العيد فرحة مؤجلة.. وهايل وجمال الأشد اختناقاً – علي الضبيبي

العيد فرحة مؤجلة.. وهايل وجمال الأشد اختناقاً – علي الضبيبي

بدت مصممة، تجر طفلها المعمَّم بـ«قرقوش» شتوي، وهو ينظر وراءه إلى بدلة صغيرة استفز سعرها حفيظة أمه. غادرت وصغيرها المحل حزينين وبينهما والعيد ثلاثة أيام، عوضته بدب صغير.
يبدو شارعا هائل وجمال هذا الأسبوع الأكثر إكتظاظاً حد الإختناق. متسوقون أكثرهم نساء. ومتجولون، باعة، وبسّاطون، أغلبهم أطفال. الأسواق تموج بمئات الألوف: سكان المدينة الذين جرت العادة عندهم أن يتأجل كل شيء إلى ما قبل العيد بيومين، فضلاً عن القادمين من ضواحيها: أرحب، بني حشيش، همدان، بني الحارث…الخ. ومغتربين يتسوقون على عجل «البلاد تنتظركم يا حبايب بالأحضان» شعور عبَّر به عن الجميع منصر ثابت، تسبقه فرحة مؤجلة منذ سنة: لقاء الأحبة.
موظفون استلموا رواتبهم هذا الأسبوع واتجهوا للسوق، لتصل الزحمة ذروتها، كما وأيضاً باصات وتكاسي.

شكاوى تتصاعد من وسط الزحمة
ومع هذا الإكتظاظ على محلات الملابس والعطور والمجوهرات، تجد الكثير من أصحابها يشكون: «يا أخي الإقبال ضعيف مقارنة بالسنوات الماضية» حد عبدالله الرعود، صاحب محل عطورات، إذ يفيد بأن هذا الهدير من الناس «متفرجين فقط الغني يشتري والفقير يتحسر»، يتحدث الرعود ويشير بسبابته إلى فقراء متسولين: «شوف! الشحاتين أكثر من المشترين». الشعور نفسه لدى تاجر آخر للسلعة ذاتها، محمد حسن الحبيشي الذي بدا متصالحاً مع الأسعار ومعتباً على عيد الفطر: «الأسعار ثابتة، بس الناس ما زالوا منهكين بعد عيد الفطر». ويضيف محمد في تفهم منه لحالة الفقراء: «الواحد يشتي يوفر المواد الغذائية، أما العطر إن في فايض وإلا طز! والملابس يكفي كسوة عيد واحد في السنة».
ومثلهما صاحب محل للخياطة الرجالية، وجدناه بالصدفة مع جاره (صاحب محل خياطة نسائية) يتبادلان الشك من تراجع كبير في إقبال الناس: «الزبائن يفضلوا الملابس الجاهزة الأقل سعراً والأكثر جاذبية وهي معروضة».
لكن هشام الدبعي، تاجر ملابس جاهزة، يقول: «صدقني إن ما هو عندك هو عند غيرك» ويحمل الغلاء والفقر وسوق الحراج السبب؛ فالكثير في نظر هشام الآن يتجهون إلى حراجات الملابس التي انتشرت في شوارع العاصمة وأرصفتها بصورة لافتة: «المئات من الباعة المتجولين بهذه الملابس: قمصان، جواكت، جينزات، أكوات و حتى السراويل» يقول الدبعي. بالفعل؛ فلم يكن ملاحظاً ذلك التزاحم الشديد، رجالاً ونساءً، على حراجات الرصيف، ولا حتى هذا النوع من الباعة موجود أيضاً.
 
