(2) الزي المدرسي.. لون العسكر والحِداد – أروى عثمان

(2) الزي المدرسي.. لون العسكر والحِداد – أروى عثمان

لأن من ينظّر للفلسفة التعليمية في اليمن، ومنذ عقود من الزمن كائنات شطبت كل الإبداع الإنساني في الفن والقص والشعر والرسم والتمثيل والمسرح، أغلقت نافذة للتأمل والتفكير. ألغت العقل، جرمت المنطق والفلسفة وحولت الحياة بكل تفاصيلها إلى عورة كبيرة مستفحلة. واستخدمت بدلاُ عن ذلك ثقافة الرموز والطقوس والشعائر الشكلية في الدين والسياسة والثقافة، لتغدو ثقافة: تشميت العاطس هو الدين كله، والسلام عليكم بدلاُ عن صباح مساء الخير، هي مسألة حياة أو موت للهوية الإسلامية، وجزاك الله خيراً بدلاً عن شكرا،ً هو الإسلام الحقيقي للمؤمن الحقيقي والاستمتاع بأغنية شعبية غزو فكري، وقراءة أي رواية لنجيب محفوظ وغيره هو الكفر بعينه، وإذا لم يقل المرء عقب كل حرف أو إشارة “يا سبحان الله “.. فالإسلام في خطر، فشدوا الرحال لإنقاذه من مخالب الفرنجة.
ونفس الشكل يطغى على السياسة من أن الديمقراطية خيارنا، وأن الإنسان اليمني إنسان خمس نجوم (وقدوه بغران من الترف وعيشة الملوك) أو ثقافة تستجلب شعراء وفنانين من مختلف العالم، ولا يوجد مسرح، ولا سينما، أو قاعات.
 
الطالبات.. ضفادع بشرية، وسلاحف النينجا
في ظل هذا التشيؤ خرج خبراء العلم والتعليم بمناهج مدرسية مفرغة من العلم والتعليم تأخذ شكل الدين لتفرغه من مضمونه على أنه رمز للطالب المسلم الحقيقي المختلف عن اللامسلم حتى لو صليا في سجادة واحدة، وبدأ هوس التنظير لدى هؤلاء بالتصنيف والجدولة بماراثونية عجائبية لتوزيع صكوك الإيمان الحقيقي، والكفر الأصلي بين الطلبة، ليصيِّروهم قنابل تتطاير شظاياها على الجميع باعتبارهم جند الله، وغيرهم جند الشيطان.
ولم يكتف هؤلاء المنظرون بالسياسة التعليمية للمناهج، بل وبجنون العظمة ارتكبوا -كما يقول صديق عزيز- فكرة الزي المدرسي، خصوصاً لبناتنا الطالبات، والذي لا يخرج عن لون القات، ولون العسكر، وأصبحت ترى الطالبات صباحاً ومساء، وكأنهن ضفادع بشرية وسلاحف النينجا، هبطن من عوالم ما بعد الخيال. طالبات تراهن حاملات أسفاراً (المناهج المدرسية) التي لا تقل خطورة وفتكاً عن الكلاشنكوف، والقنابل والألغام وأسلحة الدمار الشامل. فنتساءل هل طالباتنا سيتوجهن لمدراس مدنية أم سيقدن حرب عصابات في الغابات – مع العلم بأننا لسنا نملك غابات فحسب، بل ولا حتى” شُجري”.
الزي المدرسي (الأخضري) لم تبدعه عقول أصحاء، بل منظرون مثواهم جناح الأحداث، والمصحات النفسية، ذلك الزي الكابي الكابح للفرح، والضحكات، والانطلاق، بل كابحاً للحياة، فمن تلبسه يجب أن تكون عجوزاً تلوك يالله حسن الختام، إن لم تكن عجوزاً تتحاور مع منكر ونكير- طبعاً ليس في “ديمتها ” العتيقة بل في القبر – سيقول قائل: إنه لون الطبيعة والخضرة، وأرد: إن رغوة القات لونها أخضر أيضاً.
 
