مصيرها بيده! – د. إلهام مانع

مصيرها بيده! – د. إلهام مانع

فاطمة ولمياء!*
فتاتان يمنيتان.
التقيتهما في رحلة بحث ميدانية.
لكل منهما قصة،
لكل منهما حكاية ومصير.
ومعهما تتبدى ملامح قصة المرأة اليمنية، ونظيرتها في شبه الجزيرة العربية، والمرأة العربية بصفة عامة!
فاطمة فتاة ترعرعت في منطقة ريفية في المناطق الوسطى من اليمن، من أسرة فقيرة. والدها لم يتحصل على أي قدر من تعليم، ووالدتها توفيت وهي في التاسعة من عمرها.
ولمياء ابنة المدينة، أسرتها ميسورة الحال، والداها من عدن، مثقفان حاصلان على شهادات عليا من جامعات أوروبية عريقة، وانتقلا للعيش في صنعاء بعد الوحدة اليمنية.
فاطمة أجبرها والدها على الزواج وهي في التاسعة من عمرها.
في التاسعة من عمرها. أراد والدها أن يتزوج بعد وفاة أمها، فقدم فاطمة هدية لعائلة زوجته الجديدة،
هي ومَهرها الذي ابتلعه بطنه.
وفاطمة لم تكن ترغب في الزواج.
فاطمة الطفلة أرادت أن تلعب.
فاطمة الطفلة أحبت أن تتعلم.
فاطمة الطفلة لم تفهم معنى الزواج.
فاطمة الطفلة لم تعرف معنى الجنس بين الرجل والمرأة.
أرادت أن تلعب، أحبت أن تتعلم، أرادت أن تحيا، فرفضت الزواج.
ضربها أبوها،
ضربها،
ضربها،
حتى صمتت.
 فتزوجت،
وهي في التاسعة،
واغتصبها زوجها، ابن الثلاثين، ليلة نحرها.
ولأنها كرهته بدأ يضربها هو الآخر.
كانت تلجأ لأبيها فيضربها ويعيدها من جديد إلى زوجها ذاك الذي يضربها.
فطفح بها الكيل يوماً، وهربت
هربت إلى عدن.
وقبضوا عليها وهي في العاشرة من عمرها… بتهمة الدعارة!
في العاشرة من عمرها!
حُكم على فاطمة بالإيداع في إصلاحية لمدة ستة أشهر، لكن عدن أيامها لم تتوفر فيها إصلاحية للأحداث، فأودعوها السجن!
 طفلة في العاشرة أودعوها السجن!
ثم زادوا وحكموا عليها بالسجن ثلاث سنوات أخرى حمايةً لها!َ حماية لها من أبيها الذي رفض استلامها بعد انتهاء مدة الحكم الأولى.
التقيت فاطمة في دار الإغاثة الاجتماعية في محافظة عدن، وهو مركز الإغاثة الوحيد في شبه الجزيرة العربية لرعاية النساء -أو بالأحرى الطفلات- السجينات المفرج عنهن وضحايا العنف العائلي.
التقيتها وهي تتهيأ للبدء في دراستها الثانوية.
هذا عن فاطمة.
لمياء قصتها قصة أخرى.
لمياء قصتها قصة فتاة تُشرع أمامها الأبواب دون قيود.
 طفلة يحبها أبواها.
لم تُبتلَ بالفقر، لم تبتلَ بموت الأم، لم تبتلَ بجهل وجشع وأنانية الأب.
إبنةٌ، يؤمن والداها بحقها في العلم، في الحياة، حقها في أن تكون! أن تكون كما تشاء يوماً ما.
تدرس في مدرسة خاصة تهيئها لعلوم المستقبل، و للحديث بأكثر من لغة، عربية وأجنبية.
فالمدارس العامة في اليمن لا تخُرج سوى أنصاف متعلمين… يا للأسى.
تتلقى دروساً في الموسيقي،
وتستمع إلى أمها كل ليلة وهي تقص عليها حكاية جديدة.
وتدري أنها يوماً ما ستدرس في جامعات أوروبية، كي تكون مؤهلة للعمل في أي بقعة من العالم.
