شهادات وبلاغات وقضايا في المحاكم : السجون الاحتياطية.. اعتداء صارخ على آدمية البشر

شهادات وبلاغات وقضايا في المحاكم : السجون الاحتياطية.. اعتداء صارخ على آدمية البشر

– بشير السيد
بنبرة خلت من الإمتعاض والسخط يتحدث وكلاء النيابات  عن قضايا أنكر المتهمون فيها تلك الاعترافات المدونة في محاضر تحقيقات البحث الجنائي، كونها  انتزعت منهم تحت التعذيب.
فقد اعتاد أعضاء النيابات سماع إنكار المتهمين لما جاء في تحقيقات البحث الجنائي، وتأكيدهم أنها اعترافات أُجبروا على الإمضاء عليها جراء التعذيب الجسدي والنفسي في السجن.
ومع ان جرائم التعذيب التي يرتكبها ضباط الداخلية ثابتة في بلاغات النيابة والأحكام القضائية وتقارير المنظمات الحقوقية، إلا أن وزارة الداخلية  تصر على إنكار حدوثها وبأنها مجرد إدعاء جاء لتشويه اداء الأجهزة الأمنية.
وبمجرد استعراض نماذج من حالات التعذيب للمعتقلين في السجون الاحتياطية(الشرطة والبحث الجنائي)، نكتشف ان هذ الملف متخم. ولن يكون حكم محكمة جنوب غرب الأمانة الصادر منذ ثلاثة أسابيع ببراءة بسمة محمد سالم الزغير  من تهمة قتل والديها، الشاهد القضائي الوحيد على ما يحدث في سجون البحث الجنائي من تعذيب، فالحكم أقر ببطلان إعترافات بسمة الزغير في محاضر تحقيقات البحث كونها انتزعت تحت التعذيب والإكراه، وهو ما يعتبر إدانة صارخة للبحث الجنائي وضباطه.
أما «علي غيلان السفياني» الشاب الذي اعتقله ضباط البحث في محافظة تعز مطلع 1996 وأودع السجن بتهمة السرقة، فقد خرج من السجن نهاية العام، لكنه حين غادر الزنزانة التي تحمل رقم (4) في البحث الجنائي، كان جثة هامدة. وأكد تقرير الطبيب الشرعي تعرض السفياني للخنق بواسطة قطعة قماش (شال)، وبأن اسباب الوفاة هي الاختناق والنزيف في القفص الصدري نتيجة العنف الذي تعرض له مع احتقان الاعضاء الحيوية وتوقف التنفس والجهاز الدوري وليس الانتحار كما جاء في تقرير ادارة البحث الجنائي الذي قالت فيه ان السفياني انتحر شنقاً بواسطة شال.
ومنذ ما يقارب التسع سنوات ووالد المقتول يطالب بالتحقيق في الجريمة ومحاسبة الجناة لكن النائب العام، اصدر حكماً يلزم وزارة الداخلية  بدفع دية لورثة الضحية وبذلك قيدت الجريمة ضد مجهول!!
وفي الأول من يوليو 1999 أصدرت محكمة المحويت الابتدائية حكماً قضى بإلزام مدير أمن مديرية الطويلة في المحافظة وجنديين (متهمين بتعذيب وقتل الشاب محمد الكوكباني) بدفع دية مغلظة لأولياء دم المجني عليه وحبس المتهم الأول عشر سنوات والثاني خمس سنوات والأخير ثلاث سنوات.
«محمد الكوكباني» استُدرج إلى سجن البحث في مديرية الطويلة محافظة المحويت واتهم بالسرقة وعندما أنكر، كانت العصي الغليظة والحبال المفتولة والمعقودة كفيلة بإنطاق الحجر.
كان الضحية يناور البحث باعترافه بالسرقة وأن المسروقات في مكان ما وحين يفشل الأمن في العثور على المسروقات تعاود العصي والقائش العسكري والحبال استنساخ شبيه لها على جلد الضحية بعد تجريده من ملابسه. ولمدة خمسة أيام قبل وفاته ظل محروماً من الأكل والشرب واغرقوا في تعذيبه وأكد تقرير الطبيب الشرعي بأن اكثر من (146) إصابة في جسم الكوكباني من أعلى الحاجب إلى ظهر القدمين.
