تركت أطفالها في الصومال وهرعت إلى البساتين لنجدة «آمنة».. مريم في مهمة اضطرارية غير عاجلة!

تركت أطفالها في الصومال وهرعت إلى البساتين لنجدة «آمنة».. مريم في مهمة اضطرارية غير عاجلة!
البوح النداء

تركت أطفالها في الصومال وهرعت إلى البساتين لنجدة «آمنة».. مريم في مهمة اضطرارية غير عاجلة!

– سامي غالب
جاءت مريم إلى اليمن قبل نحو 8 أشهر في مهمة إضطرارية تاركة في مقديشو 6 أبناء أصغرهم في السابعة. وتريد الآن العودة إلى الصومال لكن نصائح من مكتب المفوضية أقنعتها بتمديد إقامتها في البساتين فترة إضافية لأسباب قضائية تقنية.
قبل 19 سنة اختارت مريم، فيما يشبه الإجراء الوقائي، أن تسمي إبنتها البكر «آمنة». عندما بلغت آمنة الرابعة انهارت الدولة، وماهي إلا اسابيع حتى خسرت أباها في قذيفة. في السادسة عشر من عمرها ركبت البحر باتجاه الساحل اليمني.
بعد مغيب شمس 20 يناير الماضي وبينما هي وحيدة في طريق رواحها من الشيخ عثمان، أُجبرت على ركوب سيارة لمجهولين كمموها بأيديهم لمنعها من طلب النجدة. بعد 7 ساعات وجدت «عديمة النصيب من إسمها» في منطقة خبت كابوتا (شارع 90) شبه ميتة وعلى جسدها آثار ضرب عنيف، وتبين لاحقاً أنها تعرضت للاغتصاب. في المكان ذاته ألقت قوات الأمن على 7 أشخاص، وبعد التحقيقات أطلقت النيابة سراح 5 منهم وقدمت 2 إلى محكمة المنصورة بتهمة اغتصاب «آمنة». بعد 3 أشهر من الاعتداء توجب على مريم المقيمة في مقديشو أن تقتفي خطى «آمنة». ودعت أطفالها الستة، وركبت البحر، وسكنت البساتين.
ويوم الأثنين قبل الماضي عُقدت جلسة جديدة في محكمة المنصورة للنظر في القضية. وعلمت «النداء» أن رئيس المحكمة فضيلة القاضي علي عبدالله القحيف حدد يوم 12 فبراير المقبل للاستماع إلى الدعوى المدنية المقدمة من محامي المجني عليها. ما يعني شطب صفة «العاجلة» من مهمة مريم اللاجئة الفريدة من نوعها، التي تقاتل الوقت كيما تسترد الحق لابنتها، مغالبة شوقها الجارف لأبنائها الصغار الذين ينتظرون عودتها إلى الصومال.
الثابت أن «إبنة مريم» قاومت بشدة الجناة الذين يعتقد أنهم أكثر من 2. والراجح بحسب مريم وديرية، أن الجناة اضطروا الى حقنها بمخدر، وعندما صحت بعد 7 ساعات أطلقت صرخات متتالية، فتناهى صراخها إلى سمع إحدى القاطنات في خبت كابوتا، فأبلغت الأمن الذي سارع الى المكان لضبط الجناة وهم في حالة تلبس. لكن بعض المتواجدين في مكان الاعتداء أفرج عنهم بعدما تبين أنهم من أهالي المنطقة، وهرعوا الى المكان عند سماع صراخ المجني عليها، لكن مشتبهاً بهم آخرين أفرجت النيابة عنهم، ما دعا محامي آمنة الى الطعن بقرارالنيابة.
«قسماً بالله عرفتهم»، قطعت آمنة، في سياق تأكيداتها بأن الجناة أكثر من 2. شتموني في المحكمة وزعموا بأني «أروح أماكن سيئة»، شكت غاضبة، لكأن أمر الفصل في الدعوى بيد محدثها، الذي بدا لحظتها منغمساً في دور القاضي، حد الاعتذار عن قبول قطع «شكلت» وزعتها على الحضور، كيلا يجرح أحدٌ في حكمة!
قبل مجيء الأم عاشت آمنة آسابيع من الضياع والمهانة، عاشت عند حافة الانهيار تزورها نوبات من الغضب، وأحياناً من الجنون. «عندما أسعفناها إلى المستشفى اندهش الطبيب لحالتها، وقال لنا: انتم جبتوا لي واحدة ميته»، أوضح محمد ديرية، رئيس جمعية اللاجئين في البساتين، الذي كان موجوداً في مسكن آمنة ومريم عندما التقتهما «النداء» منتصف نوفمبر الماضي.
