسكرية مع «الاتحاد الاسلامي»، الذي تعد المحاكم الإسلامية امتداداً له في كثير تفاصيل، وقامت (أثيوبيا) بالقضاء عليه بالتعاون مع امراء الحرب.
كذلك ليست المرة الأولى للتدخل العسكري الاثيوبي في الصومال فقد شهد النصف الثاني من القرن العشرين ثلاث مواجهات دامية في الأعوام: 1964 -1977 -1978م ضاعفت من حجم الاحتقان في النفوس.
والخلاصة أنه لا يمكن فصل هذه الحرب عن كون الصومال ضحية دائمة للتدخلات الاقليمية والدولية في شؤونها الداخلية.
كذلك فإن هذه الحرب لا يمكن حصر اثارها في الحدود الصومالية إذ أن احتمالات انتشار آثارها تبدو في الأفق في اثيوبيا التي تجاوزت فيها نسبة المسلمين 50٪ (أرومو، سكان إقليم أوجادين) ودول أخرى في القرن الأفريقي وكذا اليمن التي أعتقد أنها كانت محظوظة في تصفية عديد نقاط خلاف مع المحاكم الإسلامية في لقاء عدن الثاني (13-16 ديسمبر 2006) لتندلع الحرب بعد أيام قليلة على رعايتها توقيع بيان مشترك بين رئيس المجلس التنفيذي لمجلس المحاكم الاسلامية شيخ شريف شيخ أحمد، ورئيس البرلمان شريف حسن آدم. رئيس البرلمان ورئيس المحاكم ليس بينهما خلاف، ولم تكن المناسبة سانحة سوى في إزالة إلتباس طال أمده بين اليمن وإتحاد المحاكم الإسلامية.
غير هذا فإن هذه الحرب أظهرت الصوماليين جميعهم ضحايا تحت وابل نيران الطائرات الأثيوبية. وحسب المصادر المحلية فإن عدد الضحايا من الجانبين مرتفع وباعث على القلق جراء هذا الوضاع الإنساني المزري.
وغير هذا أيضاً فإن القبيلة الصومالية التي ترتكز على أعمدة اربعة: «الدارود، الهوية الدر، رحنوين) ليست بعيدة عن هذا الصراع، سواء مع بعضها أم في إطار القبيلة نفسها، خصوصاً بعد ظهور زعماء الحرب من جديد إلى المسرح الصومالي علماً أنهم ينتمون إلى قبيلة (الهوية) التي هي نفسها قبيلة المحاكم الإسلامية.
والواضح أن أديس أبابا ما كان لها إعلان التدخل العسكري لولا ضوء اخضر أمريكي للقيام بهذا الدور.
على أن المخاوف لا تتوقف في الكارثة التي ستخلفها هذه الحرب فقط إذ يمكن تخيل ملامح الغد بتشاؤم بإدارك أن الصومال منذ إنهيار نظام محمد سياد بري وحتى الآن أضحى ترسانة سلاح من قبل الفرقاء الصوماليين الذين توزعت عليهم منافذ الإمداد الاقليمية والدولية لتكون لاعباً غير أخلاقي في الصومال.
وربما لن يكون هناك موقف محدد للمخاوف من تكرار تجربة طالبان جديدة في مقديشو هذه المرة.
 
[email protected]