للمرة الثالثة يعتصم الأطباء أمامها.. بوابة مجلس الوزراء: المحجّ الضرورة!

للمرة الثالثة يعتصم الأطباء أمامها.. بوابة مجلس الوزراء: المحجّ الضرورة!

– محمد العلائي
كان لا مناص من أن يعتصم الأطباء للمرة الثالثة منذ 2004م. وكم كان مخزياً لو أنه لم يعبأ لهم بالمطلق.
بوابة مجلس الوزراء غدت بالنسبة لهم محجَّ ضرورة بما يكتنفها من كتل إسمنتية مطلية بالأصفر والأسود، وجنود سمر وكما تنقصهم البشاشة.
الاعتصام, بوصفه أداة حضارية أنيقة, مازالوا يؤمنوا بجدواه وفعاليته، وإلا لما وفد عشرات الأطباء والصيادلة للوقوف بمحاذاة مجلس الوزراء. تماماً على الممر الذي سيطؤه باجمال ووزراؤه لاحقاً.
أُوصدت مبكراً البوابة. وموكب دولته مضى دونما معكرات. وهم واقفون مازالوا على مبعدة من فوهة الدخول.
جاءوا وحداناً منذ العاشرة من صباح أمس، غداة انعقاد المجلس. وبدأ الجميع بإطلاق ضحكات فاترة بغية ترطيب الحال.
بأي حال، تبادلوا الأعلام البلاستيكية، ذات السواري الخشبية النحيلة. ما يشي بوطنيتهم التي، دوماً، لا تشوبها شائبة.
وثم، رفعوا يافطات ورقية مكتوب عليها، بخط كاريكاتوري، عبارات من نوع: “1982 كان الراتب 1000دولار، وبعد ربع قرن صار 100 دولار”. أو: «قامت الثورة لمكافحة الفقر، فهل بكادر طبي فقير أن يكافح المرض».
إذن، هناك تحلقوا في هيئة دائرية. دام الحال جامداً قرابة النصف ساعة. دردشات ثنائية وصمت في المقابل. فيما مواكب الوزراء تواصل الدلوف ولا من التفاتة تذكر.
استعمل الأطباء, كوسيلة محاججة, أهداف الثورة، برنامج رئيس الجمهورية الانتخابي كان حاضراً هو أيضاً.
وساعة كانوا مهروقين كبيضة في محيط المجلس, انتصب طبيب من بينهم ليلقي قصيدة، بهدف استيلاد حماس آفل. بدا المشهد مؤلماً للغاية.
نهض زملاؤه, أرهفوا أسماعهم له.
الصورة تستحضر سوق عكاظ ببدائيته. صورة بالية في وطن بالٍ هو الآخر.
اغتصبوا ابتسامات باردة كشتاء صنعاء, كمحاولة لاستحسان ما القي عليهم.
إن مسائل من قبيل «الشياكة، ارتداء السترة البيضاء، تلميع الجزم، كي البناطيل» صارت خارج محط اهتمام الأطباء. هناك ما هو أكثر إلحاحا «الخبز».
فعالية كانت ستظل ميتة لو لم يشتبك محمد الجرادي، نقيب أطباء الأمانة مع حرس البوابة. الأمر بدأ بزعيق متبادل، ما لبث أن اشتد متحولاً إلى اشتباك بسيط بالأيدي. فيما الصراخ ما زال يعلو.
احتشد الكل أمام عتبة الدخول.
النقيب ساعتئذ هتف: «جئنا لنعيد لدستور اليمن مكانته». وطبيب آخر: «والله لو إحنا بهائم إن قد خرجوا». وهكذا.
انفضَّت المشادات بترشيح كل من: محمد قاسم الثور، نقيب الأطباء والصيادلة ومحمد مهيوب الجرادي، نائب النقيب وعبد القوي الشميري، الأمين العام ومحمد الجرادي نقيب فرع الأمانة، كمندوبين لإيصال رسالة الاعتصام إلى الداخل.
الاجتماع مع الحكومة ممثلة بنائب رئيس الوزراء رشاد العليمي خرج باتفاق يقضي بتسوية رواتب الكوادر الصحية اليمنية برفعها بنسبة 50% مما يتقاضاه نظراؤهم الأجانب العاملون في اليمن.
إنه، مهما يكن من أمر، فهم بات لديهم ما يكفي من النضج لأن يتخطوا قشرة التواطؤ والتكتم.