«سامي الشرجبي» الذي تعرض للتعذيب في سجن البحث الجنائي بتعز ورأت المحكمة الابتدائية بأن «المتهمين التسعة من ضباط البحث الجنائي أبرياء من التهمة» وعلى «الشرجبي» أن يعود لزنزانته ومساءلتها عمن أحدث به كل تلك الجراح!!
أمس الثلاثاء بدأت نيابة حجة الابتدائية اجراءات التحقيق في قضية تعذيب «أحمد دقما» في سجن البحث الجنائي أثناء اعتقاله على ذمة مقتل مدير مديرية «خيران» في العشرين من سبتمبر الماضي. وقد يفضي التحقيق إلى اعتراف الضباط بذلك، لكن حتى في مثل هذه الحالة فإن ذلك لن يوقع بهم العقوبات المناسبة.
فقد جاء في تقرير اللجنة الدستورية أن ثمة قصور في النصوص القانونية كقانون العقوبات الذي لم يورد نصاً أو مادة تشدد عقوبة رجل الأمن في حالة استخدامه اساليب تعذيب تؤدي إلى  الإخلال بأحكام الدستور والمواثيق الدولية التي صادقت اليمن عليها.
هناك العشرات من حالات التعذيب في سجون البحث لضحايا لم يعرضوا على النيابة ويتم الافراج عنهم بعد إنتزاع اعتراف معين أو توقيعهم على  أوراق لا يعلمون ما بها «خالد ومختار» (اسمان مستعاران) شابان يقيمان في امانة العاصمة. ومطلع مايو من هذا العام، تفاجآ بعسكريين واربعة مدنيين يطلبون منهما ركوب السيارة وأنهما مطلوبان في البحث الجنائي للإدلاء بشهادة.
ويحكي احدهما أنه تفاجأ بأن الضباط طلبوا منه ان يشهد بأن(…) أحرق سيارته، وعند  رفضه شرع ضابطان بلطمه ثم انزلوه إلى زنزانة فردية. ويقول الضحية: «أطلعوني في المساء معصب العيون ومقيد في يدي (إلى الدور العلوي) وطلبوا مني بأن اشهد وإلا سوف يورطوني في القضية وعندما رفضت قاموا بضربي بقطعة حديدية أو بلاستيكية في الرأس والبطن والوجه والأطراف وضربوني بلوح كبير في ظهري وشدوا شعر رأسي وطلبت منهم بأن يتوقفوا، ثم وقعت على  ورقة وبصمت عليها وأنا معصب العيون وخرجت من السجن بعد تسعة ايام وقبل خروجي هددوني بأنهم سيحضروني من آخر الدنيا لو تكلمت عن التعذيب!!».
خرجا من السجن ولا يزال التهديد يقف عقبه أمام مقاضاة الجناة.
حالات تعذيب بالمئات ولا يزال مسؤولو الداخلية يصرون على الإنكار. وعندما واجهنا مدير الإدارة العامة للبحث الجنائي بوزارة الداخلية «أبو بكر سعيد» بتلك الانتهاكات، أفاد بأن إدارته لم يصلها أي شكوى أو بلاغ بخصوص حالات تعذيب في السجن. وقال: «هذا الادعاء ليس له أساس من الصحة، ولن نتردد في اتخاذ الاجراءات الصارمة ضد الفاعلين إذ ثبت تورطهم في تعذيب أي متهم».
البرلماني شوقي القاضي عضو لجنة الحقوق والحريات قال: «إن دور اللجنة معطل جراء تسييس بعض الاعضاء لمثل هذه القضايا عند رفعها إلى مجلس النواب وآخرون يعتبرونها تشويهاً لصورة اليمن».
وأكد القاضي بأن اللجنة اطلعت على كثير من حالات التعذيب في السجون ووصلها مئات البلاغات عنها. معتبراً أن ما يحدث في هذه السجون هي ممارسات شاذة وتمارسها عناصر شاذة تنتمي لهذه الاجهزة الامنية.
