(1) الفن قبل التعليم.. – أروى عثمان

(1) الفن قبل التعليم.. – أروى عثمان

* إلى: نوارة المدينة.. نورا
“إذا أردتم أن تحسّنوا القدرات الإدراكية والعقلية لأطفالكم، فعليكم أن تنموا هواية الموسيقى عندهم “هذا ما اقترحته دراسة نشرتها مجلة “برين”.
الباحثون في علم النفس من جامعة “ماك ماستر” قاموا على مدى عامين بمتابعة 6 أطفال تترواح أعمارهم 4 إلى 6 سنوات. قسم هؤلاء إلى مجموعتين: الأولى خضع أفرادها لبرنامج يتضمن التدرب على سماع الموسيقى وتعلم العزف على آلة موسيقية معينة. أما المجموعة الثانية فترك أعضاؤها وشأنهم من دون برنامج محدد. الدراسة دامت سنة واحدة جرى خلالها إخضاع المشاركين فيها لاختبارات قياس نشاط الدماغ 4مرات. فماذا كانت النتائج؟
النتائج كشفت أن الأطفال الذين تابعوا البرنامج التعليمي الموسيقي كانوا أكثر حساسية ويرتكسون في شكل أسرع تجاه الأصوات الموسيقية ذات المغزى. إضافة إلى كل هذا وجد البحاثة أن قدرة الاستيعاب وحفظ المعلومات كانت أقوى عند هؤلاء، وذلك اعتباراً من الشهر الرابع من بدء الدراسة. أما المجموعة الأخرى التي لم يتابع أفرادها البرنامج التعليمي فلم يسجل المشرفون على الدراسة أي نتائج ملموسة، وبناء عليه ينصح البحاثة بقوة على حض الأطفال على تعلم الموسيقى إصغاء وأداء، فهذا وشأنه أن يعطي زخماً لقدراتهم العقلية والإدراكية ” عن:صحيفة الحياة.
 
فلذات أكبادنا: حيى على الموت:
لعامين كاملين – تقريباً- وأنا أستمع إلى إذاعة صنعاء برنامج (الإذاعة المدرسية) الذي يبدأ بجمل إنشائية نسمعها من قبل مليون سنة: ” فلذات أكبادنا تمشي على الأرض ” وينتهي البرنامج بها.
السادسة صباحاً أغاني الصباح تصدح من مذياعنا من فيروزيات, وأغان يمنية تنثر الفل والكاذي والندى، والحب، والبن حتى يأتي هذا البرنامج الذي ينزل علينا كالصاعقة وأولى مدرعات، إنهم أطفال انتحاريون يتلذذون بالموت و”على الريق ” وتصبح هذه (الفلذات، والأكباد، والطحال، والقلوب والكلاوي) لا تمشي على الأرض، بل تجثم جثما على كل مسامات الحياة فلا تختصر فيروز، ورياحين الصباح، فحسب، بل وتختصر الحياة.
وأصبح مذياعنا الجميل الذي نعشقه، يزرع قنابل موقوته من حيث لا يدري، مطمئناً بأنه يقدم خدمة للعلم، ولفلذات الأكباد.
أحادية في المنهج، والتدريب، والتفكير، إلغاء للعقل، تنمية الاستبداد بكافة ألوانه، إذكاء نفي الآخر، تلكم العلوم التي تسكب في ساحة (العلم والمعرفة) وهي ساحة لا تختلف عن ساحات ” تورا بورا” بلا علم، ولا معرفة، ولا أنسنة، سوى علوم الفقهنة التي فقهنت ليس علوم الدين واللغة العربية، بل والفيزياء، وعلوم الحاسوب، والفضاء، ويحمل ألويتها أساتذة واستاذات خرجوا من بطون متاحف الأمم المنقرضة، يتوحدون بأصفاد الخيل والليل والبيداء، بلا قرطاس ولا قلم.
أساتذة أشك في أنهم لم يستخدموا عقلهم ولو لمرة واحدة، أستاتذة حولهم وقوتهم تحويل الفيزياء والرياضيات وعلوم العصر إلى فقه يفتتح بالوضوء، ويختتم بالتيمم والجهادية.
وبكل أسف أصبحت إذاعتنا الحميمة إذاعة لانطلاق حناجر ببغاوات متحجرة ” مقنبلة ” بقنابل موقوتة تسمى تجاوزاً أكبادنا، ولا ندري أين تمشي، ليس لها سوى طريق الهاوية المنظمة بالفقهنة في سنوات الانحطاط والظلام.
«إذا كانت ساحة العلم والمعرفة» تتقيأ كل صباح و كل مساء في وجوهنا، وآذاننا هذا الغثاء لعامين عبر الإذاعة، فكيف بعقود من الزمن يطلي مدارسنا، ومناهجنا؟.
 