سلة مطالب، ألمحوا إلى أنها غير قابلة مطلقاً للتجزيء. ذلك، لكونها حداً أدنى, ولم تتعد المعقولية ولو بنانة واحدة.
3 اعتصامات وإضرابان، هما محصلة 3 أعوام من الكفاح.
“العام 2004، فاصلة فارقة في نقابية الأطباء» تحدث محمد الثور لـ«النداء», ومضى «العمل المتشتت لملمته مؤتمرات المحافظات آنذاك وتوج في نفس الفترة بالمؤتمر العام الذي تمخض عن قيادة جديدة».
دسَّ يديه في جيبي بنطاله وأكمل: « عملنا من أجل إحياء العمل النقابي ورفع مطالب، ذات طابع مهني وفي رأس اهتماماتنا المطلبية البحتة: زيادة المرتبات».
وقال الثور إنهم رفعوا شعار «الكادر أولاً» وهم الآن يعملون بمقتضياته.مضيفا: “إن راتب الطبيب يجب ان لا يقل عن 100 ألف ريال للطبيب الخريج ليقيم حياة معقولة».
إستراتيجية الأجور والمرتبات هي من جهتها واصلت غمط الطبيب مكانته لذا أشار النقيب حيالها بقوله: «لا تعطي الخريج اكثر من 30 ألف ريال، ماذا سيصنع بهذا المبلغ، هل يستأجر، أم يدفع فواتير، أم ماذا؟ ».
وتبعاً لذلك, وقف الدكتور عبد الغني الشميري مخاطبا زملاءه بكلام فحواه أنه لا يصلح أمر القطاع الصحي ما لم يعتنى بالكادر. وأفاد لـ«النداء» أن الحكومة تماطل في تنفيذ القانون «المتعلق بطبيعة المهنة».
وأكد «هذا حق والسكوت عنه خلل في تفكير الناس».
 بحسب إحصاءات النقابة فالطبيب اليمني يتقاضى ما يعادل 2٪ مما يتقاضاه نظيره في دول الخليج التي انضمت اليمن إلى مكاتب صحتها الأعوام الأخيرة، مع أنهم يجهدون كيما تعترف الحكومة بكيانهم النقابي يقدر الطبيب تماماً جدوى الاعتصام:«نؤمن بأن النظام الديمقراطي والدستوري قائم على احترام الحقوق» أوضح محمد الثور.
ولكثرة ما رجع إليه, اسمعنا الثور نصاً دستورياً: «يجب إعطاء كل من يعمل أجرا عادلاً مقابل عمله ولا يجوز العمل بالسخرة».
– «ماذا يقصد من «العمل بالسخرة» سألناه.
– «أي العمل غصباً دون أجر عادل» أجاب.
وزاد “سنستمر في المطالبة. والزملاء أصبحوا متحدين بالرغم من محاولة استنساخ نقابتنا فحتى النقابات المفرخة باتت تؤمن بضرورة توحيد الجهود!!.
اما الطبيب عبد الله الشريفي، الذي كان يرقب بوجوم فشدد على انه «لا بد أن تستجيب الحكومة لمطالبنا كاملة.. الكادر، بدل العدوى، مخاطر العمل». وأرانا بقع دم طرية على جلبابه الأبيض اندلقت من احد مرضاه.
أما زاهر بامطرف فحزم أمره قائلاً:«على الحكومة ان تمنح الطبيب ما لا يقل عن 500 دولار كحد أدنى» وهو يتوخى خيراً من الوسائل التي تعتمدها نقابته «بعد أن فشلت كل الحوارات مع المعنيين».
تحدث بامطرف عن أن موظفي الكهرباء «يتقاضوا أكثر منا», وهو دعا باجمال «للنزول إلى واقعنا ليرى كم هو الجهد والقلق الذي نعيشه ثم يحكم بنفسه على الأجر الذي يجب أن نتقاضاه».
توعدني الطبيب عبدالكريم الورافي بتصريحات نارية سيدلي بها, لكنه يخشى من كوني لن انشرها كما قال.
ثم اقتصر على أن قال «أتمنى لو يمرض واحد من الوزراء ويأتي إلينا ليدرك قيمة الطبيب وحالة الأداء الصحي المزرية، لكنهم بيروحوا الخارج».
بالواقع، أطباؤنا غائصون في خيباتهم. فأنى لهم تطبيب أي كان وهم الجديرون بالتطبيب؟
[email protected]