وأشار إلى أن التعذيب في السجون مرتبط بثقافة تعود إلى ما قبل قيام الوحدة في مايو 1990، لافتاً إلى ان بعض قضايا التعذيب في السجن ناجمة عن صفقات جرت تحت الطاولة.
ودعا القاضي ضحايا التعذيب وأقاربهم والناشطين في مجال حقوق الانسان إلى التواصل مع اللجنة وإطلاعها على ما يحدث من انتهاكات. خاصة وأن اللجنة بوضعها الحالي ستتمكن من اداء دورها بعد ان عُطلت في السابق جراء سياسة هيئة رئاسة المجلس واعتمادها في انتخاب رؤساء اللجان ومقرريها على معايير مناطقية.

***
 
 
أحرقوا جثته بعد عمل مشين مارسوه أمامه

بعد اسبوعين من اختفائه المفاجئ، وجدت سيارته محترقه في اسفل أحد جبال بني مطر، وفيها ربع كيلو من الرماد هي البقية الباقية من جثة صاحبها، بحسب تحليل  المعمل الجنائي.
طمس الحريق كل المعالم الجنائية لها، وهذا ما اراده الفاعلون.
من هذه النهاية الغامضة لخريج كلية الآداب «ع. م» (26 عاماً) تبدأ الحكاية المأساوية.
«النداء» تنشر تفاصيل الجريمة الأبشع للعام 2006.
في 24 فبراير الفائت، تلقت إدارة البحث الجنائي بأمانة العاصمة، بلاغاً عن وجود سيارة كرسيدا موديل (90) رقم 44971/1 خصوصي محترقة، وبداخلها بقايا جثة متفحمة، على خط الحديدة صنعاء بمنطقة «مند».
وسبق أن تلقت اجهزة الامن قبل اسبوعين من البلاغ السابق، بلاغاً عن اختفاء (ع) بشكل مفاجئ تقدمت به شقيقته «ف» التي تحكي بأن أخاها (الضحية) كان يتواصل معها يومياً قبل اختفائه إما بزيارتها وإما عبر الهاتف، لكن إنقطاعه المفاجئ عنها أثار قلقها.
«ف»، لم تيأس من البحث عن شقيقها، لكنها صدمت بذلك البلاغ الذي عرفت منه أن السيارة التي عثروا عليها محروقة هي سيارة شقيقها، وبقايا الرماد هي بقايا جثته.
كان خبراً قاسياً عليها، حينها عادت بها الذاكرة إلى الوراء وتذكرت حديثاً دار بينها وبين شقيقها (الضحية) عندما اتصل بها وكان وزوجته في (عدن) وقال لها إنه في قسم شرطة خور مكسر يقدم بلاغاً رسمياً عن (ع. ع) لمطاردته ومحاولة الاعتداء عليه.
«ف» لم تتردد في تزويد الاجهزة الأمنية بتلك المعلومات، مضيفة لها اتهامها لزوجة (الضحية) (ح) بقتله بالاشتراك مع أحد ابناء المشائخ النافذين ومرافقيه المنتمين إلى إحدى ضواحي صنعاء ويدعى «ع. ع»، واستندت في اتهامها لهم بأن الضحية كان يشكو لها من سلوك زوجته (ح) وعلاقتها الغرامية مع ابن الشيخ، وبأن الزوجة كانت تجاهر بتلك العلاقة.
أخذ رجال الأمن كلام شقيقة الضحية بشيء من الجدية وتواصلوا مع أمن محافظة عدن وعثروا على البلاغ المقدم من الضحية وهنا بدأت اجهزة الامن تمسك بالخيوط الأولى واستطاعت إزاحة الستار عن جريمة أراد الجناة طمس ادلتها.