سلطتان.. ولا موسيقى!
ونحن نستمع لثقافة (الفلذة)/ ساحة العلم والمعرفة، بعد سماع القرآن الكريم، والحديث النبوي، وحكمة الصباح، تأتي جحافل (الأطفال) ومن أول كلمة حتى أخر كلمة تسمع تمجيد ببغاوي لسلطتين لا ثالث لهما: سلطة (الدين) ليس الدين الذي نعرفه، ولكن الدين الوهابي، ثم سلطة المؤتمر الشعبي العام ممثلة بالرئيس والزعيم، مشمولة بتنويعات الفلذات بالإنشاد الانتحاري لهاتين السلطتين ناضحة بكل أدوات وتعابير العنف المؤدلج.
لا آلة موسيقية تلوح في الأفق، حتى ولو كان خطأ، فثقافتنا التعليمية المستمدة من ابن العثيمين، وبن باز، وبن لادن، والزرقاوية، وابن تيمية، تحرم الموسيقى، والفن، والحياة، وما العلم إلا (علومهم) فقط.
كنت أتمنى خلال عامين، أن أستمع لأغنية، لا أنشودة، أغنية تحتفل بالصباح، وبالقلم، وبالدفتر، تحتفل بالحياة، بالحب،بالطفولة، بالتسامح. كنت أتمنى أن أسمع صوت آلة موسيقية حتى لو كانت بدائية كأصوات دق الحجار، طرطقة أخشاب أو ملاعق أو أصوات الطبيعة.. لا شيء من هذا حدث، ولن يحدث في ظل هذه الأجندة التعليمية الملغمة، لكن ستستمع بالتأكيد أناشيد لها رائحة الدم والقبور، وتقديس الزعيم ك: ” قلبي حديد، نهاري لظى، شربت كأس المنايا، فرش التراب يضمني وهو غطاياي، حول الرمال تلفني، يهناك النصر يا قائدنا، وهنيئاً لشعب أنت قائده..الخ”.
فهل هذه هي طفولتنا من شرق الوطن إلى غربه، شماله وجنوبه؟! هل هذا هو علمنا؟! هل هذه هي مدارسنا؟! أم ثكنات عسكرية؟ هل العاملون في حقل التدريس أساتذة تخرجوا من جامعات علمية أم مجاهدون تخرجوا من ساحات الرمادي والفلوجة، وأم المعارك؟
 
والنتيجة:
أطفال مشوهون، حاقدون، كارهون للحياة، كارهون للآخر، أطفال يتدثرون بثياب الغباء، والعته، أطفال تختم على شهاداتهم ختم بأنهم ” معجزاتنا تمشي على الأرض “.
ونحن نعترف بأنهم معجزات لكن صنع خصيصاً لليمن، معجزات لا تعرف إلا عن طريق قوة العادة طريق/ مخلاف واحد لا غير.. ولا تمشي إلا إذا ضربتها وقلت لها حي.. حييييييييييييييي.
فكم سيتحمل هذا الكبد المريض والمعلول ابتداء من المأكولات السامة التي تنتجها أرضنا إلى ألغام ساحة العلم والمعرفة، إلى الفلذات التي تمشي وتتوكأ، وتتقيأ، وتدوس عليه!
 
أخيراً:
يا تربية، ويا تعليم، ويا إعلام، ويا أهل المجتمع المدني، ويا حكووووووووومة:
لي ثلاث زهرات، وأنتم كذلك، كيف أستطيع أن أحميهن، وأدافع عنهن كأم من: مضادات وقذائف الموت، والجهاد، وتقديس السلطة أي كانت التي تزرعها ساحات (العلم والمعرفة) كيف أجعلهن يمتشقن القلم بجانب فرشاة الرسم، والدفتر بجانب آلة العود والبيانو، وبأن الغناء رسول المحبة..
ولا كيف تشوفووووووووووو؟!
[email protected]