في مستشفى الصداقة أمضت آمنة شهراً، وعندما خرجت تكفلت المفوضية بتوفير مستلزماتها الحياتية، وأوكلت إلى محامٍ مقاضاة الجناة.
«هذه التي تراها الآن لم تكن كذلك قبل وصول أمها»، نبهني محمد ديريه، خاشياً من تورطي في استنتاجات متسرعة.
«كانت نحيلة يائسة محطمة، وغالباً ما يغمى عليها في السوق أو في الحافة»، أردف قبل أن تستأنف الأم السرد: «تجيلها حالة وتغيب عن الوعي لمدة ساعة إذا ما حصَّلت أدوية». أجرت تالياً مسحاً سريعاً على وجه ابنتها وجسدها لتعيين ما رسب من آثار العدوان.
تبدو آمنة الآن متعافية بدنياً، لكن الآثار النفسية ما تزال ملحوظة عليها. بيد أن تعاطف المحيط الذي تعيش داخله يخففِّ من فعل الاعتداء، خلاف آخريات تعرضن لنبذ المجتمع المحلي. وطبق دراسة للباحث عبدالحكيم الشرجبي أستاذ الاجتماع في جامعة صنعاء فإن كثيرات ممن يتعرضن لاعتداءات جنسية يحجمن عن إبلاغ الجهات المعنية خشية النبذ أو خوفاً من انتقام الجناة، وفي كثير من الأحيان يُنظر إلى العنف الجنسي الواقع على المرأة على أنه «عمل مخزٍ ليس لمرتكبه ولكن للضحية الواقع عليها هذا العنف».
ومن بين أهم الآثار النفسية للعنف ضد اللاجئات، بحسب استقصاء الشرجبي لعينه من اللاجئات في خرز وعدن وأمانة العاصمة، فإن المبحوثات أوردن الشعور بالضياع (17٪) والأمراض النفسية (27٪) وكره الناس (12٪) وعدم الاستقرار (5٪). وبحسب الدراسة فإن الاعتداءات تولِّد لدى الضحايا (مشاعر) الاشمئزاز من النفس ومن عدم القيمة (التبخيس الذاتي) واللامبالاة تجاه أنفسهم وتجاه الآخرين من حولهن.
في أحد النهارات «خلعت آمنة ملابسها في الحافة»، أفاد «النداء» حسن عرمرم الشيباني النجم الرياضي الصومالي (اليمني) السابق، العائد مطلع التسعينيات، والذي يتولى حالياً تدريب فرق البساتين، وبخاصة فريق المدرسة الذي يحتل المرتبة الأولى في المحافظة.
«جريت بسرعة لاغطيها وأبعدها عن الأنظار»، أضاف، قبل أن يختم بالكلمة الفصل المجمع عليها في محيط آمنة: «مسكينة».
تلوح آمنة الآن أكثر اعتداداً بنفسها، وأميل إلى التدخل الايجابي في الشؤون الداخلية للجيران. للتمثيل، فقد فوجئت بها بعد أيام من مقابلتها، وهي تقتحم مكتب العاقل عبدالله فدعق لتقرِّع والدة تسيء معاملة إبنها. بعدما فرغت من مهمتها الرسالية، التفتت نحوي لتستفسر بكل دبلوماسية عن موعد نشر قصتها في الصحيفة، قبل أن تستدرك، مفصحة عن وجهة نظرها النهائية حيال والدة شرماركي: «تعبانة.. زيي مسكينة».
[email protected]

***

توصيات رهن التفات المعنيين

للإطلاع على أوضاع اللاجئات وأنواع العنف الذي يتعرضن له، وكذا جوانب القصور في آليات حمايتهن، يمكن الإحالة على دراسة للباحث عبدالحكيم الشرجبي عن «العنف ضد اللاجئات في اليمن»، قدمت إلى ندوة «السلام والحرب: إشكالية اللجوء وحماية اللاجئات من العنف» التي نظمها منتدى الشقائق العربي لحقوق الانسان في مايو 2003.
استخدم الباحث في دراسته مزيجاً من الأساليب المنهجية بينها المسح الاجتماعي التقليدي، والبحث السريع بالمشاركة، وبخاصة المقابلات البؤرية المركزية. وقد نفذت الدراسة على عينة من (108) لاجئة يتوزعن على مخيم خرز ومحافظتي عدن وأمانة العاصمة.
الباحث خلص إلى جملة من التوصيات والمقترحات لتحسين أوضاع اللاجئين ولمكافحة العنف ضد المرأة اللاجئة، فيما يلي مقتطفات منها.