اثناء زيارته لمدينة عدن هو وزوجته، قدم الزوج بلاغاً رسمياً بخط يده مساء الجمعة 30 ديسمبر2005  قال فيه بأنه تعرض لمطاردة من قبل عشيق زوجته الذي كان يقود سيارته (صالون مونيكا) في الخط المؤدي إلى كريتر الممتد من كورنيش ساحل أبين، لكنه وعند محطة العاقل التي تقف سيارة النجدة بجوارها، تدخلت النجدة فيما فر العشيق ومرافقوه صوب مديرية صيرة (كريتر) ورافقت سيارة النجدة الضحية إلى قسم الشرطة، وافاد الزوج في بلاغه أنه اكتشف قبل اثنى عشر يوماً أن زوجته على علاقة غرامية بـ«العشيق» ووجد رسائل غرامية في تلفونه السيار مرسلة من تلفون «العشيق» وأنه تواصل معه وطلب منه الابتعاد عن زوجته، لكنه تفاجأ بأن «العشيق» ومرافقه (م. ن) بعثا له رسائل قصيرة إلى تلفونه يهددونه بأنه إذا اعتدى على زوجته سوف يكون اليوم الاخير في حياته. واستمر الضحية في بلاغه إلى ان اكد فيه: «إذا حصل لي أي شيء أو تعرضت لأي مكروه فإن غريمي هو ابن الشيخ (ع. ع) ومرافقه (م. ن) وأُوقع على ذلك».
في اليوم التالي عاد إلى  القسم ليتنازل عن البلاغ بحجة أن شخصيات قبلية تدخلت وقالت له بأنها سوف تحل القضية قبلياً..!! فوافق، وعاد إلى صنعاء، وبعد شهر من قدومه إليها بدأت المأساة الحقيقية.
والسؤال الأهم: أين كان الضحية أثناء فترة اختفائه التي دامت أكثر من 10 أيام؟ وكيف قضي تلك الايام؟!
من خلال اعترافات المتهمين في محاضر تحقيقات النيابة الجزائية -بعد أن تمكن الأمن من القبض على بعضهم إثر بلاغ الضحية- بأن زوجته حددت للجناة مكان تواجده بعد أن طلبت منه الحضور لأخذها (جولة عصر بأمانة العاصمة).
وباختصار: نصب أفراد العصابة كميناً للضحية وتمكنوا من تهديده بالسلاح واقتياده بسيارته إلى ارضية مسورة غير مكتملة البناء في أعلى منطقة بـ«عصر» وإنزاله إلى  الدور الأرضي، وعند فجر اليوم العاشر كان (ع) قد توفي.
 وأفاد المتهمون في اعترافهم بأن زوجة الضحية ومرافق عشيقها وشخص آخر قالوا إنه كان يخفي ملامحه بشال، جاءوا إليه مساء اليوم التاسع وطلبت زوجته الطلاق. وأفاد ثلاثة من المتهمين بأنهم عرفوا من أحد الجناة (و. س) بأنهم مارسوا الجنس مع زوجته وكان يشاهدهم عاجزاً عن الحركة لتقييد يديه وقدميه ثم حقنته زوجته بإبرة.
قام الجناة بوضع جثة الضحية في خانة سيارته الخلفية وأخذوها إلى قمة أحد جبال بني مطر وأخرجوا الجثة واجلسوها في كرسي السائق ثم رشوا عليه البترول وعلى السيارة والاطارات ودفعوا السيارة لتهرول إلى اسفل الجبل ثم لحقها احدهم واشعل النار فيها. لكن المتهمين المضبوطين نفوا تورطهم في ممارسة الجنس مع زوجة الضحية او قتله، وبأنهم خُدعوا وتم توريطهم في هذه الجريمة التي اوهمهم الجناة الفارون بأن القضية هي خلافات حول «دلالة» سيارة.
النيابة الجزائية احالت ملف القضية، قبل اسبوعين، إلى المحكمة متهمة فيها 14 شخصاً بالإختطاف والتعذيب والقتل والاحراق، ضبط منهم 10 اشخاص بينهما امرأتان، الأولى زوجة الضحية (ح) والاخرى شابة مطلقة عملها فنانة، بحسب محاضر التحقيقات، والتي أفادت في أقوالها أمام النيابة، بانها سبق ان سافرت هي وزوجة الضحية إلى عدن بصحبة «ع.ع» ومرافقه وقالت بانهما نزلتا معهما بصفة الصداقة (…).
ولا يزال 4 من المتهمين فارين بينهم ابن الشيخ (العشيق) ومرافقه (م. ن). ولم تحدد المحكمة حتى الآن موعد أول جلسة لمحاكمة الجناة، ويتوقع أن تكون أول جلسة بعد إجازة عيد الأضحى.
[email protected]