وتدري أنها يوماً ما ستختار شريك حياتها بإرادتها الحرة.
دون إكراه، دون فرض، ودون ضرب.
التقيت لمياء في بيت والديها في صنعاء، بيت أسرة تحب ابنتها.
لمياء قصتها قصة ماكان ممكناً لفاطمة، لكنه لم يكن أبداً متاحاً لها.
والتنافر الحاد بين مصيريهما يحدد لنا ملامح قضية المرأة اليمنية خاصة، والعربية بصفة عامة.
مصير المرأة أسيرٌ لنوعية الأسرة التي تنتمي إليها, ومستواها التعليمي والاقتصادي.
هكذا ببساطة.
و مصير المرأة وهي طفلة يرتبط جوهرياً بموقف الأب، أو الأخوة والأعمام في حال موته، منها.
هذا هو المحك.
فالفقر لا يعني الحكم على المرأة بالدفن حية.
يكفي أن يحب الأهل أبنتهم ويؤمنوا بها،
 كي تنجح إذا كانت مؤهلة لذلك.
لا، المحك هو موقف الأب.
هل يحبك أبوك، أم يراك مصيبة ستجلب على رأسه العار؟
 هل يعتبرك كياناً كاملاً يجبُ احترامُه، أم لا يرى فيك سوى بقرة يعلفها إلى أن يفتح الله عليه بشارٍ يقدم له السعر المناسب؟
أي نوع من الآباء أبوك؟
هذا هو السؤال، لأنه السؤال الذي سيحدد مصيرك.
فمصيرك في النهاية بيده.
والمأساة في هذا السؤال أنه إذا كنتِ مختلفة، إذا كنتِ مستقلة، إذا كان عقلك يتفجر حيوية وإرادة، إذا أردت أن تحيي، أن تكوني أنتِ، أنتِ لا إمعة، وكان أبوك من النوع الثاني فإنك لا محالة ستعانين.
ستواجهين الهول كي تكوني.
وغيركِ دفُنت وهي حية.
وغيرك ضُربت حتى صمتت.
وغيرك اغُتصبت ليلة نحرها.
والمأساة الأكبر في هذا السؤال: أن الدولة تبدو كما لو كانت غائبة. رفعت يدها، وهي، كما الأب، جزءٌ من المشكلة.
عندما يتعلق الأمر بقصة فاطمة فإن الدولة في اليمن تتحمل مسؤولية زواجها في سن الطفولة،
الدولة هى المسؤولة هنا.
الدولة هي التي عدلت قانون الأحوال الشخصية الذي أصدرته دولة الوحدة عام 1992، والذي حدد السن الأدنى لزواج الفتاة بخمسة عشرة عاماً في نص واضح: “لا يصح تزويج الصغير ذكراًَ أو أنثى دون بلوغه خمس عشرة سنة”.
 عدلته عام 1999 بناء على إصرار من القوى الإسلامية والمحافظة، وبصمت ولا مبالاة من الحزب الحاكم، لتتحول المادة إلى: “عقد ولي الصغيرة بها صحيح، ولا يمكن المعقود له من الدخول بها ولا تزف إليه إلا بعد أن تكون صالحة للوطء ولو تجاوز عمرها خمس عشرة سنة”.
والد فاطمة اعتبر أن التاسعة سن صالحة للوطء.
وغيره سيعتبر السابعة سن صالحة للوطء.
وسواء كانت سن الوطء التاسعة أو السابعة أو العاشرة فإنها، وفقاً للمعايير الدولية يتم تصنيفها ببساطة على أنه “اغتصاب لطفلة”، لا يوجد تسمية أخرى لها.
ولأن المسألة تتعلق بعملية اغتصاب للطفولة يحق لنا أن نتساءل عن سبب إصرار القوى الإسلامية والمحافظة على تشريع هذا الانتهاك؟
هنا يتبدى لنا الطابع السياسي لقضية المرأة. لكن هذا موضوع المقال القادم.
 
* الأسماء مستعارة

[email protected]