زبيب ولوز، حراج وبلدية
«أقسم لك بالله حتى حق ملابس الحراج مش موجودة» بدون طلب زفرت أم عبدالملك وهي تقلب أكواماً من الملابس مبثوثة على امتداد ذلك الشارع قبالة باب اليمن.
كان يوسف قاسم قايد يتحدث لـ«النداء» ويتلفت بحذر وانتباه خوفاً من تقافز الباعة الصغار وأصحاب البسطات؛ «البلدية الله لا ألحقهم خير» يقول يوسف. ويضيف أخوه الأصغر: «15 ألف ريال حق البسطة كل ثلاثة أيام وما نقدرش نشتغل حتى 20 ألف باليوم». عند ركن صغير تكاد تتهاوى بسطتهم المثقلة بأنواع شتى من ملبوسات نسائية، والصرخة ذاتها: «أما الزحمة زحمة لكن…» (وركز ساعده متذمراً، في اشارة منه إلى خلو الوفاض).
البلدية، التي لا تكاد تكف ايديها عن هؤلاء (أصحاب البسطات) طوال العام، تنتهز فرصة العيد وتباشر بطشها: ادفع نقداً قبل أن تركل بضاعتك على وجه الشارع وأنت إلى أحد بدروماتها (سجن).
بائعو الزبيب واللوز، الذين يظهرون مع كل عيد على واجهات الشوارع، وجدناهم اكثر شكوى من تعنت البلدية (أغلب هؤلاء من خولان). فمحمد أحمد علي عمر، القابع هذه الأيام على برميل بسطته في أعالي شارع هائل يعتلي البسطة في النهار ويختبئ تحتها ليلاً (ينام): «أيش أيش أقلك عليهم؟! (يقصد البلدية)، ما نقدرش نشتغل ياحيد اخوك». ويشكو ايضاً من غلاء اللوز البلدي: «الكيلو ب7 ألف ريال والنفر أقل شيء ب3 ونص، والزباين يبايعوا بس». ومن محمد إلى توفيق غالب (صاحب بسطة أخرى) إذ بدا ساخطاً على الجرعة، وغياب الرقابة، وفارق السعر وضعف إقبال الناس بين عيدي رمضان والأضحى: «في رمضان كرتون اللوز ب33.000 والآن ب38.000، وحب العزيز كانت الشوالة ب12.500 ريال، مثلها بقية الأصناف». ويضيف «غالب» واصفاً «ضبح» الزبائن «حق ال400 يشتيها ب200».
 
كباش، عجول، وسكاكين
يلفت نظرك هذا العيد ظهور «مسنات» السكاكين على أكثر من ناحية وأكثر من شارع بعضها كهربائية وأخرى عادية تدار عجلتها الحجرية بالقدم. وينفرد هذا العيد بحاجة الناس، خاصة أصحاب الأضاحي، إلى السكاكين الحادة. كاد الحاج عبدالمحسن أن يقطع سبَّابته، وهو «يبرد» سكينة عجوز مقابل خمسين ريالاً اتفقا عليها بعد طول مبايعة، ولأنني كنت السبب كما يزعم فقد رفض الكلام معي رغم موافقته.
أسواق المواشي ومحلات بيع اللحوم هي الأخرى تستعد بثيران وكباش وعجول، وأطفال ينتهزون فرصة اللعب معها قبل الذبح، لا سيما ابناء تلك الاسر المعدمة التي لا تدخل الكباش بيوتها، فيكتفي الصغار باللعب.
أما الجزارون وأصحاب «الملاحم» والذين يجلبون أغلب تلك الأضاحي من اسواق تهامة فقد بدوا متفقين: «الأسعار مرتفعة والأضاحي معدومة والناس ضابحين». كما يحكي وضاح سعد جريعي، صاحب ملحمة، الذي قال إن اسعار العجول لم ترتفع بهذا الشكل البتة: «يارجَّال صلي على النبي.. التبع حق العام بخمسة وتسعين وهذا قدَّامك ب120 ألف» مشيراً إلى أحد العجول. كما باح بشعوره عن العيد وبهجته: «كان الناس يتجهزوا للعيد من قبل شهرين أمَّا اليوم (يضيف جريعي وعينه على الكباش والعجول) «اللُّووووه على بورة!!