1 – توصيات ومقترحات لتحسين أوضاع اللاجئين:
للناس عموماً وللاجئين خصوصاً، احتياجات مادية واجتماعية ونفسية ينبغي تحقيقها لأن اللاجئ هو شخص فقد وطنه وقد يكون فاقداً لجزء أو كل اسرته، وبالتالي فهو في أمسِّ الحاجة لتلبية تلك الاحتياجات ولا يمكن تحقيق الحماية على نحو سليم اللاَّجئين إذا ما تم تجاهل هذه الحاجات والتي من أهمها:
– ضرورة توفير الغذاء والوقود والمأوى والرعاية الكاملة للاَّجئين وبشكل كاف يلبي احتياجاتهم الأساسية، وبما يمكنهم من العيش بكرامة لأن اللاجئين، وبالذات النساء والأطفال، الذين يكونون غير قادرين على توفير طعامهم أو توفير الملبس والمأوى لأنفسهم، يكونون أكثر عرضةلأخطار سوء المعاملة والاعتداء البدني والنفسي، ويتطلب تحقيق ذلك مطالبة المفوضية وبمساندة من الحكومة اليمنية زيادة نصيبها من الأموال من الدول والمنظمات المانحة باعتبار أن الاستثمار في برامج مساعدة اللاجئين هو استثمار في الحماية وفي التوصل إلى حلول ناجحة لمشكلاتهم.
– العمل على توفير الخدمات الاجتماعية التي تتطلبها حياة اللاجئين عموماً واللاجئات على وجه الخصوص مثل ضمان فرص الوصول المتساوي للبرامج التعليمية، بما في ذلك برامج التعليم الثانوي ودورات التعليم الفني وفصول التدريب المهني والتعليم على المهارات مع التركيز على توفير التعليم الأساسي لكلا الجنسين كحد أدنى، وضرورة العمل على فرص متساوية للبرامج التي تستهدف زيادة الاكتفاء الذاتي الاقتصادي باعتبار أن هناك علاقة وطيدة بين فرص الحصول على دخل كاف وحماية اللاجئات، بالإضافة إلى إيجاد سلسلة متكاملة من الخدمات الصحية مثل الرعاية الصحية الأولية وخدمات الصحة الانجابية، وإدراج حملات التوعية بالأمراض المنقولة جنسياً وغيرها من الأمراض والعواقب الطبية الناجمة عن الممارسات التقليدية الضارة مثل الختان، والحرص على تنفيذ برامج خاصة بتعليم اللاجئات وتدريبهن للعمل كعاملات صحيات، وإشراك اللاجئات في تصميم البرامج الصحية التي تكون مناسبة لهن باعتبار ان مسألة تزويد النساء بمستلزمات الوقاية والنظافة الصحية مسألة حساسة ولا سيما للموظفين الذكور، الذين يحجمون في أحيان كثيرة عن المشاركة في ذلك، أو أنهم ببساطة يفتقرون للمهارة اللازمة لذلك.
– إن السعي لإيجاد حلول ناجحة للاجئين تتطلب تظافر جهود المفوضية والمنظمات الانسانية العاملة في هذا المجال من أجل تمكين من يرغب طوعياً من اللاجئين في العودة إلى أوطانهم دون أية ضغوط مادية أو نفسية أو بدنية تجبرهم على ذلك.
يمثل العمل على الإدماج المحلي -إدماج اللاجئين في إطار المجتمع المحلي- حلاً ناجحاً لكثير من مشكلات اللاجئين وفي سبيل تحقيق ذلك لا بد من موافقة الدولة المضيفة على هذا الحل -اليمن- لتسهيل عملية الإدماج، كما أن تأييد المجتمع المحلي نفسه لهذا الحل هو ضمان لنجاحه، وتمثل رغبة اللاجئين أنفسهم للإدماج شرطاً مهماً لنجاح هذا الحل، مع ضرورة دعم الدول المضيفة وتعويضها عن الآثار التي يمكن أن تنجم من جراء الإدماج، خاصة عندما تكون موارد البلد المضيف شحيحة وتعاني من أزمات اقتصادية.
– على المفوضية العليا لشؤون اللاجئين العمل مع الحكومة اليمنية وحثها على ضرورة تنفيذ القوانين التي تضمن حماية اللاجئين وضمان اخضاع منفذي القوانين والجهات المعنية بالحماية لضرورة الخضوع لمبدأ المساءلة وتوفير الإرادة السياسية لتحقيق ذلك، وخاصة في مجال المسألة الفردية لأولئك الذين يقررون ويمارسون انتهاك حقوق الآخرين وتعريض حياتهم للخطر وخاصة النساء اللاجئات باعتبار أن مضاعفة أي تحامل حقيقي ضد الإناث يمثل انتهاكاً لحقوقهن.
– العمل على حماية وتحسين الحقوق الانسانية للمرأة والفتاة بشكل كامل كما نص على ذلك الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعمل على الحد من فقر المرأة.
