خطاب هادئ مع الشيخ الزنداني – عارف أبوحاتم

خطاب هادئ مع الشيخ الزنداني – عارف أبوحاتم

لم يفوِّت الشيخ عبدالمجيد الزنداني مكاناً ولا ميداناً ولا منبراً إلا وتحدث فيه عن اكتشافه لعلاج ناجع لمرضى فيروس الكبد الوبائي، ونقصان العوز المناعي المكتسب “الإيدز”، بل ويؤكد في كل مرة أنه عالج حالات عديدة من هذين الداءين بالعلاج الذي استنبطه من فهمه لحديث نبوي شريف-حسب قوله- وتوصل إليه مع فريق طبي يرأسه ويموله الشيخ الزنداني، مع أنه لا يوجد كلية للطب في جامعة الإيمان الأهلية التي يرأسها.
وهذا الحرص في الترويج من قبل الزنداني له ما يبرره، لأن الشيخ هو المنبر الوحيد لمخترعه، ولم تقم أيٌ من الجهات المعنية بالتعاون معه في الترويج لهذا المخترع الإنساني، ومع ذلك وصل صوت الشيخ إلى عديد شركات، وأقبل عليه كثير من مندوبيها للمفاوضات معه حول تصنيع هذا الاكتشاف.
وللشيخ الزنداني رأيه الشخصي وحقه في اختيار من يكون الأصلح في نفع الأمة، والأفضل في تحقيق المكاسب له ولفريقه الطبي، ولا يستطيع عاقل أن يعتب على الشيخ الزنداني رفضه القبول، أو حتى مجرد الحديث مع الشركات الدوائية الأمريكية، وأظنه كان محقاً عندما رفض هذه الشركات وطلب منها الضغط على حكومة بلادها أولاً من أجل رفع اسمه من قائمة ممولي الإرهاب عالمياً، بعد أن أدرجته وزارة الخزانة الأمريكية في ال24 من فبراير 2004م ضمن قائمة ضمت شركات وجمعيات خيرية وشخصيات دينية واجتماعية.
ومثلما أن الزنداني رجل دين، وباحث علمي ضليع في تخصصه، فهو مثقف ورجل أعمال، ويدرك جيداً حجم الضغوط التي تمارسها الشركات الأمريكية العملاقة على إدارة البيت الأبيض، ويعرف أن الحروب الأمريكية في عدد من بلدان العالم خلال الخمسين سنة الماضية قادتها ثلاثية “الفكر والمال والسلاح”. وهذا ما دفع الشيخ الزنداني إلى تجميد أي نقاش مع هذه الشركات حتى تضغط على حكومة بلادها لتبرئة ساحته من تهمة الإرهاب.
البعثة الطبية الأمريكية التي زارت الشيخ الزنداني مؤخراً اصطحبت معها مصاباً بالإيدز، وعرضت على الشيخ عروضها المغرية في تصنيع وإنتاج علاجه المخترع لمرض الإيدز.
الجواب كان واضحاً سلفاً: “لا نقاش مع الشركات الأمريكية”، ما لم تضغط على حكومة بلادها في رفع تهمة الإرهاب عن صاحب الاختراع، فرحلت البعثة، وتركت مريضها ” المصابـ” لدى الشيخ لتتفاجأ بعد فترة قصيرة أن نسبة الإيدز قد تناقصت لديه بنسبة 40%.
يصنف الشيخ الزنداني الشركات المتقدمة لشراء وإنتاج العلاج الذي اخترعه لمرض الإيدز وفيروس الكبد، إلى ثلاثة أصناف: شركات أمريكية لا نقاش معها، ما لم تنفذ شرطه الأول، وشركات أوروبية يمكن معها الحديث والتفاوض، وشركات صينية لها الأولية. ويحتفظ لنفسه بثلاثة شروط على الشركة التي ستحصل على حق الإنتاج والتصنيع لعلاجه المخترع:
أولاً: تحديد نسبة له من قيمة العلاج المباع.
ثانياً: منحه شهادة براءة اختراع.
ثالثاً: أن يباع العلاج بسعر زهيد في دول العالم الثالث، علاوة على مبلغ ضخم يحصل عليه عند توقيع الاتفاقية.
شخصياً لا أتمنى أبداً أن تصبح قرارات الشيخ الزنداني كقرارات الحاكم العربي الذي خنق الحرية وهو يحفظ الأمن، وضيق الوطن حفاظاً على النظام، والآف المرضى سيموتون عللاً وألماً، وهم ينتظرون اللحظة التي يتنازل فيها الزنداني عن شرطه الثالث حتى يتشافون بعلاجه المكتشف.
إذاً “ومن الحب ما قتلـ”، وشفقة الشيخ الوقور على الفقراء والمعدمين، ستدفع إخوانهم من الميسورين والأحسن حالاً إلى الموت أيضاً، لأن الشيخ يريد شفاء للجيمع أو موتاً وراحة أبدية للجميع.
هو ليس أنانياً،أو غرائزياً، ولم يقل “إذا مت ظمأناً فلا نزل القطرُ”، لكنه محب أعمى، وليس جشعاً أو دنيوياً، وإلا لما رفض عرض شركة صينية ب(50) مليون دولار مقابل إنتاجها لمخترعه النبيل. (حسب علمي).
كاد انطوان تشيخوف طبيب روسيا ورائد القصة القصيرة فيها أن يموت بالملاريا، وهو يكافحها –طوعاً- في سهول سيبيريا، ومثله فعل الأديب الطبيب عبدالسلام العجيلي عندما فتح عيادة مجانية في سوريا لعلاج الفقراء والمعوزين، وأكل العمى عيني العالمة الفيزيائية الفرنسية “ماري كوري”، وهي جالسة أمام المجهر تبحث عن العناصر المشعة في الأحجار، من أجل تقديم شيئ في العلم الإنساني، خصوصاً ” الطبـ”،وأي من هؤلاء لم يطلب مقابلاً مادياً أو شروطاً تعجيزية لاختراعه.
وحالياً قرر “وارين بوفيه” ثاني أغنى رجل في العالم، أن يترك لأولاده 20% فقط من ثروته، ويتبرع بباقي الثروة لمؤسسة بيل غيتس الخيرية، وهي مؤسسة تحمل اسم الثري الأول في العالم.
والشيخ الزنداني سار على درب إنساني نبيل، وفتح عيادة مجانية لعلاج مرضى الإيدز والكبد، وله عذره في أن يكون العلاج بإشراف ورقابة شديدة من أنصاره، حتى لا يتسرب العلاج إلى قراصنة الاختراعات، وليس معنى ذلك أنه يريد الاحتفاظ بمخترعه حتى تأتي إليه الشهرة والأضواء،فهو لم يهدف من اكتشافه هذا إلى تلميع صورته وإظهار وجه آخر له لدى أعدائه، والمتربصين به، خصوصاً الولايات المتحدة التي تصفه بممول الإرهاب.
وعادة ما يكرر قوله “ليس قصدي من هذا الاكتشاف أن أجمل صورتي عند أمريكا، أو عند غيرها، بل قصدي أن أخدم ديني، وأخدم البشرية، وأخدم المرضى، وأسهم في علاج هذه الأمراض، ورفع المعاناة عن الناس”.
لكن ثمة بصيص من أمل يقول بأن الشيخ الوقور سيفرج عن اكتشافه، ويتنازل عن شرطه الثالث، حتى ينقذ آلاف الأرواح، فهو يتذكر جيداً قول الله: “ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا”.
[email protected]