عسكرة الطالبات
كل من الزي المدرسي والزي العسكري طالعان من تربة واحدة، فمثلما العسكرة رمز للولاء والانقياد الأعمى للقائد الأعلى وولي الأمر، وكذلك هو حال طلاب وطالبات المدارس، العزل من الأسئلة إلا من إجابات تتناسل إجابات ولا إجابات، تكرس طاعة عمياء لمنظري السياسة التعليمية من المدير، المدرس، حتى رئيس أو رئيسة الفصل ويجب أن نقدم تعظيم سلام، والى الخلف دور.
ونتساءل: ماهي الجريمة التي ارتكبتها بناتنا الطالبات ليعاقبن بزي كهذا، وبأسفار تغتال عمودهن الفقري الغض!؟ لماذا نتلذذ باختراع العاهات المستديمة لبناتنا بزي كئيب وحقيبة متفجرات.
 
الطالبة.. المستقيمة والسقيمة
وبنفس التنظير والتصنيف المريض، يتم تقسيم بين زي الطالبة المستقيمة الحقيقية النموذجية، الذي يحجب عورتها بإحكام (مدرسات يتلفظن بهذا اللفظ جهاراً نهارً) فإذا ظهر جزء من ظفرها، أو جفنها، محت كل ألقاب الفتاة المسلمة المستقيمة. كما يجب أن يتميز الزي، باستطالة تجعله يكنس كل “قصع” و”أتناكـ” الحي، ويلتصق بكل مشمعات الشارع، ولا بأس من جرف أعقاب السجائر، والأحجار، والعوادي، وكل “الكداديف” طريق..طريق، حتى يرتفع ميزان حسنات الطالبة التي تحملت كل ما يقذفه الشارع. فالطالبة المؤمنة ممتحنة، ويجب أن تبحث وتبتكر صنوف العذاب والتعذيب لتدخل الجنة.
أما الطالبة غير المستقيمة (القليلة الحياء) هي التي تتزياء بالأخضري، لكن حجابها، لا يسدل على (كنوزها) الأمامية والخلفية، بل والأدهى من ذلك، لا يجرف قمامات الحي، بل وربما يخترقه شعاع الشمس، والنتيجة: ضاع الإيمان و”راح فطيس “. لذا يجب أن يكون حجم الحجاب بحيث لا يقل عن “طراحة” أو بطانية “كمبلـ” عسكري أبو خط أحمر- حتى لو كان بدون صرف كدم.
 
كتب + ونش
وكلما كرس العسكر (الأساتذة والأستاذات) علم العورة في الطابور والفصل وأوقات الراحة، زادت من سماكة الزي الأخضري، ولا مانع من أن يفصّل الزي المدرسي في العام القادم من نوع السجاد الغليظ، ويتميز بأن يكون أثقل وأحكم وأفتك من “الطربالـ” بحيث عندما تتحرك العورة( الطالبة) إلى مدرستها، تكون مختومة من كل الجهات. ولذا نقترح على وزارة التربية والتعليم ومنظري السياسة التعليم أن يصرفوا للطالبة بجانب الكتب ” ونش” من نوع خاص، حتى يحمل العورة بأسفارها.. وللمدرسة في عوراتها شؤون.
 
بالأسود كفَّناها:
في الطرف الآخر سترى الطالبات وهن يتدثرن بالأسود الحداد الدائم، فما الذي يحدث؟ وهل هؤلاء الطالبات اللاتي لا تقل أعمارهن عن السابعة، ولا يتجاوزن العشرين طالبات أم فرق موت؟ هل سيذهبن إلى المدارس، أم لتنفيذ عمليات انتحارية؟! -انظروا لعصابة الرأس وحدها– أعتقد إذا لم يكن سبيلهن هو العمليات الانتحارية، فمن المؤكد أنه الشقيقة والصداع المزمن.
فتلك العصابة السوداء لا تختلف، جملة وتفصيلاً، عن عصابة “جمل المعصرة” الذي لو نزعت عصابته، وأكتشف أن مالكه يشتغل به ليل نهار، لحقد عليه وأفترسه.
فالساسة التعليمية، التي جرمت الإبداع بكل أشكاله، أنتجت هذه الكائنات التي تشبه جمل المعصرة.. وإن استمرت هذه السياسة بمثل هذا الابتلاع للحياة، قطعاً ستحول طالباتنا، وبناتنا إلى كائنات بأربع قوائم.
والا كيف تشوفوووووووو؟
[email protected]