– العمل على إشراك اللاجئات في تخطيط وتنفيذ وتقديم المساعدات وبناء المخيمات باعتبار أن المشاركة هي تعزيز للحماية ولأن مشاركة اللاجئات خصوصاً فيما يتعلق بحياتهن وأوضاعهن المختلفة؛ لأن من شأنه ذلك إتاحة الفرصة لهن للتعبير عن احتياجاتهن وشواغلهن والعمل على تكوين لجان للمرأة اللاجئة داخل وخارج المخيم لتكون مصدراً للمعلومات عن احتياجات وشواغل النساء الخاصة ولتعزيز الشعور لديهن بقيمتهن واعتمادهن على ذواتهن مع ضرورة العمل على أن تكون الخدمات والمرافق الأساسية في المخيم في أماكن يسهل للنساء الوصول إليها لتقليل تعرضهن للعنف والاعتداءات مع ضرورة إشراك النساء في توزيع الأغذية والمساعدات وتعيين عدد أكثر من الموظفات الإناث للقيام برعاية اللاجئات والاستعانة بنساء متخصصات لمساعدة اللاجئات لأنهن الأقدر على تفهم مشكلاتهن واحتياجاتهن.
2 – مقترحات وتوصيات لمكافحة العنف ضد المرأة اللاجئة:
يقتضي العمل مع اللاجئات من النساء تضافر جهود كل من الحكومة اليمنية ومفوضية شؤون اللاجئين للعمل سوياً من أجل ضمان الحماية البدنية والنفسية للاجئات؛ وذلك للحيلولة دون وقوع العنف ضد اللاجئات والعمل على كشف العنف ومعالجة اثار عند وقوعه، وفي سبيل تحقيق ذلك لابد من اتخاذ عدد من الخطوات العملية المهمة للحد من مخاطر التعرض للعنف ومن تلك الاجراءات والخطوات:
– اختيار المكان أو الأماكن المناسبة كمواقع لمخيمات اللاجئين، واختيار التصميم المناسب وذلك من خلال تجنب إنشاء المخيم في مناطق غير آمنة أو معرضة لوقوع حوادث عنف فيها بالتشاور مع اللاجئات خصوصاً، وذلك لتوفير أماكن إيواء خاصة للنساء داخل المخيم، خاصة النساء والفتيات غير المصحوبات بأسرهن وعائلات الأسر، مع الحرص على عدم تقاسم الاسر للسكن إذا كانت لا تربطهم صلات قرابة، واختيار مواقع للخدمات والمرافق تكون مناسبة للنساء وتوفير إضاءة جيدة، وخدمات متوفرة، والعمل على تيسير دوريات حراسة ليلاً ونهاراً للحد من تعرض النساء للمواقف العنيفة.
– العمل على إصدار وثائق هوية فردية ووثائق تسجيل لجميع اللاجئات لتسهيل حصول النساء على المساعدة والخدمات الأخرى ولتيسير الوصول اليهن من قبل الموظفين ورجال الحماية، واختيار إناث قدر الإمكان من موظفي الحماية، مع ضمان تحقق توازن بين الجنسين في تعيين الموظفين وفي كافة المستويات.
– أهمية القيام بالتحقيق وتنفيذ النصوص القانونية ضد مرتكبي أعمال العنف ضد اللاجئات ومحاكمتهم وتوقيع الجزاءات عليهم مع ضرورة ايجاد وسائل فعالة وغير تمييزية للإنصاف القانوني، بما في ذلك تسهيل تقديم الشكاوى ضد التعديلات والتحقيقات فيها وملاحقة الجناة، واتخاذ الجزاءات المناسبة في الوقت المناسب.
– ضرورة العمل على دعوة الحكومة اليمنية إلى سن وانفاذ القوانين الوطنية وبالموائمة مع الاتفاقيات والمواثيق الدولية الخاصة باللجوء واللاجئين، والعمل على ضمان حماية الضحايا وأي شهود من العمليات الانتقامية التي قد تحدث، والعمل على تكثيف التواجد الامني الكافي للحماية.
– العمل على تكثيف حملات الاعلام والتثقيف والتوعية التي تدعو إلى محاربة العنف ضد اللاجئات في أوساط اللاجئين والمجتمعات المحلية، وموظفي المفوضية ورجال الحماية، والشرطة، وموظفي المنظمات التي تعمل في مجال مساعدة اللاجئين والافراد ممن يكونون على اتصال باللاجئين مع العمل على توعية اللاجئات أنفسهن بحقوقهن القانونية ومسؤوليتهن عن كيفية حماية أنفسهن.
– العمل على معالجة الآثار الناجمة عن العنف ضد اللاجئات سواء كانت آثار بدنية أو نفسية أو غير ذلك حتى تستطيع النساء مواجهة حياتهن والاستمرار فيها بشكل طبيعي وبما يكفل أمنها واستقرارها.